سلوكيات جاهلية في الأدب

الأربعاء 2017/02/01

إذا كان واقع التجزئة قد فُرض على عالمنا العربي بسبب فشل المشاريع السياسية وتسلط الدكتاتوريات والاستسلام لخطط وطموحات النزعة الاستعمارية لدى الغرب، فما بال المثقف العربي ينزع نزعة جاهلية ويسعى، من دون وعي منه، لتكريس هذا الواقع؟..

هذا السؤال طالما شغلني في السنوات الأخيرة وأنا أبحث عن أي مشروع ثقافي عربي جامع ولا أجده، بعد أن سيطر الهم المناطقي على أغلب الفعاليات التي تنظم هنا وهناك في عالمنا العربي، وتراجعت مهرجانات الشعر وملتقيات القصة والرواية، أو اختفت تماماً، نتيجة لما أصاب الحياة الثقافية في بلدان المشرق العربي الكبيرة المنتجة للثقافة من وهن وحروب ودمار، واكتفى المغرب العربي بعزلته وقطيعته مع سوريا والعراق ولبنان، ليس بسبب البعد الجغرافي وحسب، بل بسبب عدم الرغبة في التواصل نتيجة لتبدد المشهد الثقافي وتراجع خيار القراءة ومشاهدة السينما والمسرح ومعارض الفنون التشكيلية إلى مراتب متأخرة على لائحة هموم المواطن العربي التي باتت تتصدرها هموم أكبر تتعلق بسلامته وسلامة أسرته وضمان أمنها وتوفير لقمة العيش لها في زمن عربي صعب بات السالم فيه من الموت أو التهجير كالقابض على الجمر.

لكن أن يستسلم المثقف لواقع التجزئة هذا وينساق إلى موجة الطائفية والمناطقية المقيتة التي باتت سائدة اليوم للأسف، لهو أمر يثير الاستغراب، فطالما كان المثقف العربي رائداً في فضح أساليب الهيمنة ومقاومة روح الاستسلام منطلقاً من وعيه المتقدم وقدرته المفترضة على قراءة الواقع ومتغيراته. إنَّ الاعتزاز بالأوطان والانتماء إلى الهوية أمران جيدان وهما من السلوكيات التي فُطر عليها الإنسان، لكن أن يتحول هذا الاعتزاز إلى حالة مرضية وسلوك جاهلي أمر محزن للغاية.

فما إن تُعلن نتائج مسابقة أدبية أو فنية ما حتى يسارع البعض إلى الاحتفاء بحضور مواطنيه فيها، كما لو كان الأمر في برامج عرب ايدول أو ستار أكاديمي التي تسعى محطات التلفزة بواسطتها لاستدراج المشاهدين من أجل التصويت والاتصال الهاتفي الذي تجني منه تلك المحطات الملايين من الدولارات. إنَّ الأدب من وجهة نظري ينبغي أن يكون أكثر رصانة مما يجري وأكثر دقّة وتمحيصاً.

وبعد أن تراجع مهرجان المربد الشعري الشهير الذي كان يُنظم في العراق، والذي كان بمثابة المحرّك الشعري السنوي في الحياة الثقافية العربية، وتعرضت المهرجانات المتخصصة، كمهرجان بعلبك للموسيقى والغناء، ومهرجان القاهرة السينمائي، ومهرجان قرطاج للفنون والآداب، وبينالي أصيلة للفنون التشكيلية، لمنافسة غير منصفة ولا واقعية من مهرجانات بديلة أو مقلدة لها صارت تُنظم في بعض المناطق ويغدق عليها بالأموال، أقول بعد هذا الواقع المزري والرغبة في احتواء مثل تلك الفعاليات بالمال نتيجة لنزعة بداوة جاهلية، لم ينجح المثقف العربي في تحقيق ممارسات حيادية ومنصفة ومترفعة عن النزعة المناطقية، فبعد أن كان يعول على جائزة نجيب محفوظ للرواية مثلاً، في أن تكون بديلاً حقيقياً ومحرّكاً للنتاج الروائي العربي وتحديد نماذجه المتميزة وتقديمها والاحتفاء بها، سرعان ما انتكست هذه الجائزة وأصابها الوهن وتحولت إلى جائزة مصرية بحت، كما أنّها ظلت عاجزة عن تطوير آلياتها بطريقة تليق باسم نجيب محفوظ الكبير الذي يتمتع بالمكانة المرموقة عربياً وعالمياً، بينما بدأت جوائز أخرى باتت تُنظم في الخليج العربي بتحقيق شعبية خادعة وإقبالاً كبيراً، ليس بسبب مصداقيتها ومهنيتها، بل بسبب المال الذي راحت تغدقه حتى تحول موسم الجوائز تلك إلى موسم للتسابق وتوزيع الأموال، فلا أحد يعرف كيف تنظم تلك الجوائز وكيف يتم اختيار لجانها التحكيمية ولا الأهواء التي تتحكم بها، ناهيك عن انحسار تأثيرها على واقع الفن الروائي العربي الذي يعاني أصلاً من محدودية الانتشار.

كاتب من العراق

14