سلوى روضة شقير الرسامة العالمية التي تلعب لتقول الحقيقة

الأحد 2015/02/22
سلوى روضة شقير فنانة حياتنا المرجأة

عام 2013 شهدت لندن إقامة أول معرض شامل لأعمالها في الرسم والنحت. كانت اللبنانية سلوى روضة شقير يومها قد دخلت عامها السابع والتسعين، وهو ما منعها من حضور حفل الافتتاح الذي أقامه متحف “تيت مودورن”، فمَن الذي تأخر عن اكتشاف الطريق إلى الآخر، العالم أم شقير نفسها؟

لم تكن شقير وهي في سنها ذاك لتجد معنى لذلك التكريس العالمي الذي نظر إليه اللبنانيون بشيء من الزّهوّ. فالفنانة كانت قد بدأت عروضها الفنية في مدن عالمية يوم كانت لا تزال في مقتبل العمر. وكان من المحتمل أن تحظى تجربتها الفنية بالكثير من الاهتمام الغربي لولا أنها قررت العودة إلى بيروت بداية خمسينات القرن الماضي.


النقطة والخط


الفنانة التي دفعها مللها من الواقعية، وقد تعلمتها جيدا، إلى الالتفات إلى التراث الفني العربي ــ الإسلامي من عمارة وزخرفة وخط وجدت في التجريد الهندسي ما يعيدها إلى جذورها، كانت مقولتها “إن أبحاث كاندنسكي حول النقطة والخط التي رأيناها جديدة، هي أبحاث قام بها الفنان المسلم منذ القرن الأول للهجرة” بمثابة بيان شخصي، لم يكن الهدف منه التقليل من قيمة ما توصل إليه الفنان الروسي بقدر ما كان الهدف منه وضع الأمور في نصابها التاريخي الذي كانت الفنانة قد كافحت من أجل أن يكون فنها جزءا أصيلا منه، فلم تكن روحانية فنها المستلهمة من التصوف ذات صلة بروحانية فن كاندنسكي التي تقيم في العلاقات الشكلية الخالصة. ولم تكن شكلانيّتها المستمدة من بنية القصيدة العربية التقليدية ذات صلة بتحولات الشكل في الفن الغربي، وإن وقع التلاقي واتسع مجال المقاربة.

لم تكن شقير مهتمة كثيرا في أن يأخذ فنها مداه العالمي في سياق الفن الغربي، فلديها شيء مختلف تقدمه إلى العالم، ذلك الشيء هو ما جعل واحدا من أهم أربعة متاحف في العالم يقبل على استعادتها وإن حدث ذلك متأخرا.

ولدت سلوى روضة شقير في العام 1916. دفعها شغفها بالرسم إلى دراسته في محترفي الرسامين عمر الأنسي (1901ــ1969) ومصطفى فروخ (1901ــ1957) غير أن تلك التجربة القصيرة في التعلم المدرسي المنضبط بداية الأربعينات وعلى يدي كبيرين هما الأنسي وفروخ قد أدت بها إلى ما لم تكن تتوقعه. كان شغفها بالرسم يقع في مكان وما كانت تتعلمه من دروس في الرسم الواقعي يقع في مكان آخر. كانت صادقة مع نفسها حين قررت الكف عن ازدراء موهبتها وخيالها وفطنتها عن طريق تقليد الواقع. غير أن التجربة الأهم في تحول مسيرتها الفنية حسب الناقدة مهى سلطان وقعت عام 1943. يومها كانت شقير في زيارة للقاهرة وكانت المتاحف مغلقة بسبب الحرب العالمية فقررت أن تقضي وقتها في زيارة القاهرة القديمة بمساجدها وأبنيتها التراثية وهناك رأت ما كانت تحلم به. لقد قبضت على مصدر إلهامها الذي كان حتى تلك اللحظة مجرد هاجس شخصي يزيده القلق الفني خفاء وإرباكا.

في القاهرة القديمة عثرت شقير على ضالتها الفكرية والعاطفية التي تمخضت عنها مغامرة التجريد في معرضها الأول الذي أقامته عام 1947 في النادي الثقافي العربي ببيروت. لم يحظ ذلك المعرض إلا باهتمام النخبة. شقير لم يكن لها خطاب شعبوي. ستكون كذلك دائما عبر كل مراحل مسيرتها الفنية. لقد نسفت الرسامة يومها ماضيها الانطباعي فلم يتعرف عليها الجمهور. لم تكن هناك مناظر طبيعية ولا حياة صامتة ولا صور شخصية. كل ما عرضته شقير يومها كان يقع خارج مفهوم الفن المتعارف عليه اجتماعيا. قبل سفرها إلى باريس كانت شقير قد أكدت حضورها الفني المختلف، وهو حضور لم يأبه كثيرا بجماهيريته. كان لمعان فكرتها المتمردة يشدها إلى الغرب، باعتباره خزانة الفن الحديث.

سلوى شقير تعرف بفكرتها التي تقول إن أبحاث كاندنسكي حول النقطة والخط التي رأيناها جديدة، هي أبحاث قام بها الفنان المسلم منذ القرن الأول للهجرة، ومن هنا كان عملها يبني على التراث منطلقا إلى العالمية


النيزك القادم من كوكب بعيد


ما بين عامي 1948 و1951 عاشت سلوى روضة شقير في باريس طالبة في معهد الفنون، غير أن ثلاثة أشهر قضتها في مرسم الفنان فرناند ليجييه كانت قد أعادتها إلى تجربتها مع مرسمي الأنسي وفروخ.

كان العالم الذي تحلم في الانتماء إليه يقع في مكان آخر. شيء منها كان يستعيد تجربتها اللبنانية وشيء آخر كان ينشئ عمارته بمواد جديدة، هي مجموعة ما استعارته بطريقة تلقائية من إنجازات الفنان الغربي.

لقد تعلمت شقير في باريس الشيء الكثير عن الفن. لم يعد فنها مجرد تكرار لمفردات فنية تراثية، سبق أن رأتها في مساجد القاهرة القديمة وقصورها. صار لعينها أن ترى من خلال عيون فنانين أوروبيين سبقوها إلى التجريد ومن أهمهم الأسباني خوان ميرو والفرنسي أنطوان آرتو. وما كان في إمكانها أن تحمل تبعة النحت المعاصر وحدها؟

لم تكن امرأة وحيدة. كان هناك حشد من الرسامين والنحاتين يقف وراءها، المرأة التي عادت إلى بيروت بعد أن كانت تعرض أعمالها في قاعات فنية مختصة بالفن التجريدي بباريس قوبلت بحفاوة بالغة يوم أقامت معرضها في قصر الأونسكو عام 1963. بعد أكثر من عشر سنوات ستطل شقير على الجمهور بمعرض في القاعة الزجاجية (عام 1974) لتكون بمثابة “نيزك آت من مكان بعيد” حسب تعبير الناقد جورج طراب.


التجهيز الخيالي بالمكعبات


بالنسبة إلى النحت في العالم العربي كانت سلوى روضة شقير ظاهرة استثنائية. لم تكن المرأة التي جُبلت على الهيام بالمفردات الزخرفية العربية قادرة على استخراج أشكالها من صخرة بعينها. كانت منحوتاتها تتكوّن من قطع مركبة، بعضها يضمّ البعض الآخر، من غير أن يوحي بالانتماء المؤكد إليه. قطع مفكّكة يُمكن أن تعرض باعتبارها مفردات خالصة ويمكنها أن تجتمع في عمل واحد، غير أنها لا تكفّ عن قابلية انشطارها لكي تولد من جديد. في أعمالها الخيطية تعيدنا شقير إلى مادة حلمية، هي في حقيقتها تلخيص لفتنة الأنوثة وهي تحيط عالمنا بمكرها. هذه نحاتة لا تستخرج عالمها من كيان صلد سبق يديها، بل تخترع يداها عالما هو ما تضفي عليه شيئا من حبكة صنيعها الخيالي. كان فن شقير بمثابة نبوءة لما سيكون عليه الفن في عصر ما بعد الحداثة. كانت أعمال شقير نوعا من التجهيز، غير أنه كان تجهيزا يمتّ إلى الرياضيات التجريدية بصلة، غير أنه في الوقت نفسه لا يخفي علاقته بالواقع المتاح على المستوى النظري. كانت شقير قد أنتجت أعمالا أثناء الحرب الأهلية اللبنانية (1975ـ1990) كانت بمثابة عقد سلام مؤجل. كانت ثنائياتها العمياء تبطئ من زمن الحرب لكي لا تسرّع في زمن سلم كانت تراه ممكنا. لم تصور الحرب بمفرداتها ولم تشفق على فرائقها، غير أنها اصطادتها مادة تصويرية للقاء يمكن أن يقع في أيّ لحظة.

الآن يمكنها أن تقول كل شيء لتفسر أعمالها، غير أنها لن تتخلى عن الشكل الذي كان دائما سر حياتها. لقد سحرتها الأشكال فكانت ترغب في أن تفسر سر الجمال التصويري من خلال الشكل مثلما تدافع القصيدة العربية عن نفسها بالكلمة.

شقير هي نحاتة كلمات خيالية. تلتقط يداها ما نسمعه لتصنع منه كيانا نراه بقوة خيالها. شقير هي عرافة عصرنا. وهي خلاصة ساذجة قد تدفع بها إلى الضحك. سيدة المعاصرة المتقشفة في أدواتها لن تكون مجرد عرافة تستعرض خبرتها في الطريق.

كانت سلوى روضة شقير تضع أمام أعيننا تركيباتها لتلعب، غير أنها كانت تقول الحقيقة.

9