سليمان الهتلان إعلامي سعودي يحاول فتح حديث مع العرب

الأحد 2016/11/13
مثقف يبحر في فلك التنوير

أبوظبي - تعدُّ تجربة الإعلامي السعودي سليمان الهتلان من بين أهم التجارب الإعلامية العربية. وهي من الثراء لدرجة تجعلها ذات بعد عالمي، ذلك لأنه تحرك إعلاميا في مجال واسع تخطىّ من خلاله الحدود السعودية والخليجية والعربية إلى المجال الغربي مُمثَّلاَ في الولايات المتحد الأميركية، ليعود بعدها ساعياَ لتحقيق عدد من الأهداف، ربما يكون من أهمها على الإطلاق، هو “نشر ثقافة التنوير بمنهج ودراية”، لذلك يبدو مجموعة متنقلة على ما في ذلك من محاذير ونقائص.

تجارب ملهمة

الهتلان يشكل اليوم في واقع الإعلام المرئي العربي، وتحديدا البرامج الحوارية، حالة من الاستقرار النسبي في مناخ عام يطغى فيه العنف على الحوار، والإقصاء على الاقتراب، والنكران على الاعتراف، والتيه على الرشاد.

وهو بهذا المعنى يمكن اعتباره مخالفاً لما هو سائد في الحالة الإعلامية العربية، نستشفّ ذلك من خلال التساؤلات الكبرى التي يطرحها على ضيوفه في برامجه، والتي تمثّل في الغالب إشكاليات، يمكن التأسيس عليها أكاديميا ومعرفيا وسياسيا وثقافيا للخروج من الأزمة الراهنة، إذا نظر إليها من زاوية التغيير وليس من باب الاستعراض النظري، أو المتعة الفكرية، أو النجومية المٌتضَخّمة.

وهي حالات مصاحبة لعناصر النخبة، ومن بينها ضيوف الهتلان، حتى أن منهم من يعتقد أنه يملك الحقيقة المطلقة، لدرجة يبدو فيها غير مدرك للتطورات، ولفشل أطروحاته وعدم صدقيّتها، وأنها أصبحت جزءا من الماضي، بل إن طرح البعض منها يعتبر جريمة في الوقت الحاضر.

يذهب بعض المهتمين بالإعلام إلى اعتبار ما يطرحه الهتلان من تساؤلات على ضيوفه، وما يأتيه من إجابات، وما يتبعهما من تفاعلات سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو في نقاشات متفرقة في المؤسسات الأكاديمية والبحثية، وفي أحاديث المجالس والندوات والمحاضرات، مسألة فكرية وتنظيرية تخص عناصر النخبة وذوي الاختصاص. وهذه القراءة مُحقّة إلى حد كبير، لكن هناك نسبة من المشاهدين -على فرض أنها غير قليلة- من غير المتخصصين تتابع برامجه الحوارية، وفي ذلك نقض لما يذهب إليه الكثير من الإعلاميين العرب، لجهة الترويج لتراجع المعرفة بسبب ضغط الجمهور الجاهل.

إذا سعينا لمعرفة الخلفيّات التي جعلت من الهتلان شخصية إعلامية ناجحة، فقد نجدها في التأسيس الذي قامت عليه أفكاره، وذلك عبر أربع مسارات، جسدتها تجربته العلميَّة والعمليَّة، تخطى فيها حُجُب مرحلة أرخى ليلها سدول ظلامه على الأمة، ليؤكد على وجود نور في نهاية النفق، وتلك المسارات تتمثل في الجانب الأكاديمي أولاً. حيث درس في عدد من الجامعات، كجامعة الملك سعود، وجامعة هارفارد وغيرهما، وما لذلك من تأثير على طرح الإعلام بمنهجية، وعبر تصور علمي واضح، عبر أسئلته وطريقة قيادته للحوار مع الضيوف.

قيادته لمؤسسات إعلامية مرموقة مثل رئاسة تحرير مجلة "فوربس"، وعضويته في مجلس تحرير مجلة "الوورد بولسي جورنال" الصادرة من نيويورك، تضيف إلى تجربة الهتلان الكثير، ما يبرز واضحا في كتبه التي من بينها "الشارع يا فخامة الرئيس" و"أين تفجر نفسك هذا المساء" و"عاصفة الحزم"

من الواشنطن بوست إلى العالم

تترسخ تجربته في مجال الكتابة الصحافية، وفي تأليف الكتب. وتظهر في عدة مقالات نشرها في صحف عالمية شهيرة مثل “النيويورك تايمز″ و”الواشنطن بوست” و”اليو إس إيه توداي” و”ميامي هيرالد” و”بالتمور صن” وغيرها. وأيضا في قيادته لمؤسسات إعلامية في مجال الصحافة المكتوبة، منها على سبيل المثال أنه رئيس تحرير سابق لمجلة “فوربس″، بالإضافة إلى عضويته لمجلس التحرير بمجلة “الوورد بولسي جورنال” الصادرة من نيويورك، أما بالنسبة إلى التأليف، فبمجرد قراءة البعض من كتبه سيدرك القارئ مساره في مجال الكتابة. كتبه التي من بينها “الشارع يا فخامة الرئيس″ و”أين تفجر نفسك هذا المساء” و”تجارب ملهمة” و”أبطال فوق العادة” و”عاصفة الحزم”.

تضاف إلى ذلك مشاركته المباشرة في الإعلام المرئي من خلال إعداد وتقديم عدد من البرامج. حيث عمل منتجاً في محطة الـ”إيه بي سي” مع الإعلامية الشهيرة باربارا وولترز، وأعد وقدم البرنامج التلفزيوني الأسبوعي المثير للجدل “حديث الخليج” على قناة الحرّة. كما قدم أيضا برنامجا تلفزيونيا رصينا اسمه “المنتدى” على قناة دبي، ومنذ نوفمبر 2015 وحتى الآن، يعدُّ ويقدِّم برنامج “حديث العرب” على قناة “سكاي نيوز عربية” في أبوظبي.

إشراف الهتلان وإدراته لمشاريع فكرية وإعلامية دولية ومحلية وخاصة، يبدو مؤثراً للغاية في النطاق الواسع المحيط به.

من ذلك رئاسته لمنتدى فوربس للقيادات التنفيذية بالشرق الأوسط الذي عقد في الدوحة في العام 2007، وشغله منصب الرئيس التنفيذي للمنتدى الاستراتيجي العربي بدبي لخمس سنوات، وشغله حالياً لمنصب الرئيس التنفيذي لشركة “هتلان ميديا” ومقرها الإمارات العربية المتحدة، وهي شركة متخصصة في الدراسات الإعلامية واستطلاعات الرأي.

نسبة غير قليلة من المشاهدين غير المتخصصين تتابع برامج الهتلان الحوارية

المنجز السعودي

اعتماداً على المسارات السابقة، وانطلاقاً من التجربة السعودية في مجال الإعلام -المنتج المادي والمعنوي والبشري- واستناداً إلى أطروحاته التي تدور كلها في فلك التنوير، يؤسس الهتلان لتقاليد جديدة في الإعلام العربي. وهنا علينا أن ننظر إلى ذلك من زاوية التجربة السعودية في هذا المجال، والتي تقدمها عناصر النخبة على استحياء. فهي الآن جديرة بالاهتمام وبالمتابعة على المستوى العربي، بل إن الرهان عربيا، من وجهة نظري، سيكون على المنجز السعودي في هذا المجال.

الهتلان من عناصر النخبة السعودية التي تدرك هذا جيدا، لكنّه يرى أن الترويج لهذه النهضة الإعلامية والثقافية السعودية يجب أن يكون عربيا وليس سعوديا أو خليجيا، فقد ذكر لـ”العرب” أنه من “الأفضل أن يتم الحديث عن المنجز الإعلامي لعناصر النخب السعودية من طرف العرب الآخرين” جاء هذا في معرض حديثه عن ضرورة الإكثار من المثقفين السعوديين في برنامجه “حديث العرب”.

المطالبة بتواجد السعوديين في برامج الهتلان، وغيرها من البرامج الحوارية الأخرى، حسب الهتلان، يعود إلى عوامل عديدة. منها أن هناك حراكا ثقافيا وإعلاميا في السعودية متميزا وجادا وهادفا، من الضروري توصيله لكل العرب، وكذلك فإن الأطروحات السعودية تجاوزت المحلّي إلى القومي، ويمكن لها الإسهام بقوة في الحركة الثقافية والإعلامية العربية. وأخيراً إن قراءة المنجز السعودي عربيا بعيدا عن السياسة وأحكامها المسبقة، أي ما يتم الاختلاف حوله سياسيا، يمكن التقارب حولة ثقافيا وإعلاميا.

مهما يكن، فإن الهتلان يتحرك حاليا ضمن الفضاء العربي الواسع من خلال برنامجه “حديث العرب” في محاولة منه لتجسيد مشروع إعلامي نهضوي قد يُسهم في تغيير الواقع. وهو مختلف كلية عن تلك البرامج الحوارية التي تناسلت بشكل مخيف حاملة اسم “العرب”، وارتبطت باللّهو تارة وبالسخرية تارة أخرى، وطغت عليها البهرجة والإضاءة والتكاليف المصاحبة للبرامج.

الروائي اللبناني أمين معلوف في ضيافة الهتلان

معاناة البرامج الحوارية

البرامج الحوارية العربية ومنها برنامج الهتلان، تعاني، رغم أهمية بعضها وشموليته، من أحادية الطرح في كثير من الأحيان. حيث أن جميع الضيوف يعبّرون عن توجه واحد في الساحات العربية، وهذا يشي بإقصاء متعمّد للآخرين، وفي أحسن الأحوال لا يعوّل عليهم من منطلق الشراكة في تغيير الواقع العربي. كما أنه قد يدفع أصحاب الآراء المخالفة إلى البحث عن فضاء للتعبير، يشكلون من خلاله كتلة خاصة أو يلجأون إلى العنف.

علاوة على أن أغلب ضيوف برامج الهتلان، عمّروا طويلا في الفضاء الإعلامي والثقافي العربي، ومنهم من ثبت إفلاسه الفكري، وهو يطرح نفس الآراء منذ أربعة عقود، غير مبال بالتطور، ولا مهتم بالتغيرات.

وتبدو سلطة المثقف الفردية واضحة على البرنامج، في كونه لا يستضيف كُتَّابا وباحثين من الأجيال الجديدة إلا في ما ندر، وهنا تطرح مساءلة الأجيال للهتلان، وتساؤلات حول سياسة البرنامج.

التنوير الذي نعتقد أن الهتلان يعتبر أحد رجاله في السعودية، لا يجب اختصاره في طرف واحد من أطراف الصراع في الوطن العربي. وليّ الحقائق من طرف الضيوف وليس من المُحَاوِر، بعيداً عن خدمة الثقافة والفكر، بما يعطي انطباعا عاما أن هناك أدواراً مشبوهة لبعض عناصر النخبة، حيث لم نتابع نقدهم للسياسات الخاطئة للحكومات، بما فيها المسائل الخاصة بالمعرفة.

برنامج “حديث العرب” في عمومه يركز على مناقشة رؤى الكتاب والمفكرين، لكنه لا يجعلهم يطرحون بدائل، يمكن التأسيس عليها للخروج من الأزمة. وينتابني شعور أحيانا بأن البرنامج يستمد شرعية وجوده من وجود الجماعات الإرهابية. حتى إذا ما غابت أو انهزمت أو تراجعت، لم تعد له أهمية تذكر، وهو هنا لا يهتم بعنف الجماعات الفكرية المختلفة ذات الأطياف والانتماءات العديدة.

9