سلوى بوقعيقيص عاشت وقتلت مناضلة من أجل الديمقراطية وحقوق المرأة

الأحد 2014/06/29
التشدد يريد كتم صوت الحرية

الخميس 26 حزيران/ يونيو 2014، يوم يسجل بأحرف من دم في صفحات تاريخ كفاح الشعب الليبي من أجل تحقيق الديمقراطية والسلام والحرية، وسيخلّد في سجلات نضال المرأة الليبية من أجل بناء ليبيا حرة ديمقراطية تعترف بحقوقها وتمنحها مكانتها التي تليق بها، في هذا اليوم سجلت أول عملية اغتيال تستهدف امرأة وهي المحامية والناشطة الحقوقية سلوى بوقعيقيص التي ناضلت بحماس وشجاعة من أجل بناء الديمقراطية في بلدها ومن أجل ضمان حقوق المرأة، خبر الاغتيال حطم فؤاد المواطنين الليبيين وخاصة النساء الليبيات لكنه لن يحبط عزائمهن من أجل مواصلة الدرب الذي سلكته القتيلة لرفع راية الوطن وراية المرأة الليبية.

انتشر خبر اغتيال الحقوقية سلوى بوقعيقيص بشكل سريع ولافت ليس فقط في ليبيا بل على مستوى دولي، فسرعان ما تداولت وسائل الإعلام الخبر وتهاطلت بعده ردود الفعل الدولية المنددة بهذا الفعل الإجرامي الذي أتى على يد المتشددين الإسلاميين الذين حوّلوا الساحة الليبية إلى مسرح عنف وقتال وقتل واختطاف واغتيال، خاصة مدينة بنغازي حيث تقطن الضحية، لكن هذا الانتشار الواسع للخبر لم يكن فقط لكون ما حدث كان فعلا إجراميا بشعا بل لأن الشخصية التي اغتيلت بارزة على الساحة السياسية والحقوقية الليبية، وكذلك على الساحة الدولية.

وأفادت تقارير إخبارية ليبية بأن المحامية والناشطة القانونية سلوى بوقعيقيص لقيت حتفها الليلة الفاصلة بين الأربعاء 25 والخميس 26 يونيو، بعد اقتحام مجهولين منزلها بمنطقة الهواري بمدينة بنغازي شرقي ليبيا وإطلاق النار عليها.

وتداولت وكالات الأنباء بعض التفاصيل عن حادثة الاغتيال تفيد بأن بوقعيقيص وصلت إلى المستشفى على قيد الحياة وكانت مصابة برصاصة بالرأس، ولم تمض دقائق حتى وافتها المنية.

وأفاد حارس المنزل في شهادته لمحضر الشرطة بأن خمسة أشخاص، أربعة ملثمين وواحد غير ملثم، دخلوا عليه وسألوا عن وائل نجل الناشطة، فأخبرهم بأنه غير موجود، فقاموا بإطلاق الرصاص على رجله فأصيب وسقط أرضًا، وأضاف الحارس: “بعدها أكملوا طريقهم إلى داخل البيت وسمعت دوي طلق ناري”.

وبينّت عملية فحص جثة قتيلة الفعل النسوي الليبي وتشريحها، أنها أصيبت بطلق ناري قاتل في الرأس، وطعنت عدة طعنات في جسدها، حيث صرح مصدر طبي “أنها تعرضت لعدة طعنات في الأجناب وفي الظهر وفي أماكن أخرى من الجسم لكنها توفيت متأثرة بإصابتها بالرصاصة التي استقرت في الرأس″، طعنات عديدة وطلقة في الرأس تحيل كلها إلى قدر حقد القتلة على القتيلة، وتشير أيضا إلى أنهم أرادوا الإمعان في قتلها، لكن الطلقة لم توجه فقط إلى رأس القتيلة بل إلى العملية السياسية الانتقالية في ليبيا بأسرها وخاصة إلى المرأة الليبية الساعية لنيل نصيبها من الديمقراطية والحرية في البلاد ما بعد الثورة.

وتزامنا مع قتل سلوى كشفت مصادر أمنية عن اختفاء عصام عبد القادر الغرياني زوج بوقعيقيص، خلال عملية الاغتيال وإخماد صوتها للأبد، وقال مسؤول أمني إن “زوج القتيلة كان متواجدا داخل المنزل أثناء الحادث، وقد فقد بعدها ولا نعلم عن مكانه حتى الآن”، وأضاف “لقد فقدنا الاتصال به”، وهو ما يفضي إلى أنها استهدفت في شخصها وفي عائلتها خاصة وقد تعرض ابنها مسبقا للخطف، ورغم ذلك لم تغادر منزلها وواصلت طريق النضال منه ونشرت صورها على الفايسبوك وواصلت دعوة مواطنيها للنهوض بالوطن عبر المشاركة في الانتخابات التشريعية.

اغتيال بوقعيقيص تم من قبل قوى لا تستسيغ العمل السياسي المدني بشكل عام، وتكره أن يكون ذلك نسويا بشكل أكثر تحديدا

وكانت مشاركة بوقعيقيص في الانتخابات البرلمانية الأربعاء الماضي، آخر فعل قامت به، وهو ما يؤشر إلى أن السيدة كانت ترى بوعي أن مستقبل ليبيا يبدأ من مشاركة مجتمعية فاعلة، تتجاوز الاختلافات السياسية والأيديولوجية وتطرح البدائل والبرامج ولكن القوى التي أطلقت عليها الرصاصة القاتلة، كانت تفكر بآلية أخرى تقوم فقط على إقصاء الآخر المختلف و إلغائه.

وبين العقليتين المتناقضتين يبدو مستقبل ليبيا، التي آثرت أن تقطع مع الاستبداد، مشوبا بالضبابية.

وكان آخر ظهور إعلامي للناشطة الحقوقية سلوي بوقعيقيص مساء الأربعاء على فضائية النبأ المحلية الليبية (خاصة)، وتحدثت خلاله عن الاشتباكات التي جرت بمدينة بنغازي بين قوات الغرفة الأمنية المشتركة، وبين أفراد من كتيبة رأف الله السحاتي. وتناولت المحامية الحدث باعتبارها شاهد عيان على الاشتباكات، كون منزلها يقع في منطقة الهواري بمحيط كتيبة رأف الله السحاتي، وهاجمت خلال مداخلتها الميليشيات المسلحة، وقالت إنهم “يقتلون أفراد الجيش”.

ولعل هذا الظهور استفز أعداء حرية التعبير خاصة بالنسبة إلى المرأة وجعلهم يوجهون لها رصاصة الغدر ليسكتوها كما أسكتوا سابقيها من المثقفين الذين قالوا لا لممارساتهم القمعية والوحشية التي لا تمت لمبادئ الإسلام السمحة بصلة.

وسلوى بوقعقيص محامية ليبية وناشطة في مؤسسات حقوق الإنسان الليبية والدولية، كما أنها كانت ضمن أعضاء ائتلاف 17 فبراير بداية الثورة الليبية عام 2011، الذي كان يدير شؤون مدينة بنغازي فور انطلاق الثورة، وعرفت سلوى بأنها المناضلة المدافعة بشدة عن حقوق الإنسان قبل ثورة 17 فبراير 2011 وبعدها، وتعد من رموز هذه الثورة كونها من مؤسسي المجلس الوطني الانتقالي السابق الذي قاد مرحلة الثورة منذ انطلاقها.

وهذه المحامية الليبرالية شغلت حتى اغتيالها منصب نائب رئيس الهيئة التحضيرية للحوار الوطني في بنغازي الذي ستشرف عليه الحكومة الليبية لإجراء مصالحة وطنية شاملة، وقبل وفاتها بساعات نشرت على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك صورا لها وهي تدلي بصوتها في أحد مكاتب الاقتراع في الانتخابات التشريعية، سعيا منها لترغيب مواطنيها في المشاركة في هذا الحدث الديمقراطي الذي تشهده ليبيا لأول مرة في تاريخها وتعبيرا عن فخرها بهذا الإنجاز وبمواطنتها.

طعنات عديدة وطلقة في الرأس تحيل كلها إلى قدر حقد القتلة على القتيلة، وتشير أيضا إلى أنهم أرادوا الإمعان في قتلها

كما تميزت بنشاطها على شبكة التواصل الاجتماعي فايسبوك وقبل اغتيالها نشرت إلى جانب صورها في مكتب الاقتراع صورا واكبت من خلالها أحداث المعارك الدائرة في مدينة بنغازي ولعبت دور المواطن الصحفي الذي يحاول نشر الخبر من موقع الحدث كمراسل وفيّ للواقع ومن بين ما كتبت على حسابها “إصابة مبنى خلفنا وهو المدرسة الدولية وأمامنا مبنى تحت الإنجاز.. شب حريق في إحدى المزارع المجاورة والضرب مازال مستمرا والسلاح المستعمل أعتقد أنه تطور إلى الهاوزر..”، وكان أصدقاؤها على شبكة التواصل يستقون منها المعلومة ويسألونها عن التفاصيل ويدعون لها بأن يحفظها الله ويحميها ويحمي مدينة بنغازي.

ولاقى خبر اغتيال الرمز النسائي للثورة الليبية على أيادي الغدر المتطرفة والمتشددة تنديدا محليا ودوليا وقد نددت به السفيرة الأميركية في ليبيا ديبوراه جونز، واصفة إياه في تغريدة على حسابها على موقع تويتر بـ”العمل الجبان والحقير والمشين ضد امرأة شجاعة وليبية وطنية حقيقية، أمر يكسر القلب، وصلواتنا مع عائلتها”، ويبدو أن العلاقة بين السيدتين طيبة وهو ما يمكن استنتاجه من خلال صور نشرتها المغدورة على حسابها في فايسبوك صحبة السفيرة الأميركية يوم 07 مايو الماضي أرفقته بالتعليق التالي: “عشاء جمعني مع كل من السفير البريطاني والسفيرة الأميركية والسيد بلقاسم المنتصر”.

ونعت السفيرة الأميركية لدى ليبيا الناشطة الحقوقية بوقعيقيص بتعاطف شديد معها ومع عائلتها وقالت: “لقد استيقظت صباح اليوم على كابوس مفزع يجب علينا جميعاً الآن أن نعمل لتحقيق حلم بوقعيقيص بليبيا حرة “، وفور سماعها نبأ الاغتيال، كانت جونز قد نشرت صورة للناشطة سلوى بوقعيقيص على الصفحة معلقة أسفلها “لا يمكن إخماد هذا النور”. وفي السياق ذاته، نعى المجلس المحلي لمدينة بنغازي، بوقعيقيص، مستنكرا في الوقت ذاته اختفاء زوجها عصام الغرياني الذي انتخب مؤخراً عضوا في المجلس البلدي للمدينة، وطالب المجلس البلدي، الجهات الأمنية والعدلية المختصة “بملاحقة الفاعلين وتقديمهم للعدالة في أقرب وقت، والتصدي لتلك الأعمال الإجرامية”.

هذه المحامية الليبرالية شغلت حتى اغتيالها منصب نائب رئيس الهيئة التحضيرية للحوار الوطني في بنغازي الذي ستشرف عليه الحكومة الليبية لإجراء مصالحة وطنية شاملة

وتطرح قضية اغتيال سلوى بوقعيقيص أسئلة عديدة متداخلة. بعضها يتصل بوضع المرأة المناضلة أو الناشطة المجتمعية والفاعلة السياسية، وبعضها الآخر يرتبط بوضع ليبيا بشكل عام. فاغتيال بوقعيقيص تم من قبل قوى لا تستسيغ العمل السياسي المدني بشكل عام، وتكره أن يكون ذلك نسويا بشكل أكثر تحديدا، اغتيال بوقعيقيص حدث يراد به إسكات كل محاولات تأسيس حراك مدني أو سياسي نسوي في ليبيا التي تروم إرساء الديمقراطية، ولكن الأمل الليبي الذي مثلت سلوى أحد تعبيراته ونماذجه يواجه عقبات عدّة من قوى لا تفعل سوى شدها إلى الخلف.

وخطورة اغتيال سلوى بوقعيقيص تكمن في أن المنفذين أرادوا توجيه رسالة إلى المجتمع الليبي برمته، مفادها أن هذا مصير كل من “تسوّل له نفسه” أن يعمل في المجال السياسي أو المدني الديمقراطي ويعارضنا ويطالب بحقه في الديمقراطية خاصة إن كان امرأة، وهدفه ترهيب كل امرأة “تتجاسر” على فضح قوى التشدد.

لكن ليبيا الجديدة لن تتوقف عن إنجاب نسخ أخرى من سلوى بوقعيقيص؛ سيدات مثقفات ولهن مستوى تعليمي ومهني مرموق، ولهنّ قدرة على المشاركة في الحياة السياسية بكفاءة ولهنّ عزيمة على بناء ليبيا ديمقراطية يتمتعن فيها بحقوقهن كاملة ويساهمن في بناء مستقبل مشرق لوطنهن ولأبنائهن.

19