سلوكيات ترامب الفوضوية في مزاد الانتخابات الرئاسية

المرشح الجمهوري الرئاسي دونالد ترامب عرف كيف يلعب وتر مخاوف الأميركيين.
الجمعة 2020/10/30
وحد أم فرق

مع الاستفزازات والإهانات والتغريدات الساخرة طيلة أربع سنوات كتب المرشح الجمهوري دونالد ترامب فصلا استثنائيا بالكامل من تاريخ الولايات المتحدة وذلك إلى حد أنه يتقرب من خوض انتخابات رئاسية له في الثالث من نوفمبر المقبل لتولي ولاية ثانية، كما وكأنها، وفق مراقبين، تمثل استفتاء فعليا على شخصه وعلى أسلوب رئاسته غير المسبوق تماما.

واشنطن - رفض دونالد ترامب، الرئيس الاستعراضي، الذي كان سببا في مضاعفة مخاوف وانقسامات الولايات المتحدة على الدوام بعد وصوله إلى البيت الأبيض لعب دور شخص يوّحد الأميركيين ما يشكل قطيعة واضحة مع أسلافه.

وحتى في ذروة انتشار الوباء الذي تسبب بوفاة أكثر من 227 ألف شخص في الولايات المتحدة، وفيما كانت بلاده تسعى إلى صوت ثابت ومطمئن، رفض بعناد التصرف بسلوك رئاسي ولم يبد أي تعاطف.

وعلى مدى أربعة أعوام شهد الأميركيون سواء كانوا متحمسين أو خائفين، عرضا غير مسبوق لرئيس وصل إلى السلطة بطريقة مدوية ولم يضع لنفسه أي رادع. والنزعة الاستبدادية أو الانهيار الاقتصادي اللذان توقعهما البعض في الثامن من نوفمبر 2016 يوم انتخابه المفاجئ، لم يحصلا.

فقد أثبتت المؤسسات، ولو أديرت في أحيان بشكل سيء، صلابتها فيما بدا عدد من المؤشرات- في مقدمها أرقام التوظيف- في وضع جيد قبل أن تظهر الآثار المدمرة لانتشار كورونا.

لكن وسط رئاسة شهدت عدة فضائح تتناقض تماما مع رئاسة باراك أوباما، ضرب ترامب المعروف بأنه يعشق مخالفة القواعد والاستفزاز، بالقوانين والأعراف عرض الحائط، وهز المؤسسات وزعزع تحالفات بلده.

فقد هاجم قضاة وموظفين رسميين وأعضاء منتخبين وأجّج التوترات العرقية في البلاد، كما أبدى إعجابه بقادة سلطويين من قبيل فلاديمير بوتين وصولا إلى الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وأوقف بشكل مفاجئ التعبئة في سبيل المناخ.

ولا تزال هذه العبارة التي قالها خلال مقابلة لمجلة بلاي بوي في 1990 تنطبق عليه اليوم “العرض هو ترامب والبطاقات نفقت تماما. أستمتع بذلك وسأستمر في الاستمتاع”. والرئيس الـ45 للولايات المتحدة واجه أيضا إجراء إقالة في الكونغرس سيبقى وصمة على رئاسته.

ولم يؤثر الديكور المهيب في المكتب البيضاوي ولا صور أسلافه المعلقة في ممرات البيت الأبيض على شخصية رجل الأعمال النيويوركي، الذي يقوم بأداء رائع على منصات الحملات الانتخابية تمكن من النجاح في رهان تنصيب نفسه في موقع الناطق باسم أميركا المنسيين أو “الجديرين بالشفقة” بحسب تعبير منافسته الديمقراطية عام 2016 هيلاري كلينتون.

وعرف ترامب كيف يلعب على وتر مخاوف أميركيين- غالبيتهم من البيض ومتقدمين في السن عموما- كانوا يشعرون بأنهم محتقرون من قبل النخب على الساحل الشرقي للولايات المتحدة ونجوم هوليوود على الساحل الغربي.

وهذا المحب للهامبرغر والدايت كوك، الذي عرفه الأميركيون أساسا من خلال برنامج تلفزيون الواقع “ذي أبرينتس”، يطلب قاعدة بسيطة بدون هوادة، أن يحل في المكان بالكامل وبأي ثمن.

وبسبب استخفافه بالعلم وتصريحاته غير المطابقة للواقع بشكل كامل، اضطر فريق تقصي الحقائق من صحيفة واشنطن بوست إلى خلق فئة جديدة للتثبت من المعلومات الخاطئة التي تتكرر أكثر من 20 مرة.

ومن جناحه الشهير في البيت الأبيض ويست وين، عمد رجل الأعمال السابق إلى توسيع الهوة بين أميركيتين: الحمراء (الجمهوريون) والزرقاء (الديمقراطيون).

ترامب يبقى الرئيس الوحيد في تاريخ البلاد الذي لم يصل هامش شعبيته إلى نسبة 50 في المئة خلال توليه مهامه

وبعيدا عن إطلاق دعوات جامعة كما أسلافه استخدم ترامب ورقة مخاوف الأميركيين ولوّح عند إعلان ترشحه في 2015، بشبح المهاجرين غير الشرعيين واصفا إياهم بـ”المغتصبين”، ونصّب نفسه في حملة 2020 الضامن الوحيد للقانون والأمن في مواجهة تهديد اليسار الراديكالي.

وفي بلد يعشق اللحظات المؤثرة التي تعبر عن الوحدة الوطنية، لم يعتمد ترامب إلا نادرا لهجة تبلسم الجراح حتى بعد حدوث كارثة طبيعية أو عمليات إطلاق نار دموية.

واستخدم هجماته العنيفة على وسائل الإعلام التي يصفها بأنها كاذبة وفاسدة وعدوة الشعب، لكي يؤلب قسما من الشعب ضد القسم الآخر لكن ترامب يبقى الرئيس الوحيد في التاريخ الذي لم يصل هامش شعبيته إلى نسبة 50 في المئة خلال توليه مهامه.

ويتفق مؤيدوه ومعارضوه على نقطة واحدة، هي أن ترامب وفى بوعوده الانتخابية. وكما أعلن سابقا، انسحب المرشح الجمهوري من معاهدات أو اتفاقات تم التفاوض بشأنها مطولا، في مقدمتها اتفاق باريس حول المناخ الذي وقعت عليه معظم دول العالم للحد من الاحترار المناخي لكن هذا الوفاء بتعهداته ووعوده الانتخابية جاء عبر عمليات اعتبرت هدامة.

وحول مبادراته هذه، يبدو الحكم على النتيجة متفاوتة. فعبر انسحابه من الملف النووي الإيراني قام بتمزيق الاتفاق الذي تفاوض عليه سلفه لفترة طويلة وصعد الضغط على إيران وصولا إلى تصفية الجنرال النافذ قاسم سليماني لكن دون تقديم استراتيجية فعلية.

وخطته الكبرى للسلام في الشرق الأوسط التي أوكلها إلى صهره ومستشاره جاريد كوشنر، لم تؤد إلى نتائج بعد، لكن بإمكانه القول إنه تمكن من تحريك الخطوط في المنطقة عبر رعايته اتفاقات تطبيع بين إسرائيل وثلاث دول عربية هي الإمارات والبحرين والسودان.

ويبقى مقتل زعيم تنظيم الدولة الاسلامية أبوبكر البغدادي في أكتوبر الماضي خلال عملية أميركية في سوريا المحطة الأقوى في رئاسته. لكن تحركه الأكثر جرأة والذي فاجأ فيه العالم وخوّله أن يحلم بنيل جائزة نوبل للسلام، لم يأت بالنتائج المرجوة.

وقد انتهت القمتان مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وزيارة ترامب التاريخية إلى المنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين و”الرسائل الرائعة” بينهما، دون تحقيق أي نتيجة ملموسة، فالنظام الكوري الشمالي لم يقدم أي تنازل بشأن مسالة نزع الأسلحة النووية.

وفي الأجواء الجيوسياسية المعقدة والمتقلبة في القرن الـ21، هاجم ترامب شخصيا رئيس وزراء كندا جاستن ترودو والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي.

ولم يأت التحذير الأشد من خصومه السياسيين بل من وزير دفاعه جيمس ماتيس. ففي كتاب الاستقالة، قال ماتيس موجها كلامه إلى الرئيس الأميركي، إن قاعدة بسيطة للدبلوماسية هي ضرورة “معاملة الحلفاء باحترام”.

وفي سيناريو سياسي غير مسبوق لم يتوقعه أي محافظ، أقدم دونالد ترامب بقدرته على إشعال مشاعر قاعدته الناخبة، على تحجيم الحزب الجمهوري الذي كان قلّل من أهميته في البداية أو حتى تجاهله. وقام نواب من الجمهوريين بالتعبير أحيانا عن معارضتهم لبعض قرارته مثل موقفه المتساهل بشكل غير عادي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في هلسنكي.

لكن مع مرور الوقت، اتحدوا باستثناء بعض الأصوات المعارضة مثل السناتور جون ماكين الذي حذر قبل وفاته في أغسطس 2018 من نزعة نحو “قومية غير منطقية ومضللة”. ويعتمد ترامب في الأعمال كما في السياسة، على مبدأ بسيط: معه أو ضده.

وتحدث المدير السابق لمكتب التحقيقات الفدرالي (أف.بي.آي) جيمس كومي الذي أقاله ترامب فجأة، في مذكراته عن رئيس يخضع أوساطه لمعايير ولاء تذكره بموقف زعماء المافيا عندما بدأ حياته المهنية كمدع.

7