سليمان منصور رسام الأرض الذي استغاث بموادها

أعمال الفنان الفلسطيني تبدو على قدر من الاسترخاء يتناقض مع الظروف الصعبة المحيطة بها، فهي لم تُرسم تحت ضغط الحاجة المباشرة أو بتأثير انفعال لحظوي، بل هي وليدة تأمل طويل.
الأحد 2020/02/09
مسكون بفلسطين بالقوة نفسها الذي تسكن فلسطين

بدلا من أن يرسم الأرض التي شغف بها بصريا منذ طفولته صار يستعمل مادتها التي هي الطين في صناعة لوحاته. كانت الفكرة مبنية على مقاطعة مواد الرسم القادمة من دولة الاحتلال غير أنها انفتحت على خيال أكثر سعة. ذلك التحول التقني قاد سليمان منصور إلى العثور على مفتاح جديد من مفاتيح الرمزية الفلسطينية التي كان يفكر فيها باعتبارها فعلا كاملا لا يقبل النقصان. بمعنى اشتباك عناصر العملية الفنية، الفكرية والتقنية والأسلوبية، بعضها بالبعض الآخر لتقود النتيجة إلى القبض على جوهر الهوية. هناك حيث تقع خلاصة المسعى الجمالي.

خارج الوصفة الجاهزة

منصور يرسم  البرتقال والزيتون بسعادة مَن يرى لا بتعاسة مَن يتذكر
منصور يرسم  البرتقال والزيتون بسعادة مَن يرى لا بتعاسة مَن يتذكر

عاش منصور حياته كلها قريبا من الأرض. لذلك يحق له حين يغمض عينيه عن مشهد سيرسمه، أن يقول “هذه فلسطين”. فهو يعرفها واقعيا عن طريق حياة عاشها ناقصة تحت الاحتلال وهو يهتدي إليها رمزيا عن طريق الفن في الوقت نفسه. فللفن طرقه المجاورة التي لا تخضع لسلطة الواقع.

لم يكن منصور حين يرسم يتبع تعليمات وصفة فلسطينية جاهزة، كان مَن سبقه إلى الرسم من أبناء وطنه قد وضعوا معادلاتها. ذلك لأن مفرداته إضافة إلى أنها مستلهمة من البيئة المحيطة به فإنها تختزن في أعماقها طاقة حلم غير قابل للنفاد. حلمه الشخصي الذي لا يزال نضرا. ذلك الحلم الذي يبقي فلسطين كما هي، من غير أن يلحق بها أي وصف خارجي.

منصور يحق له حين يغمض عينيه عن مشهد سيرسمه، أن يقول "هذه فلسطين". فهو يعرفها واقعيا عن طريق حياة عاشها ناقصة تحت الاحتلال وهو يهتدي إليها رمزيا عن طريق الفن

حين رسم لوحته الشهيرة “جمل المحامل” فإنه أنشأ أيقونة متحولة، يمكنها أن ترافق الفلسطيني في كل مكان وزمان، بغض النظر عن طريقته في التفكير السياسي أو توجهه العقائدي. فالأسطورة التي تبناها منصور كانت مستلهمة من واقع يومي عاشه الفلسطينيون وهم يسعون إلى تثبيت عناصر هويتهم في مواجهة مسعى عالمي عاصف لمحوها.

انتبه منصور في وقت مبكر إلى مسألة التربية الوطنية عن طريق الفن. فكان معلما من طراز خاص. لم يكن الرسم حينها وسيلة للتعبير فحسب، بل كان أيضا محاولة للتنقيب بحثا عن الجذور التي لا تزال حية. لذلك اهتم بالحرف اليدوية مركزا على فنون التطريز التي شعر بأنها تختزن ثقافة شعب.

رسام المواد المتصالحة

رسوم منصور هي خلاصة حب الوطن الحي وحب الشعب المقاوم
رسوم منصور هي خلاصة حب الوطن الحي وحب الشعب المقاوم 

وبالرغم من أن منصور استغرق كثيرا في دراسة وتدريس مفردات التراث الشعبي الجمالية، غير أن الغريب في الأمر أن فنه لا يركز عليها بشكل كلي، بل هي جزء ثانوي منه، غير أنها لا تقل حضورا عن باقي الأجزاء.

ولد منصور في بلدة بيرزيت إحدى قرى رام الله عام 1947. ما بين 1967 و1970 درس الرسم في كلية الفنون بالقدس. عمل في تدريس الفن في دار المعلمات التابع للأونروا ما بين عامي 1975 و1982. كما ساهم في تطوير الصناعات الحرفية في جامعة بيرزيت.

ما تعلمه منصور من الحياة وضعه في خدمة نضاله من أجل شعبه. لذلك فإنه رسم الكاريكاتير السياسي في الصحافة المحلية كما قام بتزيين الكتب التعليمية برسومه إضافة إلى أنه شغف بتعلم الصناعات التقليدية والتعامل مع النحاس والمينا والخشب والخزف في صناعة أعماله إلى أن انتقل إلى المرحلة التي صار يعتمد فيها على المواد المحلية في رسم لوحاته.

لقد كان التعرف على المواد المحلية بمثابة اكتشاف حيوي على مستوى التعرف على عنصر جديد من عناصر الهوية الوطنية. وهو ليس بالأمر اليسير. ذلك لأن التخلي عن المواد الفنية الجاهزة يعني العودة إلى مرحلة ما قبل تصنيع المادة الفنية المعلبة. الفنان هنا يقيم صلحا مع مواد مهجورة ليضفي عليها قيمة هي من أصلها، غير أنها لم تكن معروفة. ولا بدّ أن تكون النتائج الجمالية مختلفة وذات تأثير بصري مختلف.

لوحته الشهيرة "جمل المحامل" تعد أيقونة متحولة يمكنها أن ترافق الفلسطيني في كل مكان وزمان، بغض النظر عن طريقته في التفكير السياسي أو توجهه العقائدي

من خلال صلته بمواده سعى منصور إلى الإعلان عن هويته الوطنية. هو ابن هذه المواد وهو خلاصة مزاجها التعبيري. ذلك ما انعكس إيجابا على لوحاته التي لم تكن مجرد صور بل كانت أيضا مجموعة متداخلة من المشاعر والأفكار التي اشتقت من الأرض وما أنتجته. هناك صلح لافت بين المشهد المرسوم ومواده.  تبدو أعمال منصور

على قدر من الاسترخاء بما يتناقض مع الظروف الصعبة والمتوترة المحيطة بها. فهي لم تُرسم تحت ضغط الحاجة المباشرة أو بتأثير انفعال لحظوي بما لم يجعلها تقع تحت سلطة رد الفعل. إنها وليدة تأمل طويل وعميق قدم منصور من خلاله المغزى الجمالي على كل شيء سواه. “ولكن الصورة تقول غير ذلك؟” يمكن قول ذلك حين يقوم الافتراض على أساس أن كل مشهد فلسطيني هو سياسة. ذلك قول لا يمت إلى الحقيقة بصلة بالنسبة إلى منصور وهو يعرف ما الذي يعنيه أن يكون الرسام فلسطينيا.

الرمزية الفلسطينية في حد ذاتها ليست سياسة بل هي حياة مباشرة. يرسم منصور البرتقال والزيتون بسعادة مَن يرى لا بتعاسة مَن يتذكر. فهو لا يحتاج إلى أن يتذكر أو أن يصنع من حياته خزانا للذكرى. متعته بالرسم ومن خلاله تبدو واضحة من خلال ولعه بالتفاصيل. فهو يرسم نساء بلاده لا باعتبارهن أيقونات صامتة أو رموزا بل كما عرفهن كائنات جميلة يهب مرورها الهواء عطرا مختلفا. هو رسام حياة لطالما تُقنا إلى التعرف عليها.

المقاومة عن طريق الفن

منصور يرسم نساء بلاده كما عرفهن كائنات جميلة يهب مرورها الهواء عطرا مختلفا
منصور يرسم نساء بلاده كما عرفهن كائنات جميلة يهب مرورها الهواء عطرا مختلفا

في عام 1987 أسس منصور مع فيرا تماري وتيسير بركات ونبيل عناني جماعة “نحو التجريب والإبداع” وهي الجماعة التي قامت بمقاطعة المنتجات الفنية الإسرائيلية واتجهت إلى استعمال مواد طبيعية مثل القهوة والحنة والطين في محاولة من أفرادها للمساهمة في انتفاضة شعبهم. ولكن الأهم من ذلك أن أفراد تلك الجماعة أعادوا النظر في البداهات التي كانت تحيط بالفن الفلسطيني المقاوم. وهي بداهات أقل ما يُقال عنها إنها سجنت الفن في قالب تعبيري واحد يغلب عليه الحس الدعائي المباشر. لم يكن رسم الانتفاضة في تلك المرحلة هو المهم، بل المهم

حقا أن يتأسس فن فلسطيني منتفض. ذلك مسعى تجريبي مغامر ينطوي على الرغبة في إقامة معادلة جديدة يقوم على أساسها الفن المقاوم. كان منصور عنيدا في مقاومة الشروط الواقعية التي كانت قاعدة الفن الفلسطيني الجاهز الذي يمكن التعرف عليه من غير عناء. كان ذلك الفن جماعيا أكثر مما يتحمله مفهوم الفن. لذلك اختار منصور أن يكون فردا في مواجهة عصره ولم يعتبر نفسه رسام القضية. ذلك اللقب الذي يحرمه من حريته في أن يكون رساما كما يحب.

رسوم منصور هي خلاصة ذلك الحب الحر. حب الوطن الحي وحب الشعب المقاوم وحب الرسم باعتباره صلة الوصل بين كل أنواع الحب. ذلك الحب هو الذي حرر منصور من عقدة الفنان الفلسطيني الذي يصنع أشياء من أجل الذكرى. ذلك ما أطلق يده في ابتكار عالم جمالي مجاور، مسكون بفلسطين بالقوة نفسها الذي تسكن فلسطين من خلالها في تفاصيله. ذلك عالم ينفتح على مفهوم الفن الآخر الذي يرتقي من مستوى الخدمة الشعبية المباشرة إلى مستوى تطوير الذائقة الجمالية الوطنية. ما كان لتلك المعادلة أن تنضج لولا أن منصور ومعه رفاق رحلته في التجريب الفني قد تمكنوا من تدجين العصف السياسي ومنعه من الهيمنة على الفن. كان ذلك فعلا بطوليا يُحسب لفنان لم يغادر فلسطين وظل يقاوم من الداخل، مبتكرا وسائل معاصرة لتلك المقاومة.

9