سلوى بكر تنبش الماضي لتضيء الحاضر في "شوق المستهام"

لم تكن رواية “شوق المستهام” للروائية المصرية سلوى بكر، الصادرة نهاية مايو الماضي عن مؤسسة الأهرام للنشر، تهدف إلى الحديث عن الهوية الضائعة بشكل أساسي كما أوضحت الكلمة على ظهر الغلاف، بقدر ما كان الحديث عن ضياع الهوية أحد الخيوط من بين خيوط كثيرة تشابكت داخل العمل الروائي.
الثلاثاء 2015/06/09
سلوى بكر: موت اللغات هو موت الشعوب

فتحت رواية “شوق المستهام” للروائية المصرية سلوى بكر الأبواب على مصراعيها على عدة أسئلة حول الوجود، والبقاء، واندثار الحضارات، والقطيعة المعرفية التي هي نفق يؤدي لا محالة إلى الزوال والاندثار.

الأسئلة التي أثارها العمل فرضت نفسها كأسئلة ملغومة على وشك تفجير حتى ذاتها، في واقع روائي/ تاريخي متهدم ومنهوب، واقع تفتتت فيه الثقافات والحضارات بفعل الفتوحات، والطائفية، والخوف، والجهل، ومعاداة الآخر وطمس ثقافته، لتكون النتيجة أن كل ثقافة تمحو ما قبلها من ثقافات بفعل عدائي ظاهر أو خفي، لتبدو كل ثقافة جديدة مقطوعة ومعزولة ومريضة من جانب تحاول في فترة ما أن تبحث عن الدواء في ما قد طمسته بالفعل.

اختارت الروائية زمنا روائيا من فترة تاريخية شديدة الخصوصية في التاريخ المصري، وهي فترة دخول الفتح الإسلامي إلى مصر، وما أعقبه من خلخلة ثقافية وحضارية في بنية المجتمع المصري، الذي كان قائما في بنيته العقائدية على تعدد الأديان من الوثنية واليهودية والمسيحية، ثم دخول الإسلام في الفترة التي عاش فيها الراهــب “بطل الرواية”.

تسلط سلوى بكر الضوء على الحياة المصرية التي اختلفت وتشعبت بين كنيسة انقسمت إلى مذاهب، وبدأ كل مذهب يكفر الآخر، وانغماس المنتمين إلى الكنيسة في الانعزال عن الحياة بفعل الفقر والخراج الذي يفرض على العباد، وانسلاخ المصريين من جلد ديانة إلى جلد ديانة أخرى ليس بشكل إيماني دائما، بل بشكل يفرضه نمط الحياة نفسها، وضغوطها، وانهيار البنيان النفسي والصحي للناس، واعتماد العباد على المداواة بالآيات أو السحر، بعد معاداة وحرق الكتب واللفائف الطبية التي كانت تساهم في برْء المرضى، فقط لأنها لفائف كتبها أناس “وثنيون” وبالتالي فهي كتب شيطانية.

عرضت الكاتبة مسألة نسيان اللغة وتحولها إلى مجرد طلاسم يصعب فهمها، وذلك في سياق رحلة الراهب عمّا تبقى من لفائف الأقدمين الطبية، للبحث عن علاج للوباء الذي قضى على قرى مصرية بأكملها، فيجد الراهب أن بعض ما وجد من لفائف في بيت أحد حراس المعابد يقوم باستخدامها في الحرق وإشعال النيران للتدفئة في الشتاء، وأنه غير قادر على فهم لغتها التي باتت سرا ملغزا، ليطرح هذا العرض تساؤلا ملحا حول اندثار اللغات الذي يتسبب بدوره في اندثار شعوب بأكملها، وليفتح الباب حول التساؤل لماذا تندثر اللغات وماذا لو اندثرت اللغة العربية مثلا؟

الكاتبة عرضت مسألة نسيان اللغة وتحولها إلى مجرد طلاسم يصعب فهمها كما تحفز الرواية تساؤلات حضارية عديدة

كما تحفز الرواية تساؤلات أخرى منها لماذا حرص العرب على أخذ حوائط وأحجار ومسلات الكنائس والمعابد الأثرية المصرية، ونقلوها إلى الفسطاط وبنوا بها جوامع وبيوت؟ ولم يهتموا بالاحتفاظ باللفائف القديمة والنفائس الطبية والعلمية التي بحثت في النجوم والفلك والطب والهندسة، بل واعتبروها كتابات وثنية يحق حرقها والتخلص منها؟

ولماذا برّأوا الحجر من الوثنية واستخدموه في معمارهم ولم تُبرأ اللفائف العلمية؟ ربما يبدو التساؤل مفتوحا، وربما يفضي إلى فكرة أن كل ثقافة تعتبر نفسها ثقافة “فاتحة” هي ثقافة تتعالى على ما قبلها وغيرها لدرجة التورط في طمس ملامح ثقافات أخرى إلى الأبد، لتسمح لنفســها هي بالــبقاء.

استطاعت سلوى بكر كذلك في روايتها “شوق المستهام” أن تسلط الضوء على الحياة الاجتماعية للمصريين في تلك الفترة وما عانوه من فقر وتشرد وفرار دائم من الأوبئة ومن الخراج (الضرائب) المفروض على محاصيلهم، مستندة على حصيلة معرفية من مراجع عربية وقبطية ويونانية.

كما تفننت الكاتبة في الحديث عن أصول عدد من المصطلحات المصرية والطقوس الدينية القديمة، وهي تلك المصطلحات المعروفة إلى اليوم في حياتنا اليومية المعاصرة وتعود جذورها إلى الحقبة الفرعونية والقبطية.

اللغة الروائية للكاتبة في روايتها تبدو كلغة قادمة من الماضي، لغة أشبه بلغة المخطوطات، فقد استطاعت الكاتبة أن تختار لغة كتابتها بعناية، لتتسق مع الحقبة الزمنية والتاريخية التي تحكي عنها، وتبدو لغتها تراثية، فيشعر القارئ أن سلوى بكر هي كاتبة من الماضي، وليست كاتبة تكتب عن الماضي من وراء زجاج شفاف.

15