سليمان منصور: الرسم الفلسطيني بعيد عن الفن التزييني

الأحد 2014/09/14
الإبداع لا جنسية له وكونك فلسطينيا لا يعني أنك مبدع

يُعتبر سليمان منصور من قامات الفن الفلسطيني، من مواليد 1947، ما زال إلى الآن شاهدا على التحولات التي مرت بها القضية الفلسطينية والخسارات التي حلت بشعبه، من مواليد “بير زيت” درس في القدس، وأقام معارض في عدد من عواصم العالم وألّف كتابين عن التراث الفلسطيني بغرض تأًصيله وحفظه من الضياع، وتعتبر لوحته “جمل المحامل” من رموز الفن الفلسطيني واختزال لقضية الشعب ومعاناته. كان لـ”العرب” اللندنية اللقاء التالي معه في حديث عن الفن والشتات والقضية الفلسطينية.

تتعدد الخامات التي يستخدمها سليمان منصور فهو على حد تعبيره حين يستخدم الطين في عمله الفني يبحث عنه في حفريات الأبنية والشوارع خاصة الالتفافية منها، والتي يفتحها الاحتلال للمستوطنين، حيث أنهم يحفرون عميقا في التلال، وتظهر طبقات متنوعة من الصخور والأتربة.

أما عن حضور فلسطين في أعماله فيقول: “هي موجودة دائما في أعمالي إلا ما ندر منها، وذلك من خلال رموز وأشكال من البيئة والتراث الفلسطيني أو من خلال الموضوع والإيحاء، أو من خلال المواد أو من خلال ما يفرضه الاحتلال على الأرض كالجدار وأبراج المراقبة وحواجز التفتيش وغيرها.. لقد كانت فلسطين وستظل موضوعي الأساسي إلى أن تتغيّر الأحوال ونتحرر من هذا الاحتلال البغيض”.


جمل المحامل


تحولت لوحة “جمل المحامل” إلى رمز للنضال الفلسطيني، و في تعليقه على اللوحة يقول: “عندما رسمت لوحة جمل المحامل عام 1973، لم أتوقع أن تصبح رمزا للنضال الفلسطيني، ولكنني سررت بهذا الإنجاز، وفي نفس الوقت أرهبني نوعا ما، لأنه حمّلني عبئا ثقيلا”.

يسترسل: “لم تستمر هذه الحالة طويلا، لأن ضغوطات المشاركة في المعارض المحلية والتي كانت في حينها تعتبر جزءا هاما من الحراك السياسي الفلسطيني، أخرجتني وبسرعة من هذه الحالة المربكة، كما أن العديد من لوحاتي اللاحقة أخذت قسطها من الاهتمام الجماهيري على الأقل داخل الأرض المحتلة”.

كانت فلسطين وستظل موضوعي الأساسي إلى أن تتغير الأحوال ونتحرر من هذا الاحتلال البغيض

ويعقّب أنه لا يعتبر لوحة جمل المحامل أفضل أعماله من الناحية الفنية، ومع هذا فلا يقلل من شأنها، كما يفعل محمود درويش على سبيل المثال في بعض قصائده التي أخذت بعدا جماهيريا. فهي تمثل مرحلة في مسيرته الفنية.

يرى سليمان منصور أن الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم بعد قيام دولة إسرائيل في مواجهة مع مشكلة الهوية بسبب الضغوط الاقتصادية والتأثير الكبير من الفن في إسرائيل وتوجهاته عليهم.

يقول: “قد استضفناهم واستضفنا معارضهم وأقمنا معارض عندهم، وشاركناهم في معارض أخرى ونحن على علاقات جيدة معهم على جميع المستويات”.

أما عن العلاقة مع الآخر الإسرائيلي يقول: “يوجد من بين مئات الفنانين عدد قليل جدا يكرس جل عمله الفني لمهاجمة الاحتلال وسياساته العنصرية، ونحن على علاقة شخصية معهم، وقد ساهمت هذه العلاقة بالإضافة إلى وعي الفنانين بعدم انزلاق الفن الفلسطيني في الأرض المحتلة إلى فخ الصراع الديني، والتأكيد دوما بأن مشكلتنا مع الصهيونية، وليست مع اليهودية كدين، الأمر الذي حافظ على إنسانية الفن الفلسطيني ورسالته النبيلة التي تدعو إلى العدل و الحرية”.


حزن وكبرياء


العمل الفني التقاط للحظة، ومحاولة تكثيف معانيها عند سليمان منصور، هذه اللحظة تحتوي على مشاعر متداخلة، لا يمكن في الحالة الفلسطينية فصلها عن بعضها البعض، فيها الحزن والغضب والكبرياء والتحدي.

يتشابك الضعف الإنساني بالقوة والإصرار والبحث عن الأصالة وهذه الحالات في رأيه: “تلخص الوضع الفلسطيني على المستويين السياسي والثقافي، فما يميز الفن الفلسطيني هو ابتعاده تاريخيا عن الفن التزييني بقدر الإمكان، ومعالجته للحالات سابقة الذكر، كل بطريقته أو طريقتها الخاصة وبأساليب متنوعة حسب ثقافة الفنان وتأثير المحيط الذي يعيش فيه”.

مواسم القطاف: تشبث بالأرض والتاريخ

تتعرض غزة الآن لعدوان في محاولة لاغتيال وجودها، ويرى سليمان منصور أن الفنان يتأثر بالصور التي يراها ويختزنها في ذاكرته الواعية واللاواعية، ولا بد أن تنتج عن هذا الأمر تأثيرات مختلفة في عمله، تظهر إما سريعا أو بعد حين.

يقول في هذا الخصوص: “كل شخص فينا تغير بعد مجازر غزة ولا يمكن تجاوز هذه المأساة حتى لو أردنا ذلك”.

ويضيف عن علاقة الفن بالشتات ودوره في توحيد الشعب الفلسطيني: “الفن بمفهومه الشامل كأدب وموسيقى ومسرح وفن تشكيلي يلعب دورا هاما في توحيد الشعوب، خاصة إذا كان فنا صادقا يعكس ثقافة الشعوب وهمومها بأدوات وأشكال ورموز يفهمها ويتفاعل معها”.

في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته كان الفن الفلسطيني في الأرض المحتلة يبحث عن وسائل للتعبير عن الهوية الوطنية، وفي مسعاه هذا نهل من أربعة مصادر أساسية وهي التراث والفن الإسلامي والفن الكنعاني والفن العالمي الذي يعالج قضايا الاضطهاد والتحرر.

يقول منصور: “كل فنان تقريبا مر على هذه المصادر وانتقى منها ما يلائمه بمن فيهم أنا، ولكن تركيزي كان على التراث وخاصة الأزياء الشعبية والتطريز الفلسطيني الذي يعتبر من أغنى الحرف الفنية في مجاله على مستوى العالم، من حيث قدمه وتنوعه وانتشاره الواسع، خاصة في النصف الجنوبي من فلسطين، وشمل بحثي هذا جانبا نظريا وآخر عمليا، حيث ركزت على استعمال الأزياء الشعبية والتطريز بكثرة في أعمالي الفنية للتعبير عن موضوع الهوية”.


كآبة مضاعفة


تطغى على أعمال سليمان منصور الكآبة، لكن ألا يرى في التغيرات التي تحصل في المنطقة بصيصا من تفاؤل؟ يجيب: “الوضع الفلسطيني يسير من سيئ إلى أسوأ، وأتمنى أن أكون مخطئا، ولكن هذا ما أشعر به، وكذلك الوضع العربي ليس بأفضل حالاته”.

يضيف: “إسرائيل تستغل هذه الأوضاع لتسريع الاستيطان ولتهويد القدس وارتكاب المجازر ضد الشعب الفلسطيني، هذه المجازر التي حركت الرأي العام العالمي، ولم تحرك سوى أربع مظاهرات في العالم العربي من المحيط إلى الخليج”. متحسرا: “شيء مؤسف فعلا، ولذا فأنا أخشى أن الكآبة ستزيد في أعمالي وليس العكس”.

لا بد من التأكيد دوما على أن مشكلتنا مع الصهيونية، وليست مع اليهودية كدين، الأمر الذي حافظ على إنسانية الفن الفلسطيني ورسالته النبيلة التي تدعو إلى العدل و الحرية

ويضيف معلقا على الثورات في البلدان العربية: “في البداية استبشرنا خيرا بهذه الثورات، التي كان من الممكن أن تعيد إلى الإنسان العربي كرامته ومقدراته وتؤسس لوحدة عربية على الأقل اقتصاديا. ولكن مع مرور الوقت زادت التدخلات المختلفة فيها، وحادت هذه الثورات عمّا أمّلناه منها وتحولت إلى شيء آخر لا نفهمه”.

أبرزت القضية الفلسطينية العديد من القامات الأدبية والفنية، هل يرى في ظل التغيرات التي تحدث أننا قد نقف أمام حالات مشابهة؟ يجيب: “من الصعب تكرار شخصيات عملاقة كمحمود درويش وناجي العلي وادوارد سعيد وغسان كنفافي وغيرهم.. ومع هذا فإن الشعب الفلسطيني متعلم ويفهم أهمية الثقافة في صراعه من أجل الحرية وفي الحياة بصفة عامة، ولا بد أن ينتج قامات أدبية وفنية لا تقل أهمية عن الذين سبقوهم عاجلا أو آجلا”.

المرأة تتكرر في أعمال منصور سليمان، ويرى أنها ترمز في أعماله وأعمال العديد من الفنانين الفلسطينيين -خاصة في فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي- إلى الثورة والوطن والأم، بالإضافة إلى النواحي الجمالية والتعبيرية التي تحملها المرأة في الفن.

فيقول: “هذا المفهوم للمرأة موجود في الفن العالمي منذ الفترة الرومانسية على الأقل، إنني ولغاية اليوم أرسم المرأة لأنني لا أزال أبحث عن الثورة والوطن المحرر”.

العمل الفني والأدبي والموسيقي والمسرحي والسينمائي كلها تعبر عن الشتات والهمّ الفلسطيني تحت الاحتلال وفي كل موقع. من ميزات الفن الفلسطيني أنه لو حاول الفنان الابتعاد في عمل ما عن الهمّ الفلسطيني، فإن المشاهد يعيده إلى تلك الخانة من خلال التفسيرات والإسقاطات المختلفة.

ويرى أنه: “مجرد وضع عنوان (الفن الفلسطيني) على أي معرض يكسبه أصدقاء وأعداء حتى من دون مشاهدة المعرض وهذا شيء مؤسف حقا. على كل حال إن الاعتقاد بأن الفن يكفي للتعبير عن مآسي الشعب الفلسطيني والتشبث بالأرض، فإن هذا وَهْمٌ وتحميل وظائف الفن قدرات فوق طاقتها.. هذا الأمر بحاجة إلى إبداع في الفن، وكذلك في التوثيق وكتابة التاريخ والتعليم والنشر محليا وعالميا”.

16