سلوا كؤوس الطلا

الأربعاء 2017/02/01

أن تستمع إلى أم كلثوم يوميا، فأنت كمن يخضع لجلسة تدليك عاطفي هدفها الحفاظ على رشاقة الروح والذاكرة، فكوكب الشرق التي يكون بعد غد الجمعة قد مرّ على رحيلها 42 عاما، تبقى ذلك الخيط الساحر الذي يشدنا إلى دنيا الجمال والخيال والعبقرية، ويخرجنا بنوره السماوي المدهش من محيط الظلام الذي ما انفك يمتد حولنا منذ أعوام.

فصوتها الاستثنائي، ليس وليد الحنجرة القوية فقط، وإنما هو نتاج الثقافة التي ترسخت في مسيرتها منذ أن بدأت طفلة تتنقل مع والدها للإنشاد في الموالد والأفراح، حيث غاصت في عبقرية الضاد من خلال حفظها لعيون الشعر العربي، وتمكنت من السيطرة على مخارج الحروف، وألبست حبالها الصوتية ثوب الجلال المنسوج من حرير المعرفة بأصول اللغة ومنازل الأداء، ما جعل عميد الأدب العربي طه حسين يقول “إن أم كلثوم بصوتها النادر في امتيازه سواء في الجمال أو في سلامة نطق اللغة العربية ساهمت عندما غنت القصيدة في إثبات جمال اللغة وطواعية موسيقاها حتى في أصعب الكلمات لموسيقى الغناء، وكان لصوتها فضل في انتشار الشعر العربي على ألسنة العامة والخاصة”.

العنفوان الكلثومي، تجسد كذلك في قوة شخصية سيدة الغناء العربي، عندما أحاطت نفسها بكبار الشعراء والملحنين والعازفين والكتّاب الصحافيين، فتورط أغلبهم في حبّها، وأستلهموا منها إبداعا سرعان ما أدته بصوتها، فإذا بها تغني للملايين أعمالا فنية كانت في الأصل قد كتبت في شخصها، كقصيدة “سلوا كؤوس الطلا” التي جادت بها قريحة أمير الشعراء أحمد شوقي بعد أن دعا الستّ إلى سهرة في مجلسه في كرمة ابن هانئ بحضور نخبة من نجوم المجتمع، وعندما دارت الكؤوس، لاحظ أن أم كلثوم أمسكت بالكأس دون تلمسه بشفتيها، فعرف أنها لا تشرب الخمر، وفي اليوم الموالي، وصلها منه ظرف مغلق، ما إن فتحته حتى وجدت به ورقة كتبت عليها قصيدة “سلوا كؤوس الطلا هل داعبت فاها واستخبروا الراح هل مسّت ثناياها” التي لحنها في ما بعد رياض السمباطي، لتكون فاتحة الشوقيات التي أدتها في ما بعد، ومنها “سلوا قلبي” و”ولد الهدى” و”نهج البردة” و”النيل”.

وسيذكر التاريخ على الدوام دور أم كلثوم السياسي والاجتماعي، وهي التي بلغت من الشعبية ما جعل الزعماء والقادة يسعون للتقرب منها، والاستفادة من قدرتها على التأثير في الجماهير داخل مصر وخارجها. قال عنها الأديب الكبير يوسف السباعي “إنها نسيج نادر لا يجود به الدهر إلا بعد أجيال وأجيال وسيبقى فن أم كلثوم تراثاً خالداً تتغنى به الدنيا وسيظل مشعلاً هادياً يضيء طريق الفن العربي”. اليوم لا تزال كوكب الشرق في مقدمة كتاب المعاني الجميلة للفن والإبداع، تحظى بهالة المجد التي أحاطتها بها رحلة التاريخ على امتداد عقود طويلة من التميّز، وسيبقى صوتها شاهدا على عبقرية الشرق وقدرته على الإتيان بالمعجزات كلما توفرت فرص الانطلاق في اتجاه الإسهام الفعلي في حضارة الإنسان.

24