سليمان فياض حكاء القرية وفقيهها

الأحد 2015/03/08
سليمان فياض مصري كان ابنا للقرى والحارات و"الحتت" المخفية في عالم الإنسان

في حوار أُجرِي مع الكاتب سليمان فيّاض قبل سنوات عدة وبالتحديد في العام 2006، سأله المحاور ماهر حسن “أستاذ، مَن يكتب عنك بورتريها دقيقًا؟ أعني: يهتم بذكر سلبياتك قبل إيجابياتك؟ مَن يَنُمّ عليكَ؟ أجابَ: ليس هناك مَن ‘يَنُمّ عليّ’ أفضل مني وسأكتب بورتريه نميمة عن نفسي. ماذا ستسميه؟ أجابَ ‘الأبْلَهْ’، في حين أنّه يعرف بين أصدقائه بـ ‘الحكيم سليمان’ فهو دائماً يَجيدُ الصّمت والاستماع، كما يجيدُ كَشفَ الحقائق والوصول إلى لُبِّ الموضوع″ كما وصفه صديقه علاء الديب، كما أنه لم يقيد نفسه بأيديولوجيا معينة أو ينتمي إلى حزب بعينه وإنما ترك ذاته حرة دون أن تتقيد بتحزبات أو قناعات أيديولوجية قد ينفر منها فيما بعد، وهي السمة التي ظهرت في أعماله التي يصفها بأنها “بلا ضفاف أيديولوجية“.


الصحفي المثقف


سليمان فيّاض المولود في عام 1929 في قرية برهمتوش مركز السنبلاوين محافظة الدقهلية، درس في معهد الزقازيق الديني المرحلتين الابتدائية والثانوية، ثم حصل على شهادة العالمية من كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر عام 1956، ثم شهادة العالمية مع الإجازة في التدريس من الكليّة نفسها عام 1959. وقد عمل مدرسًا للغة العربية في كثير من البلدان العربية، إلى أن قدَّم استقالته مبكرًا ليتفرغ للكتابة عام 1984 كما عمل مُحررًا وكاتبًا وصحفيًّا بمجلات الإذاعة والتليفزيون والشهر والبوليس وصحيفة الجمهورية بالقاهرة، وخبيرا لغويًا في مشروع تعريب الحاسب الآلي لبعض البرامج العربية لشركة صخر عام 1988 وشركة IPM بالقاهرة عام 1989، إلى جانب نشاطه في التأليف الإذاعي والتليفزيوني.

بعد أن تولّى الدكتور محمد بدوي رئاسة تحرير مجلة «فصول»، وفي أثناء التجهيز لأحد أعدادها طلب منه شهادة عن روايته الشهيرة "أصوات" التي صدرت عام 1972، لنشرها بالمجلة، فأراد أن يُعبِّر عن ضيقه باختزاله في هذا العمل فقال “كان عمنا يحيى حقي يَضيق نفسًا بأسئلة الصحفيين، وكتابات النُّقاد عن روايته القصيرة "قنديل أم هاشم"، يضيق بإلحاحهم المستمر على هذه الرواية ويقول لأصدقائه: لديّ أعمال قصصية أخرى لا يقل مستواها وقيمتها عن القنديل، فلِمَ التوقف عندها، وكأنّني لم أكتب سواها؟” ويكمل سليمان “الضيق نفسه عانيته، وأعانيه، منذ صدور روايتي أصوات، قبل تسع وثلاثين عامًا، فلي أعمالٌ قصصيّة أخرى، تالية لأصوات، لا تقل عنها شأنًا وقيمةً”. في بداية مشواره الكتابي كان مشغولاً بقضايا الوجود والعدم ومتاهات الأخلاق الحميدة والسيئة مفتونا بثلاثة كُتَّاب: سيد قطب ومحمد الغزالي، وعبدالمنعم خلاف، وكان يكتب باسمه الأول “محمد فياض”. نقطة التحوّل في مساره الكتابي يوم اعترض طريقه القاص أبو المعاطي أبو النجا قائلاً "أسلوبك أسلوب قصّاص، لماذا لا تكتب قِصصًا"، وهي الدعوة التي تلقفها على مَحْمَلِ الجَد وبدأ مشواره بين الفشل والنجاح في الكتابة حتى صار له أسلوبه المُميّز وطريقته الأثيرة في التعبير عن الواقع الذي يكتبه كما يعيشه.

اختزال فياض في رواية “أصوات” فقط، يُعَدُّ بمثابة إجهاز على مشروعه الكتابيّ الذي لم يقصره على فن إبداعي واحد، منذ أن بدأ الكتابة في منتصف الخمسينات، بل طاف بكتاباته في كافة الأنواع بدءًا من القصة القصيرة التي نشر فيها مجموعات “عطشان يا صبايا” (1961)، “وبعدنا الطوفان” (1968)، “أحزان حزيران” (1969) (وهي المجموعة الوحيدة التي خصّصها كاتب للنكسة)، “العيون” (1972)، “زمن الصمت والضباب” (1974)، “وفاة عامل مطبعة” (1983)، “الذئبة” (1989)، “المثقفون أو وجوه من الذاكرة” (1992)، و”ذات العيون العسلية” (1992). والروايات القصيرة مثل "أصوات" 1972 و"القرين" و"لا أحد" و"الصورة والظل" و"الفلاح الفصيح"، وجميعها تتجه نحو النوفيلا، وتراجم الشخصيات التي أسهمت في تاريخ الحضارة الإنسانية في كافة مجالاتها في الطب والأدب والجغرافيا والتاريخ حتى وصلت إلى إحدى وعشرين شخصية منها: ابن النفيس، ابن الهيثم، البيروني، ابن سينا، الفارابي، الخوارزمي، الجاحظ، وابن خلدون .. وغيرهم، وأيضًا اهتمامه باللغة وقضاياها فأصدر فيها معجم الأفعال، العربية المعاصرة، الدليل اللغوي، وأنظمة تصريف الأفعال العربية، والأفعال العربية الشاذة، وجموع التكسير، علاوة على كتابه عن الأئمة الأربعة، ورؤيته عن "الوجه الآخر للخلافة الإسلامية"، وأخيرًا الأعمال الدرامية الإذاعية.

فياض ينال جائزة الدولة التشجيعية بجدارة في العام 1970، عن مجموعة "وبعدنا الطوفان"، لتمنحه لاحقاً مؤسسة سلطان العويس جائزتها في العام 1993، وقد جاء في تقرير لجنة الحكم "استطاعت أعمال سليمان فياض المتعددة أن تشق لها مسارا ذا تميز في واقع القصة القصيرة العربية من حيث نصاعة اللغة"

حَصَلَ على جائزة الدولة التشجيعية عام 1970، عن مجموعة "وبعدنا الطوفان"، ثم منحته جائزة سلطان العويس جائزتها في دورتها الثالثة 92ـ 1993، وقد جاء في تقرير المنح "استطاعتْ أعمال سليمان فياض المتعدِّدة أن تشق لها مسارًا ذا تميّز في واقع القصة القصيرة العربية من حيث نصاعة اللغة، وعمق التناول وجدية التجربة وطرائق التعبير السَّردي، ويظهر ذلك منذ أعماله الأولى حيث انتهجَ أسلوب التناول الواضح الحاد الذي ينأى عن الترهل اللغوي والانفعالي. كما أنه واحدٌ من الذين أخلصوا لفن القصة القصيرة.. حيث تشخيص قيم الحداثة المتجلّية في تقنية الكتابة القصصية واستخدام تعدُّد الأصوات وتنوّع اللغات، ما يعدُّ مساهمةً جادّةً في إثراءِ هذا الفن وتحديثه".

شاحذ الحواس

يَستقي مادة معظم أعماله من واقع معاش، بشخوص وأحداث كان شاهدًا عليهما، أو تصادف رؤيته لهما، أو سَمِعَ عنهما، ويؤكِّد هذا بقوله «لا أكتبُ من الخيال. التجربة بالنسبة إليّ هي الخطوة الأولى دائمًا، والوقائع ترسم الشخصيات. بالتالي لا أستعملُ سياسة المرآة بقدر ما أشحذ الحواس وأقرأ عالمي وأفهمه. لا أكتب إلاّ ما اختبرتْه تجاربي، لأن الكاتب الذي يجلس كي يؤلّف لا يجب أن نصدّقه، ودائماً أسأل: كيف أصنع من قصة عادية موضوعًا روائيًا؟». ومن هذا الواقع المشوّه والمحبط أحيانًا يأتي البطل/الإنسان عاجزًا أمام ظروفه وبين طموحه لتخطى هذا الواقع، ومن ثمة يلجأ إلى الأساطير الشعبية أحيانًا كنوع من التحايل على هذا العجز تارة، وتجاوز فداحة الواقع تارة ثانية.

وصف غالب هلسا البطل لديه بأنه مهزوم دومًا في معركته "من أجل العيش، أحيانا يفقد عقله، وأحيانا يفقد حياته، وأحيانا يفقد شرفه، وأحيانا يفقد احترامه لنفسه»، أما أبو المعاطي أبو النجا فيرى أن «أبطاله يلقون مصيرهم المفجع ليس بأيدي أعدائهم الحقيقيين الذين هيأوا الظروف الموضوعية لهذا المصير، وإنما يَلقى الأبطال مصرعهم بكلّ يد صديقة، بكلّ يد يمكن أنْ ينتظرَ منها العون والإنقاذ، ويحدثُ المصير المفجع في نفس اللحظة التي يتضحُ فيها أنَّ القاتلَ والمقتول هما الضحايا في هذا الصِّراع الذي اختفى فيه كلُّ أثرٍ للقتلة الحقيقيين".

القرية المصرية حاضرة في مجمل أعماله، بكافات تناقضاتها وإيجابياتها المتواضعة وسلبيتها المدمرة، كما ظهرت في قرية الدراويش في رواية أصوات، وقد تكون القرية رديفًا لصورة مصر في صدامها مع الحضارة الغربية. وقد وصفه الناقد فاروق عبدالقادر بسبب إخلاصه للريف بصفة عامه بأنه "حكّاء القرية وفقيهها". ذكره لسلبيات القرية تأتي من إنسان محب وعاشق لها، لا شخص ينتقدها لحساب المدينة أو حتى غوايتها كما فعل كثيرون نظروا إلى القرية من منظور فوقي يتصل بالمفهوم المديني لها.

تتنوّع الموضوعات التي يطرقها في أعماله الروائية ما بين الأسئلة الشائكة التي شغلت الكثيرين عن ماهية الإنسان وهل الإنسان يعيش صراعًا بين الخير والشر؟ كما في رواية "القرين"، أو عن فكرة الحرية وحدودها بين الرغبة في التخلص من الآخر والتوق للانتماء إليه كما في رواية "لا أحد".

كتاب سليمان فياض "النميمة: نبلاء وأوباش" ينتمي إلى فن البورتريه، وفيه يتناول بعض رموز الثقافة المصرية راصدا لظواهر ثقافية حدثت في سنوات ثورة 1952 وما بعدها

وفي كتابته لسيرته الذاتية لم يَبْعُدْ عن تساؤلاته فيقف عند مرحلة التكوين كما جاء في "أيام مجاور" التي صدرت ضمن روايات الهلال في عام 2009، ويروي عن دراسته في المعهد الأزهري بالزقازيق التي استغرقت سبع سنوات، كاشفًا عن بؤس التعليم الدينيّ المتكلِّس، بمناهجه وشيوخه، وهو ما دفعه إلى الهروب من المعهد والدروس والأساتذة إلى مكتبة بحر مويس، كما يحكي عن تجربة الاكتشاف التي تخطت اكتشاف مدينة الزقايق واكتشاف ميضأة الجامعة للاغتسال وغسل الملابس، واكتشاف الشاب الذي خرج من طور الطفولة بعد احتكاك جارته به، إلى اكتشاف مكتبة بحر مويس، والمقاهي خاصة مقهى البسفور، وتأثير هذا المقهى لاحقًا عليه في اتّخاذ الكتابة في الكازينو عادة.


نبلاء وأوباش


ينتمي كتاب "النميمة: نبلاء وأوباش" إلى فن البورتريه، وفيه تناول بعض رموز الثقافة المصرية "راصدًا لظواهر ثقافيّة حدثتْ في سنوات ثورة 1952 وما بعدها، مثل ظاهرة "الكتابة من الباطن" والتحوّل من اتجاه لاتجاه، والشخص الذي يلعب على كل الحبال، وشخص الخدمات الواشي، ونموذج الكاتب المملوكي"، كما ذكر في المقدمة. أما الشخصيات التي اختارها فجاءت حسب الصفة التي تنتسب إليها وفق حكم الكاتب فجاء مثلا الدكتور محمد مندور ضمن فئة الشخصية الإيجابية وأسماه "العبقري المقهور" وكذلك "أنور المعداوي" وأسماه "فارس العصر" وعادل كامل "فارس الدائرة المشؤومة" وصلاح عبدالصبور "هرم الشموع" وبهاء طاهر "مالك الحزين". أما الشخصيات غير الإيجابية فلم يصرِّح بالاسم وإنما اكتفى بأسماء مستعارة مثل: "التمرجي" و"عجل جسد له خوار" و"الفأر" و"لوليتا" و"عازف الفلوت" و"تحولات كاتب". ويرى أن البورتريه يجب أن يرصد الحسنات والسيئات، وأفضلها تلك المكتوبة في قالب قصصي وأدبي. ويعترف أنه وجد ضالته أثناء الكتابة في كتابات مكسيم جوركي في مجال البورتريه.

ينتقد مفهوم الخلافة الإسلامية في كتابه "الوجه الآخر للخلافة الإسلامية" الصادر عن دار ميريت 2009، مشيرًا إلى أن الإسلام لم يفرض نظامًا واحدًا للحكم ولا تصوُّرًا وحيدًا للشورى، في تلميح إلى أن منطق العصر يفرض تداول السُّلطة. ويلفت إلى أن الخلاقة منذ أن نشأت في عهد بني أمية وحتى سقوطها بسقوط الإمبراطورية العثمانية استخدمت الدين "قناعًا لإخضاع البلاد والعباد بما أساء إلى مقاصد الإسلام". ويضيف في ذات الكتاب أن صعود جماعات الإسلام السياسي في السبعينات بتنظيماتها العلنية والسرية عزّز الحنين والمطالبة بالعودة إلى نظام الخلافة الذي "فشلت تجاربه السنية والشيعية"، ويشدّد على "أن نظام الخلافة لا ينبغي للمسلمين أن يعودوا إليه مرة أخرى فهو نظام فرضته العصور الوسطى وكان طبيعيًّا أن يوجد في تلك العصور"، وبعد رحلة حافلة بالعطاء أثمرت الكثير من الأعمال رحل سليمان فياض مؤخراً عن عمر يناهز 87 عامًا بعد صراعه الأخير مع المرض.

9