سليانة التونسية.. أرض خصبة وأهلها عطاشى

الجمعة 2013/12/13
مسيرة رمزية لأهالي سليانة يتركون فيها المدينة في اتجاه العاصمة التونسية

سليانة (تونس)- في حين ينشغل الجميع بتداعيات الأزمة السياسية الخانقة التي تمر بها تونس، تبقى بعض الولايات التونسية، التي اشتد خناقها بسبب الأزمة الاجتماعية والسياسية، في طي النسيان.

تمكن اليأس من أهالي ولاية سليانة الواقعة شمال غرب تونس والتي عرفت مؤخرا بأحداث "الرش"، حيث فقد العديد من سكانها أبصارهم جراء رشقهم بالرش من قبل أعوان الأمن، فهم لطالما حلموا بقدوم مرحلة جديدة من الإصلاحات خصوصا بعد ثورة 14 جانفي التي أطاحت بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي. فلم تزد الصراعات السياسية أهاليها إلا أزمة اختزلتها عبارة "يحيا بن علي".

وقرية البرامة التابعة لمحافظة سليانة، رغم مرور 3 سنوات على الثورة التونسية ورغم الوعود السياسية بأن تطالها الإصلاحات والإعانات، فلا تزال بعيدة عن أدنى أسس العيش الكريم، حيث بقيت هذه المناطق خارج اهتمامات السياسيين و برامج التنمية المتاحة للمناطق الداخلية.

قرابة 300 متساكن مستقرّون في ريف سليانة الجنوبية وبالتحديد منطقة قرواشة التي تعد أحدى أهم المناطق الفلاحية، لكن ما ينغص عيش أهاليها هو رداءة الطريق، حيث من العسير الوصول إلى تلك المناطق، حتى أن سكانها يفضلون ركوب الدواب على السيارات لاستحالة مرورها عبر مسالكها الوعرة للوصول إليها، وما يزيد من معاناتهم هو عدم تمكنهم من بلوغ تلك المنطقة في فصل الشتاء، فعند نزول الأمطار يصبح السكان في عزلة تامة، حتى أن بعضهم يتزود بالمؤونة قبل حلول الشتاء في انتظار فرج أو انقضاء موسم الأمطار .

ورداءة الطريق ليست العائق الوحيد لدى الأهالي فهم يشكون العطش الدائم أيضا، ففي سنة 2009 تم الشروع في مد قنوات المياه وانتهت الأشغال سنة 2010 وظن الأهالي أن العطش لن يطالهم مرة أخرى، لكن ورغم وصول تلك القنوات إلا أن المياه لم تصل إلى المنازل ومع أنهم جدوا في مطالبتهم بحنفيات عمومية غير أن شيئا لم يتحقق، ليتحول الحلم إلى كابوس يعصف بالجميع.

رغم قسوة الحياة تضل البسمة على شفاه أهل سليانة

أما في قرية البرامة فمن السهل على الزائر رصد بسمة أهاليها التي يمتزج فيها الترحيب باليأس وبعيون اختلفت ألوانها بين زرقاء وخضراء وعسلية لتعكس جمال أهاليها رغم قسوة الحياة وضنكها. "نريد الماء"، هكذا صرخ العم صالح بلوعة فـ"نحن لا نأبه للأكل ولا للباس بل نطالب بالماء" يقول شيخ الستين عاما.

ورغم أن ريف البرامة أولى الأراضي التي زارها الرئيس السابق بن علي عام 1994 فإن هذه المنطقة لا تزال تفتقر إلى أسس العيش الكريم. حيث يؤكد العم صالح أن كل المنازل تنقصها العديد من المواد الأساسية، بالإضافة إلى أن أهاليها يعانون البطالة ويقتصر مورد رزقهم على بيع الأواني الخزفية التي تصنعها نساء القرية.

ويضيف العم صالح "على الأقل عندما زارنا الرئيس السابق أصلح لنا بعضا من الطرقات والمسالك ولكن من المعيب أن نتجاوز عتبة عام 2013 ونحن نطالب بالماء لنشرب ونغتسل".

ويقول نوفل ذو الـ26 عاما والحاصل على الأستاذية في الإنكليزية إن ريف البرامة لم يشهد تغييرات منذ زيارة الرئيس السابق الذي أنشأ مسالك للقرية وهيأ بعض الأراضي الفلاحية، وكان ذلك سنة 1994 قبل أن تصبح البرامة كغيرها في طي النسيان.

وللمرأة في منطقة البرامة ملامح أخرى هي أقرب إلى بسالة الرجال من أنوثة النساء. فهي تعيل أسرا بأكملها عبر أوان تصنعها من مادة الطين المتوفرة بكثرة في الجبال المحيطة بالقرية.

وتقول فاطمة ذات الـ47 عاما إنها تعيل 5 أبناء بما تجنيه من بيع هذه الأواني. يدا فاطمة المليئة بالشقوق وتجاعيد وجهها اختزلت سنوات من العناء أكدتها محدثتنا بكل أسف "نحن نعاني بسبب البطالة، فالنسوة هنا يقمن بالعمل عوضا عنهم على اعتبار أننا امتهنا هذه الحرفة منذ الصغر".

امرأة تصنع أواني من الطين المتوفر بكثرة في قرى سليانة

وتؤكد الخالة فاطمة التي تمضي ساعات طويلة في صناعة الأواني أن ما تنتجه يوميا لا يكسبها الموارد الكافية لجلب الحاجيات الأساسية لعائلتها نظرا إلى بخس ثمن القطع وضعف الطلب عليها.

تختزل الخالة فاطمة حالة الكثيرات من ربات البيوت في البرامة وتختصر سهام ذات العشرين ربيعا معاناة فتيات المنطقة لتؤكد أن أغلبهن يرسل إلى العاصمة للعمل في المنازل بعد الانقطاع عن الدراسة.

منطقة تحيط بها الجبال لا أراضي فلاحية تتوسطها ولا طرق مهيئة، طرقات غير معبدة، مستوصف به طبيب يزور الأهالي مرة في الأسبوع، ومعهد يبعد عن البرامة مسافة 45 كلم ومدرسة بتجهيزات بسيطة ودور من الحجر تكاد تسقط.

حالة من التهميش يعانيها أهالي المنطقة، حيث تحولت حقوقهم إلى مطالب تتجاهلها السلطات المسؤولة، وأناس منعزلون لا يأبهون بالسياسة ولا لحالة البلاد. رسالتهم تختزل مطالب الثورة وشعارهم لا يزال مرفوعا في وجه السلطة الحاكمة "شغل، حرية، كرامة وطنية". ويبقى متساكنو هذه الجهات في انتظار لفتة مسؤول لا لغاية الدعاية السياسية بل لتطبيق برنامج تنمية المناطق الداخلية.

20