سليمان فرنجية سياسي ماروني ببزة مقاوم

السبت 2014/02/15
فرنجية خاصرة حماية أقليات أخرى للأسد وحزب الله في لبنان

تعود الجذور التاريخية للإقطاع السياسي الماروني لآل فرنجية في معقلهم التاريخي زغرتا إلى الجدّ الأول قبلان فرنجية قبل أكثر من مئة عام. هذا الصعود السياسي لعائلة فرنجية جعلها فيما بعد تشكل مع آل جميل وكميل شمعون المثلث الماروني الذي يتربّع على صدارة التمثيل السياسي الماروني في لبنان خلال عقود طويلة، وإن كان بنسب متباينة فيما بينها. لكن الهيمنة السورية على لبنان منذ منتصف سبعينات القرن الماضي والحرب الأهلية اللبنانية ساهمت إلى حدّ كبير في تغيير أطراف اللعبة السياسية المارونية، حيث تلاشت قوة البعض، وضعفت قوة البعض الآخر، بينما ظهرت قوى جديدة جعلت التمثيل الماروني موزعا فيما بينها.

يتجاوز التوريث العائلي إطار التوريث السياسي لآل فرنجية، إلى توريث الأسماء التي نجدها تتكرر منذ سليمان الأب الذي استطاع أن يتوّج تلك الزعامة بالوصول إلى منصب رئيس الجمهورية عام 1970 بفارق صوت واحد عن الرئيس اللاحق إلياس سركيس. بدأ سليمان الأب حياته السياسية نائبا عن زغرتا عام 1960 خلفا لشقيقه حميد، ليعاد انتخابه في ما بين أعوام 1964 و1968.

يعتبر سليمان الأب المسؤول الأول عن استدعاء القوات السورية للدخول إلى لبنان، بعد أن رجحت كفة الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية في الحرب الأهلية الدائرة هناك عام 1970، مما فتح أبواب لبنان على مصراعيها لنفوذ النظام السوري في لبنان، وذلك بحكم العلاقة الوثيقة التي كانت تربط بين الرئيس سليمان بحافظ الأسد، الذي وجد في هذا التدخل فرصته للانقضاض على لبنان، بوصفه الخاصرة الرخوة للنظام من جهة، ومن جهة أخرى لتعزيز نفوذه ودوره كلاعب إقليمي في معادلات المنطقة.


الأب والابن


بعد انتهاء ولاية الرئيس سليمان فرنجية تسلم زعامة التيار طوني فرنجية، الذي تمّ انتخابه عضوا في البرلمان اللبناني لأول مرة عام 1970 بدعم من والده. لكن هذا الزعيم الشاب المولود عام 1941 لم تدم مدة نيابته سوى عامين، حيث جرت عملية اغتياله مع زوجته وابنته وعدد من مرافقيه على خلفية انسحابه من الجبهة اللبنانية التي كان يتزعمها حزب الكتائب، على خلفية الموقف من الوجود العسكري السوري في لبنان بعد أن كانت قواته قد خاضت معارك شرسة إلى جانب الجبهة اللبنانية ضدّ الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية المتحالفة معها. أدّت عملية الاغتيال إلى انتخاب سليمان طوني فرنجية زعيما لعائلة فرنجية بحكم التوريث الإقطاعي السياسي، على الرغم من صغر سنه حيث لم يكن قد تجاوز الثانية والعشرين من عمره.

يسعى فرنجية إلى تعزيز مواقعه على الأرض، في الوقت الذي تبدو فيه عيناه على كرسي رئاسة الجمهورية اللبنانية

يعدّ سليمان طوني سليمان فرنجية المؤسس الأول لتيار المردة حيث قام بعد اغتيال والده ووالدته بتأسيس هذا التنظيم الذي كان يتألف آنذاك من 4300 شخص. وقد اتخذ من ضيعة بنشي التي كان يستقرّ بها والده مقرا لتياره الجديد بعد أن تخلى له عمه روبير عن الزعامة.

بدأ سليمان الابن بترتيب أوراقه السياسية فكان أول عمل قام به هو وضع تصوّر سياسي لعمل التيار ومواقفه في ضوء خبرة عائلته السياسية العريقة، وشبكة علاقاتها التي أقامتها، ولا سيما مع العائلات التقليدية في طرابلس، حيث تقع في زغرتا قريبا من هذا المعقل، المعقل السني، الذي يحكمه الإقطاع السياسي لعائلات كرامي وميقاتي وآل الصفدي. تتركز الرؤية السياسية لحركة المردة على تأكيد الهوية العربية للبنان، لكن واقع الحال هو أن هذا التمايز للتيار يعكس إدراكا بأهمية العمق السوري لها في تدعيم موقعها السياسي بالساحة اللبنانية في مواجهة خصومها من القوى المارونية الأخرى. لذلك كانت مرحلة الوصاية السورية على لبنان هي أفضل مراحل صعود هذا التيار.
وكما عمل جدّه سليمان على توثيق علاقاته القوية مع النظام السوري خلال مرحلة رئاسته للجمهورية اللبنانية، حذا سليمان الحفيد نفس النهج في تدعيم وتقوية أواصر تلك العلاقة بصورة مباشرة، أو عبر تحالفه القويّ مع الحلفاء التقليديين للنظام السوري في لبنان كحزب الله وحركة أمل الشيعية، إلى جانب علاقاته القوية مع التيار الوطني الحرّ بزعامة ميشيل عون، من خلال ما عرف بتجمّع قوى 8 آذار الذي يشكل الطرف السياسي النقيض للقوى اللبنانية المناهضة للسيطرة السورية على لبنان، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005. كذلك يتمتع التيار بعلاقة وثيقة مع المرجعية الدينية المارونية ممثلة بالصرح البطريكي الماروني.


تيار المقاومة


علاقة سليمان فرنجية الابن القوية مع حزب الله وحركة أمل، جعلته واحدا مما يسمى بتيار المقاومة في لبنان، وهو التيار الذي يطرح في برنامجه السياسي ثلاثية الوطن والجيش والمقاومة في محاولة لإضفاء الشرعية الوطنية على سلاح حزب الله ووجوده العسكري في لبنان.

وتسجل له في هذا السياق تصريحات وخطب يغالي فيها كثيرا بتمجيد شخص زعيم حزب الله حسن نصرالله، كما فعل بعد حرب تموز 2006 عندما قال إن الأجيال القادمة سوف تحسدنا على أننا عشنا في زمن حسن نصرالله.

وبالتالي فإن موقفه من الثورة السورية لا يختلف عن موقف حزب الله أو موقف النظام السوري القائم على اعتبار ما يحدث في سوريا إنما هو مجرّد مؤامرة دولية يستخدم فيها الإرهاب سلاحا لإضعاف جبهة المقاومة والممانعة في المنطقة، وهو ما سيؤدّي إلى قيام حرب عالمية ضدّ الإرهاب، يكون فيها بشار الأسد ركيزة أساسية. لذلك فهو يدافع عن وجود مقاتلي حزب الله في سوريا، معتبرا ذلك جزءا من واجبه لإسقاط المؤامرة الكونية على سوريا.


التاريخ السياسي


تعود بدايات عمل سليمان طوني فرنجية السياسي إلى عام 1987 أثناء اشتداد الحرب الأهلية اللبنانية. وقد عمل منذ ظهوره الأول على تدعيم علاقاته مع نظام دمشق، ممّا جعل علاقاته فيما بعد مع وريث النظام بشار الأسد قوية، جعلته يلعب دور الوسيط بينه وبين بعض الزعامات اللبنانية، في مراحل تقلب سياسات تلك القوى والأحزاب المناهضة للنظام السوري، تبعا للمتغيرات الدولية والإقليمية.

عرف عن إلياس فرنجية الأب قسوته وعنفه من خلال الجريمة التي ارتكبها داخل الكنسية وراح ضحيتها سبعة عشر شخصا أثناء الصدام الذي حدث بين عائلتي فرنجية وعائلة الدويهي عام 1957، والذي على أثرها فرَّ إلى سوريا

كان من المشاركين في مؤتمر الطائف الذي انتهى بخارطة طريق، عرفت باتفاق الطائف لإنهاء الحرب الأهلية الطويلة. بموجب هذا الاتفاق عيّن سليمان فرنجية عضوا في المجلس النيابي اللبناني لأول مرة سنة 1991 وكان أصغر الأعضاء فيه، ثم انتخب نائبا لأول مرة عام 1992، وكذلك في عام 1996 لكنه خسر في انتخابات 2005 ليعود ويفوز في انتخابات 2009.

ساهم بقوة في إنجاح ترشيح مرشح سوريا للرئاسة اللبنانية رينيه معوّض، الذي اتهمت المخابرات السورية في لبنان باغتياله.

شغل مناصب وزارية متعددة خلال تلك الفترة، ومن المفارقات أن توزّره ابتدأ مع تشكيل حكومة عمر كرامي، وانتهى مع سقوطها كذلك عام 2005 إثر عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لم يغادر النائب فرنجية دائرة تحالفاته مع قوى 8 آذار لكنه بدا في مواقفه أقل تطرفا من مواقف الزعيم الماروني الحليف العماد ميشيل عون.

زعامة سليمان فرنجية تعيش وضعا قلقا داخل معقلها زغرتا بسبب انتماءات العائلات الكبيرة التي كانت بين مؤيد ومناهض له، الأمر الذي جعل خارطة تحالفاته تتوزع على مناطق عدّة ففي منطقة الكورة يقوم تحالف تيار المردة مع الحزب السوري القومي الاجتماعي، وفي منطقة البترون هناك تحالف مع التيار الوطني الحرّ بزعامة ميشيل عون. إلى جانب هذه التحالفات يسعى فرنجية إلى تعزيز مواقعه على الأرض، في الوقت الذي تبدو فيه عيناه على الرئاسة اللبنانية سواء من حيث الترشح، أو من ناحية لعب دور أساسي في عملية ترشيح الشخصية المارونية القادمة للرئاسة، من أجل أن يحافظ على دوره ووزنه السياسي في الساحة اللبنانية.

فرنجيه المعروف بهوايته للصيد يحاول أن يقتنص فرصته في الزعامة اللبنانية وهذا ما يفسّر قلة تصريحاته السياسية، وإن كان يعدّ من أكثر الداعمين لسياسات حزب الله وحركة أمل في لبنان، بحيث يوفر إلى جانب التيار الوطني الحرّ مظلة مسيحية يحتمي بها حزب الله في وجه خصومه السياسيين المطالبين بنزع سلاحه.


نشأة تيار المردة


شهد عام 1968 إنشاء تيار المردة الذي يعدّ واحدا من الأحزاب السياسية الفاعلة على الساحة اللبنانية بحكم شبكة علاقاته التي أقامها مع مجموعة 8 آذار ومع النظام السوري. يشكل الموارنة أغلبية أعضاء الحزب وقد ترأس سليمان فرنجية الأب الحزب منذ قيامه، لكنه بعد انتخابه رئيسا للبنان عام 1970 تسلم ابنه طوني زعامة الحزب. لعب هذا الحزب دورا عسكريا إلى جانب قوات الجبهة اللبنانية، لكنه عندما بدأ الصراع بين الجيش السوري والجبهة اللبنانية عام 1978 في المنطقة الشرقية انشق عنهم، فكان أن شنت الجبهة هجوما واسعا على معقل الحركة في إهدن وانتهت باغتيال طوني فرنجية.

عرف عن إلياس فرنجية الأب قسوته وعنفه من خلال الجريمة التي ارتكبها داخل الكنيسة وراح ضحيتها سبعة عشر شخصا أثناء الصدام الذي حدث بين عائلتي فرنجية وعائلة الدويهي عام 1957، والذي على أثرها فرَّ إلى سوريا، التي أقام فيها عدّة شهور، لكنه عاد فيما بعد ليكمل مشواره السياسي.

تتميز علاقات سليمان الابن مع النظام السوري على غرار ما كانت عليه في عهد سليمان الأب بأنها تتجاوز إطار التنسيق والمواقف السياسية إلى الاقتصاد والمال، كما هي حال علاقات النظام مع أغلب الفرقاء اللبنانيين المتحالفين معه، لكي يضمن من خلال ذلك ولاءهم وارتباطهم به للحفاظ على تلك المصالح المالية والتجارية، إضافة إلى الحفاظ على دورهم السياسي من خلال التحالف السياسي الذي يجمعهم والمدعوم بقوة من النظام السوري حيث ترتكز الحياة السياسية في لبنان إلى تفاهمات إقليمية بين مجموعة الأطراف الفاعلة على الساحة اللبنانية وفي مقدمتها النظام السوري.

15