سلوكيات أولياء الأمور تزيد العنف داخل المدارس

بفعل التغيرات المجتمعية التي شهدها المجتمع المصري، تحول أولياء أمور طلاب المدارس من عنصر دعم لإداراتها في ضبط سلوكيات الطلاب والتزامهم الأخلاقي والتعليمي إلى عامل لتكريس الاحتقان، وتشجيع أولادهم على الإساءة لمعلميهم ومدرستهم.
السبت 2015/10/10
غياب التعاون بين ولي الأمر والمدرسة يسهم في زيادة تدهور التعليم

في الماضي كانت المدارس تعتمد على ولي الأمر لمنع ابنه من ارتكاب تجاوزات تجاه زملائه أو معلميه، لكن تبدل الحال وأصبحت تجاوزات رب الأسرة نفسه عبئا ثقيلا على إدارات المدارس.

حالة الاحتقان بين الطرفين تشهد تصاعدا مستمرا، لدرجة بلغت حد تبادل السباب والضرب أمام التلاميذ، ما فتح المجال أمام الأبناء للاعتداء بدورهم على معلميهم وزملائهم داخل المدرسة الواحدة، معتمدين في ذلك على عدم معاقبتهم من الأسرة، وهو ما أثار مشكلات بالغة بين أطراف العملية التعليمية (ولي الأمر، الطالب، المعلم، إدارة المدرسة) وصل صداها إلى رئاسة الحكومة المصرية، بعد تكرر حالات العنف في بعض المدارس.

لائحة الانضباط المدرسي التي أقرتها وزارة التربية والتعليم في مصر لم تفلح في إضفاء الاستقرار بالمدارس، بالرغم مما تحويه من عقوبات صارمة ضد الطلاب المشاغبين، حتى لو كان التجاوز بالقول وليس بالفعل، لكونها أغفلت تطبيق عقوبات على أولياء الأمور المتجاوزين في حق المدرسة، بأفعال بلغت حد التعدي بالضرب على المعلمين.

كانت الواقعة الأبرز قد حصلت خلال العام الدراسي الحالي، عندما قام عدد من أولياء الأمور بدخول فصل دراسي في إحد مدارس الجيزة (غرب القاهرة) بالقوة، تحت مبرر الاطمئنان على أبنائهم، وعندما حاولت المعلمة منعهم، تعدوا عليها بالضرب المبرح وتمزيق ملابسها، وساعدهم في ذلك أبناؤهم المتواجدون داخل الفصل، وتدخلت قوات الشرطة بإلقاء القبض على المعتدين من الطلاب وأسرهم وأحالتهم على النيابة العامة.

وفي نفس المحافظة، أراد ولي أمر طفل بالصف الرابع الابتدائي، نقل ابنه من فصل إلى آخر، وحينما رفض مدير المدرسة طلبه، ضربه بـ”قطعة حديدية” سببت له جرحا نافذا في الرأس نقل على إثره إلى المستشفى.

بثينة كشك وكيل أول بوزارة التربية والتعليم قالت لـ”العرب”، إن انتشار ظاهرة العنف بين أولياء الأمور في تعاملهم مع المدرسة، جعل الطالب نفسه يتمرد على المدرسة، وقد يهين المعلم بذريعة أن والده سبقه في نفس الفعل، وهذا ما يثير تخوفات كثيرة من استمرار الوضع الحالي وغياب دور الأسرة التي من المفترض أن تربي أبناءها على احترام الآخر.

بعض أولياء الأمور يشجعون أولادهم على إيذاء مدرسيهم وزملائهم استجابة لـ”ثقافة الغابة”

وأضافت أن وزارة التعليم تحاول بشتى الطرق وضع آليات وإجراءات لإعادة هيبة المدرسة من جديد، لكنها غالبا ما تصطدم بوجود عدد من الأولياء الذين ترتكبون أفعالا مؤسفة أمام التلاميذ الصغار، وهو ما يضعف من هيبة المدرسة لديهم والقائمين على إدارتها وخاصة المعلمين، فكيف يتعامل الطالب مع معلم تعدى عليه والده أمام عينيه؟

ويبدو أن شغب الطلاب لم يشهد فقط زيادة كمية، وإنما نوعية بتطور المشاجرات إلى شروع في القتل أو حدوثه أحيانا، حيث قتل طالبان في أسبوع واحد خلال مشادات كلامية تطورت إلى الاعتداء البدني بين الطلاب داخل مدرستين بدلتا مصر، كما أصيب خمسة آخرون بإصابات بعضها تسبب في عاهات مستديمة بالوجه، في محافظات متفرقة بسبب العنف في المدارس.

مواجهة العنف المتصاعد من وجهة نظر محمد زهران، رئيس تيار استقلال المعلمين، تحتاج إلى إنشاء جهاز شرطة لتأمين المدارس، على غرار شرطة السياحة والآثار.

محمد زهران وهو خبير تربوي قال لـ”العرب”، إن غياب التعاون بين ولي الأمر والمدرسة في تربية النشء، وحث الأبناء أنفسهم على ارتكاب أفعال عنف، يسهمان في زيادة تدهور التعليم، خاصة أن بعض أولياء الأمور أصبحوا رعاة لهذا العنف، الذي سيؤدي لتخريج جيل من الشباب يرى أنه الوسيلة الوحيدة لاكتساب الحقوق وفرض السيطرة على الآخرين ما يقود إلى كارثة حقيقية، على حد وصفه.

ويعتقد محمد منصور أستاذ علم اجتماع الأسرة، أنه لا يمكن اجتثاث العنف بعيدا عن الآباء أنفسهم، وبالتالي فإن الحل يكمن في تشكيل مجلس آباء في كل مدرسة تكون مهمته مناقشة المشكلات المتعلقة بالطالب والأسرة مع إدارة المدرسة بعيدا عن العنف، ويضع بنفسه عقوبات تصل حد الإبعاد النهائي عن المدرسة في حال ارتكاب أفعال عنف، حتى إذا كان رب الأسرة هو المعتدي.

وأضاف زهران لـ”العرب” أن تعظيم دور الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين بالمدارس، وتواصلهم مع الآباء والأبناء باستمرار وتخصيص درجات كبيرة لـ”حسن سلوك الطالب” كفيل بضبط إيقاع التربية في المؤسسات التعليمية.

وبرغم ذلك فإن ما يؤخذ على وزارة التربية أنها تتصالح أحيانا مع ولي الأمر أو الطالب، حتى إذا كانت التجاوزات التي ارتكبها خطيرة، وهو ما قد يعطي انطباعا نفسيا لدى باقي الأسر والطلاب بأن المدارس ضعيفة وبلا أنياب، لذلك فإن تطبيق عقوبات شديدة يقلل من حدة العنف لدى أفراد كانت لديهم النية في ارتكاب العنف.

21