سليمان فرنجية زعيم ماروني يمثل كابوسا لعون وباسيل وآخرين كثر

فرنجية لم يكن سهلا عليه، وهو الذي يعتبر نفسه في المحور ذاته، أن يعمد إلى قلب الطاولة و"فضح المستور" في مؤتمر صحافي وفي منتصف ولاية الرئيس عون، وأن يشير إلى أن أسوأ أيام العهد هي التي يشهدها اليوم.
الأحد 2020/05/17
إنهم يكذبون عليكم

من يتابع مسيرة الوزير والنائب السابق رئيس “تيار المردة” سليمان فرنجية لا بد وأن يحتفظ لهذا الرجل بالتقدير على جرأته وصراحته المتناهية في توصيف الحالة السياسية، كما في رجولته إن خاصم أو حالف، فهو لم يسجّل في تاريخه إلى غاية اليوم أي غدر بحليف وهو “شفاف” على “رأس السطح”، ومن الطبيعي لمن يمتلك مثل هذه الصفات أن يشكل أرقا وهاجسا ويكون بمثابة “الكابوس” لمعظم السياسيين الذين يقفون في وجهه وفي مقدمهم رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل.

باسيل الذي يحلم بالوصول إلى كرسي الرئاسة الأولى في بعبدا بعد انتهاء ولاية “عمه” الرئيس ميشال عون، أطلق معركة الرئاسة الأولى قبل أوانها المفترض بعد سنتين ونصف وقد استغل توليه وزارة الخارجية والمغتربين في حكومتين متتاليتين لكي يفرش طريقه وتسويق نفسه عبر السفراء والسفارات اللبنانية في عواصم العالم، لكن محاولاته كلها باءت بالفشل الظاهر لكون القناعة الثابتة حوله في دول القرار أنه لم يعد يحظى سوى بدعم إيراني مبدئي لخوض المعركة الرئاسية بعد أن دخل في عداء مع الدول العربية المؤثرة وفي مقدمها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ناهيك عن مصر.

الروس حلفاء جدد

الخط الاستراتيجي الذي ينتهجه فرنجية بالوقوف إلى جانب النظام السوري وارتباطه بتحالف مع “حزب الله”، لم يمنعاه، وبخلاف باسيل، من نسج خيوط تواصل في الداخل مع كل من الحريري وجنبلاط وجعجع
الخط الاستراتيجي الذي ينتهجه فرنجية بالوقوف إلى جانب النظام السوري وارتباطه بتحالف مع “حزب الله”، لم يمنعاه، وبخلاف باسيل، من نسج خيوط تواصل في الداخل مع كل من الحريري وجنبلاط وجعجع

من الواضح أن الدول الغربية التي تنظر إلى باسيل على أنه ينتمي إلى المحور الاستراتيجي المرتبط بإيران، لن ترضى بوصول من هو “حليف” لحزب الله ومشروعه الفارسي إلى سدة الرئاسة اللبنانية. ورغم الخط الاستراتيجي الذي انتهجه سليمان فرنجية بالوقوف إلى جانب النظام السوري وارتباطه بتحالف مع “حزب الله”، إلا أنه وبخلاف باسيل، نجح خلال السنوات الأخيرة في نسج خيوط تواصل في الداخل مع كل من سعد الحريري ووليد جنبلاط وعقد مصالحة مع رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع المتهم بالضلوع في اغتيال والد فرنجية خلال مجزرة أهدن الشهيرة في العام 1978، فضلا عن كونه قريبا جدا من رئيس مجلس النواب نبيه بري، كما أنه خارجيا لم يدخل في أي عداء مع الدول العربية ولا الغربية.

 و”زاد الطين بلة” ما كشفته معلومات دبلوماسية عن أن زيارة فرنجية الأخيرة إلى روسيا حسمت الاتجاه الروسي بدعم ترشيحه إلى سدة الرئاسة الأولى خلفا لعون، رغم محاولات باسيل التودّد إلى المسؤولين الروس حيث تقصّد خلال زيارته الأخيرة إلى إيطاليا بعد اندلاع انتفاضة 17 أكتوبر في لبنان أن يمكث في الفندق نفسه الذي يقيم فيه وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف وطلب موعدا لمقابلته لكنّ لافروف تجنب عقد اللقاء معه الأمر الذي أثار حفيظة باسيل تجاه حقيقة الموقف الروسي ولاسيما في ظل الاهتمام الملحوظ بفرنجية الذي حل ضيفا على لافروف ونائبه ميخائيل بوغدانوف في موسكو، وهذا ما رفع منسوب القلق لدى رئيس “التيار الوطني الحر” الذي يعلم يقينا أنّ الروس سيشكلون ثقلا أساسيا في المعركة الرئاسية المقبلة عبر بوابة دمشق. هذا في الشكل الخارجي أما في الداخل اللبناني “فحدّث ولا حرج”.

لم يستطع باسيل أن يرى في الأفق شخصية مارونية محتملة لكي تنافسه على منصب الرئاسة الأولى، فراح يستهدف كل من يملك “مواصفات” تؤهله للوصول إلى قصر بعبدا، تارة بالمباشر وطورا بطريقة “شعبوية” استهلاكية لا تسمن ولا تغني عن جوع، فواجه جعجع بعدما “احتال” عليه بصفقة “اتفاق معراب”، فوافق الأخير على ترشيح عون للرئاسة “نكاية” بفرنجية، ثم راح باسيل من تحت الطاولة حينا وجهارا أحيانا أخرى يعرقل كل ما تم الاتفاق عليه وخصوصا في مسألة التعيينات الإدارية وتشكيل الحكومة الأولى للعهد برئاسة الحريري ثم إبقائه خارج حكومة الرئيس دياب. وأثناء مراحل تشكيل حكومة دياب كان باسيل يضع الفيتوات على الأسماء المارونية المقترحة لتولي منصب وزارة الخارجية فعارض اسم فلان واستبعد الفلان الآخر إلى أن رضي باسمِ ناصيف حتي لعدم وجود أي “طموحات” رئاسية لدى الأخير.

في مواجهة الجشع

فرنجية يعيد إلى ذاكرة اللبنانيين بعضا مما سماه بـ"الكذب" الذي تميّز به خطاب رئيس "التيار الوطني الحر" والبطولات الوهمية التي يزعم أنه حققها
فرنجية يعيد إلى ذاكرة اللبنانيين بعضا مما سماه بـ"الكذب" الذي تميّز به خطاب رئيس "التيار الوطني الحر" والبطولات الوهمية التي يزعم أنه حققها

مواجهة باسيل مع فرنجية لم تمر بالسلاسة التي يريدها الأول. وقد كان فرنجية صريحا للغاية عندما وصف طريقة باسيل في تسيير الأمور بالبلد “إذا لم نستطع تبييض صورتنا نهشم صورة الخصم”. في الواقع هذا ما تدل عليه مجمل خطابات باسيل الشعبوية. وقال “طمع الوزير جبران باسيل وجشعه هو ما يعرقل تأليف الحكومة”، في إشارة إلى سعي باسيل للحصول على العدد الأكبر من الوزراء في الحكومة التي كان يشكّلها الرئيس حسان دياب ما يمنحه حق “الثلث المعطّل”.

استعاد فرنجية بعضا من “الكذب” الذي تميّز به خطاب رئيس “التيار الوطني الحر” والبطولات الوهمية التي يزعم أنه حققها والتي شارك الرئيس عون في وصفها بـ”التاريخية”، فتحدى باسيل أن يعلن صراحة أن نتيجة حفر البئر الاستكشافية الأولى في البحر قبالة مسقط رأسه البترون جاءت سلبية وأن “لبنان أصبح بلدا نفطيا” كما يزعم عون وباسيل ليس صحيحا “إنهم يكذبون على اللبنانيين” قال فرنجية. واوضح أن “أجمل ما حصل أنّهم وصلوا إلى السلطة (التيار الوطني الحر) والناس كشفتهم وإن لم يحاكمهم القضاء فإنّ التاريخ سيحاكمهم وهم كذبوا على اللبنانيين منذ 1989 وأنا أتحمّل مسؤولية كلامي”.

نادرة هي المرات التي يقرر فيها فرنجية بق البحصة. وحين يقرر يفعلها، لا يترك سترا مغطى. يسمّي الأمور بأسمائها من دون قفازات ومفردات منمّقة، لا يساير ولا يجامل. وليس سهلا على من يعتبر في “الخط الاستراتيجي نفسه” أن يلقي بهذا الاتهام على “حليفه” المفترض، فأن يعمد فرنجية إلى قلب الطاولة و”فضح المستور” في مؤتمر صحافي وفي منتصف ولاية الرئيس عون يشير إلى أن أسوأ أيام العهد هي التي يشهدها اليوم. وتابع فرنجية “كلما استلم التيار الوطني الحر دفّة قيادة البلد ذهبنا إلى الحروب والكوارث السلبيّة واختراع المشاكل طريقة عمل التيار الوطني الحر وإنتو هجّرتوا المسيحيين، طيّروا الاقتصاد اللبناني من ورا موضوع سلعاتا وفقّروا الناس”.

إرث فرنجية الجدّ

فرنجية يتحلى بأخلاقيات نادرة في الخصومة والتحالف، فلم يسجّل في تاريخه إلى غاية اليوم أي غدر بحليف، ومن الطبيعي لمن يمتلك مثل تلك الصفات أن يشكل هاجسا لمعظم السياسيين الذين يقفون في وجهه
فرنجية يتحلى بأخلاقيات نادرة في الخصومة والتحالف، فلم يسجّل في تاريخه إلى غاية اليوم أي غدر بحليف، ومن الطبيعي لمن يمتلك مثل تلك الصفات أن يشكل هاجسا لمعظم السياسيين الذين يقفون في وجهه

لا يستحي فرنجية في الإعلان صراحة عن خياراته السياسية وهو يشدّد دائما “نحن البارحة واليوم وغدا ودائما مع المقاومة فهذا خيارنا الاستراتيجي وليس خيار مصالح آنية، ولأن في هذا الخيار مصلحة للبنان وللمسيحيين ونحن نعتز بهذا الخيار وهذا المحور”. ويضيف “التواصل مع الرئيس السوري بشار الأسد دائم وأسبوعي والمعنويات مرتفعة دائما عنده وهو دائما يعطينا المعنويات بدل أن نعطيه إياها. ما يربطنا بالأسد هو ما يربطنا بالمقاومة، ولكن المقاومة لبنانية لذا نحن أقرب إليها والرئيس الأسد هو أخ ورئيس دولة شقيقة”.

ولد في مدينة طرابلس أواسط الستينات وتعود بداية عمله السياسي إلى فترة الحرب الأهلية عندما كان في الثانية والعشرين من العمر. وبعد تسلّمه لقيادة “المردة” من عمه روبير، سارع إلى وضع تصور سياسي من رؤية واضحة متكئا على إرث جدّه الرئيس الراحل سليمان فرنجية وصلته بالرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، وهو يجاهر بالعلاقة الشخصية القوية التي تربطه مع بشار الأسد.

قبِل باتفاق الطائف كدستور جديد، وقام بتسليم سلاح ”المردة“ للدولة، كما قام بدعم ترشيح الرئيس رينيه معوض. بعد الطائف، وعيّن عضوا في المجلس النيابي، وكان حينها أصغر نائب فيه، لكنه خسر مقعده في انتخابات عام 2005 نتيجة الجو العام الذي ساد البلاد عقب اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري قبل أن يعود ويسترده. وشارك وزيرا في حكومات متعددة وحمل أكثر من حقيبة لعل أبرزها حقيبة الصحة التي تولاها ثلاث مرات وحقيبة الداخلية التي كان يتبوّؤها حين وقع الزلزال المدمر باغتيال الحريري. بعد ذلك أطلق فرنجية “تيار المردة” كحزب سياسي وأطلق “أكاديمية المـــرَدة للقيادة” التي اعتبرت سابقة في الحياة الحزبية اللبنانية.

يقول سليمان فرنجية إنه لا يخطّط لأي مشاريع رئاسية وهو باق في موقعه وإذا كانت الظروف ملائمة للوصول إلى بعبدا فهو جاهز لهذا الاستحقاق. هذا الكلام يصيب جبران باسيل في الصميم وهو بالتأكيد في السباق أمام خصم “شهم” كفرنجية “حصان خاسر سلفا”.

8