سليمان فرنجية والأسد

السبت 2014/04/19

حين تولى نائب زغرتا وزعيمها سليمان فرنجية رئاسة لبنان عام 1970، وعد اللبنانيين- بصياغة أدبية لسيادة الأمن- بأنهم سيتركون أبواب بيوتهم مفتوحة. لم يعرف فرنجية أن وعده سيتحقق حرفيا، فالحرب الأهلية التي اشتعلت في عهده خلعت الأبواب ثم هدمت البيوت على رؤوس أصحابها.

وفق السيرة التي أعدها جورج فرشخ، فإن فرنجية المولود عام 1910 لم يكمل تعليمه المدرسي لـ”يتفرغ للشؤون العائلية والسياسية”. عمل سليمان لصالح شقيقه حميد (من رجال الاستقلال اللبناني وأحد الساسة المحترمين، نافس كميل شعون على الرئاسة وخسر)، وحين ثقلت وطأة المرض على الشقيق الأكبر، خلفه سليمان في الحياة السياسية وزعامة قضاء زغرتا شمال لبنان.

لا يمكن الحديث عن فرنجية من دون المرور على مجزرة مزيارة عام 1957، فرجال الزعيم “الزغرتاوي” أردوا نحو 32 مصليا داخل الكنيسة بالرصاص في صراع بين عائلات زغرتا على الزعامة السياسية، إذ كان آل فرنجية وآل معوض في حلف يواجه حلف عائلتي كرم والدويهي. حين وصل العماد فؤاد شهاب إلى رئاسة الجمهورية عام 1958 أصدر عفوا بحق حليفه فرنجية الذي كان لاجئا في سوريا مما أتاح له خلافة شقيقه ثم تولي الرئاسة بعدها بنحو 12 سنة.

بعد انتهاء ولاية الرئيس شارل حلو، تنافس مرشحان على رئاسة الجمهورية: إلياس سركيس (مرشح النهج الشهابي) وسليمان فرنجية (مرشح سوريا، سمي حينها بمرشح الاعتدال). كسب فرنجية الانتخابات بفارق صوت النائب كمال جنبلاط. نال فرنجية دعم القوى اليسارية بعد تأييده لسياسات جنبلاط كوزير للداخلية واعدا بتعيينه مجددا. لم يف فرنجية بوعده، وندم جنبلاط على إيصال زعيم زغرتا إلى قصر بعبدا ووصف حكمه بعد أشهر من الرئاسة بـ”حكم الجهالة والقفز على القوانين”.

تاه الرئيس فرنجية بين القوى اليسارية التي تطالب بالإصلاح وتتهم الأحزاب المسيحية بالحرص على تصفية المقاومة الفلسطينية في لبنان، وبين الحلف الثلاثي المسيحي الذي يتهم الدولة بالضعف إزاء منظمة التحرير. افتقد فرنجية للحكمة السياسية والإدارية وتقلب اعتصاما بعصبه المسيحي مرة، وبولائه السوري مرات ولم ينحز إلى الدولة فانفرط عقدها، وتسلّحت الأحزاب في عهده لتنفجر الأزمة حربا. قررت القوى اليسارية قصف قصر بعبدا وطالب أغلبية النواب بعزله أو استقالته، فأخرجه الرئيس السوري من القصر بالأمر المباشر لحلفائه اللبنانيين والفلسطينيين، وأجريت انتخابات رئاسية مبكرة آلت لمنافسه السابق إلياس سركيس. ومع ذلك ظل فرنجية الجد مرشح الرئاسة الدائم من حافظ الأسد.

إثر ولاية الرئيس أمين الجميل، قبل أن تعقد سوريا صفقتها الأميركية “إما مخايل الضاهر أو الفوضى” وجه حافظ الأسد رسالة إلى القوى المسيحية اللبنانية “انتخبوا سليمان فرنجية وأسامحكم على ما مضى”. أسقط سمير جعجع- بغطاء من بكركي- خيار فرنجية كما أسقط خيار الضاهر.

ما أشبه الليلة بالبارحة، من يقرأ عن أجواء انتخابات الرئاسة وأوضاع لبنان عام 1970، فإنه يلمس تطابقا مثيرا مع ظروف عام 2014، من إهمال عربي للانتخابات بسبب ظروف المنطقة، إلى تذمر لبناني ودولي من حزب الله- بدلا من منظمة التحرير الفلسطينية- موضوعه انتهاك الدولة اللبنانية واستضعافها والتدخل في شؤون العرب. ويبرز اسم فرنجية كأحد مرشحي الرئاسة من فريق 8 آذار الموالي لبعث بشار الأسد. هل يصل فرنجية الصغير بأصوات وليد جنبلاط كما وصل سليمان الكبير بصوت كمال جنبلاط؟ وهل تشعل سياسات سليمان الحفيد حربا أهلية جديدة كما فعلت سياسات فرنجية الجد؟

سليمان (الجد والحفيد) يتطابقان في النزاهة المباشرة واحترام قيم الأسرة مع تقديم الخدمات والولاء لأنصارهما بلا حساب، ينتميان إلى الخط المسيحي السوري لا العربي، وينتميان إلى الزعامة “الزغرتاوية” أكثر من الزعامة المسيحية، هما مثال للسياسة المسيحية الضيّقة داخل الإطار الطائفي الضيق أصلا، مما يجعل ميشال عون أقل ضررا لتوهمه بأنه زعيم “وطني وعابر للطوائف”. وصف كمال جنبلاط زميله في المدرسة فرنجية الجد بالطالب «محدود الذكاء، حاد الطباع»، ربما لا يشترك سليمان الحفيد في هذه الصفات مع جده من الناحية الشخصية، لكنه قطعا يتقاطع معها سياسيا.

نجا سليمان الحفيد من مجزرة “إهدن” التي ارتكبها حزب الكتائب عبر “القوات اللبنانية” عام 1978 بصدفة قدرية، صالح فرنجية آل الجميل قادة الكتائب، وصالح المسؤول التنفيذي عن المجزرة (إيلي حبيقة) بسبب تحالفه مع سوريا، وصب غضبه على جندي صغير أصيب قبل الارتكاب الحرفي للمجزرة هو سمير جعجع لخصومته مع البعث!

سليمان فرنجية الحفيد الذي وصف رفيق الحريري قبل اغتياله بـ”أفعى قريطم”، تميّز بمناكفاته للساسة اللبنانيين من منطق سطحي يعتقد بمصادمة المارونية للسنية، وتناقض المسيحية مع الإسلام، شهد عهده كوزير للداخلية في حكومة عمر كرامي الثانية أول انفلات أمني بعد الحرب الأهلية، إذ استباح حلفاؤه (النظام البعثي في دمشق وأتباعه من الساسة والأمنيين اللبنانيين) رجال الاستقلال الثاني كرفيق الحريري ومروان حمادة، إضافة إلى التفجيرات النقالة من الأشرفية إلى عاليه.

خلال أزمة التمديد للرئيس إميل لحود، اقترح فرنجية على بشار الأسد ترشيحه لرئاسة لبنان. اشترط الرئيس السوري مباركة بكركي. أبدى البطريرك الوطني مار نصر الله صفير “عدم معارضته”، فصرح فرنجية للإعلام “انخفضت حظوظ التمديد إلى النصف”، ومع ذلك مدد الأسد للحود مبررا ذلك لفرنجية: “حزب الله لم يعرفك جيّدا بعد، لذا فضلنا استمرار (لحود) الذي يعطينا ما نريد”. ماذا قدم أو سيقدم فرنجية الآن لحزب الله ليضمن ترشحه إذا تم؟

يرتبط سليمان الحفيد بصداقة عميقة مع بشار الأسد، كما ارتبط سليمان الجد بصداقة خاصة مع حافظ الأسد، وبالتالي فإن وصول سليمان طوني فرنجية إلى الرئاسة، سيجعل المنطقة تعاني من “بشارين” بدلا من بشار واحد!


صحافي سعودي

8