سليمة مراد سيدة عصرها الذي لم تكتب له النجاة

الأحد 2015/01/04
سليمة مراد أسطورة الغناء العراقي

أذكر أني قبل سنوات سألت الروائي عبدالستار ناصر يوم كان مقيما في عمان عن موقع محلة الطاطران، وكان قد أصدر رواية بهذا العنوان وهي المحلة البغدادية التي ولد فيها. لم أخبره يومها أن صوت سليمة مراد كان ينبعث من بين سطور روايته الأكثر شهرة من بين رواياته.


الوجدان العراقي يحلق بجناحيها


يبدأ ذلك الصوت الساحر بـ”قلبك صخر جلمود ما حن عليه” ولا ينتهي بـ”على شواطي دجلة مر”. كان ذلك الصوت خزانة من العواطف الإنسانية التي تتسامى روحيا بمَن يستمع إليه، بعد أن تضفي عليه الشيء الكثير من أريحيتها. فكانت الطاطران حيث ولدت سليمة مراد بمثابة المكان الذي شهد ولادة إحدى معجزاتنا في العصر الحديث.

أسطورة الغناء العراقي التي زادها زواجها من ناظم الغزالي لمعانا وتقديرا رغم أنها كانت تكبره يوم زواجهما في العام 1953 بـ16 عاماً، كانت المرأة العراقية الأولى التي حظيت بلقب باشا، من قبل رئيس الوزراء يومها نوري السعيد. وهو ما يكشف عن نظرة الاحترام والإجلال التي كان ينظر من خلالها المجتمع العراقي للفنان، وهو في هذه الحالة امرأة، في ثلاثينات القرن الماضي. وهو اللقب الذي حرصت على أن تحمل معاني هيبته يوم غنت في باريس في العام 1936 وفي كل مكان ذهبت إليه متوجة بنبلها.


الباشا ترفض مغادرة العراق


ابنة العائلة اليهودية التي رفضت مغادرة العراق يوم غادر اليهود مضطرين في السنوات التي أعقبت اغتصاب فلسطين كانت تدرك أن وطنها الحقيقي يقع في الفن الرفيع الذي قدّر لها أن تكون من خلال صوتها النادر وسيطة بينه وبين بشر بعينهم، وهم العراقيون الذين أحبوها ووهبوها أوسمة التقدير التي تستحقها، فكانت عراقيتها بمثابة جناحي شوق وحنين وشفافية ورهافة سافرا بالعراقيين من أرض الواقع إلى أرض الخيال، فكان واجبها الإنساني يحتم عليها أن تبقي جناحيها في حالة تحليق دائم، تأكيدا لشعورها الوطني الذي لم يكن واردا بالنسبة إليها ولا بالنسبة إلى زمنها الذي كان على قدر من الرفعة الأخلاقية أن تعرضه في المزاد.

الحياة المشتركة التي عاشتها مع ناظم رغم قصرها كانت هي الحياة الحقة كلها بالنسبة إليها. بعد رحيله المفاجئ وكان يومها في قمة نضوجه الإبداعي انطفأ كل شيء فيها


سيدة عصرها


سليمة مراد (1905ــ 1974) هي ابنة عصرها المتمردة، ذلك العصر الذي كان الرجال هم سادة الغناء، بل وسادة كل شيء فيه، حتى أن امرأة موهوبة من الجنوب، محافظة ميسان بالتحديد كانت قد اتخذت لها اسما رجاليا هو “مسعود العمارتلي” لتغني من غير حرج، غير أنها كما تقول الحكاية كانت قد تماهت بجنون مع ذكورتها المنتحلة فتزوجت من امرأة من مدينتها.

حين اكتشفت تلك المرأة سرها دست لها السم في الطعام وقتلتها وهي لم تتجاوز سن الأربعين وكانت قد تركت وراءها عددا من أجمل الأغاني العراقية. شيء من “كصيت المودة” وهي أغنيتها الشهيرة يظل عالقا في الذاكرة العراقية.

سليمة مراد وهي ابنة بغداد المتطلعة إلى غدها كانت قد حضرت إلى الفن منعمة بأنوثتها الطاغية لتفتح الباب أمام أجيال من المطربات اللواتي اتبعن خطواتها الواثقة. زكية جورج، عفيفة اسكندر، زهور حسين، نهاوند (اللبنانية)، لميعة توفيق، فايزة أحمد (السورية) ومائدة نزهت، على عكس مسعود العمارتلي، التي كان غناؤها ريفي الطابع.

تماهت سليمة مراد مع ثقافة بيئتها البغدادية وهي ثقافة مدينية فكان المقام العراقي مرجعها الأساس، رغم أنها لم تحرج نفسها بأداء (قراءة) المقامات الصعبة التي اعتبرتها اختصاصا رجاليا، وقد لا يكون مصادفة أن الغزالي الذي قاسمته العيش والغناء لم يكن هو الآخر يميل إلى المقامات التي هربت منها.

غير أنها يوم كانت تؤدي المقامات الأقل وطأة لم تكن تتغنج. كانت تغني كمن يلقي موعظة، كمن يشير إلى طريق النجاة. وهو ما يعني أنها كانت قد اكتسبت الكثير من سلوك قراء المقام. كانت سليمة باشا محظوظة حين تبناها شاعر أغنية مرهف الحس هو عبدالكريم العلاف، وملحن هو صالح الكويتي، الذي كان يهودي الديانة مثلها ففتحا أمامها الأبواب التي تقود إلى الروح البغدادية. فتجلت موهبتها الغنائية الفذة في “هذا مو إنصاف منك” و”نوبة مخمرة نوبة مغشاية” و”يا نبعة الريحان” و”يا يمه ثاري هواي” و”خدري الجاي خدري” و”خيه لوصي الماي” وهي الأغاني التي أخذت طريقها إلى الوجدان العراقي وصارت بمثابة جزء من شفرته الوراثية. حنين العراقيين إلى صوت سليمة مراد هو جزء من حنينهم إلى هويتهم.

سليمة مراد أسطورة الغناء العراقي التي زادها زواجها من ناظم الغزالي لمعانا وتقديرا رغم أنها كانت تكبره يوم زواجهما بـ16 عاما، كانت المرأة العراقية الأولى التي حظيت بلقب باشا، من قبل رئيس الوزراء يومها نوري السعيد


سيدة الغناء تودع أسطورتها


كانت متوجةً ملكة للغناء العراقي يوم تعرفت على ناظم الغزالي (1921 ـــ 1963) الذي بدت موهبته الغنائية المستندة إلى خيال صوتي شاسع مثل حقول برية خارقة منذ البدء.

كان الغزالي اكتشاف حياتها، الذي قررت أن يكون أروع وأجمل وأعظم مقتنياتها الشخصية فتزوجته، كما لو أنها تغلق حياتها به. ومن يستمع إلى غنائهما معا في “كان القلب ساليك” لا بد أن يقر أن تاريخ الغناء العراقي كان قد شهد لقاء بين كوكبين في مجرة لا تظهر إلا في لحظة خلق استثنائي.

لم يكن الغزالي برجولته الواضحة كائنا أسيرا إلا عن طريق الحب والشغف بما لا ينتهي. وهو ما استسلمت له سليمة بخبرة جلوسها مع الملوك والأمراء ورؤساء الوزارات.

كان ملك الوجدان العراقي ناظم الغزالي هو سيدها في البيت من غير منازع. لذلك كانت صدمتها بموته وهو الأصغر منها هائلة الوقع.

صحيح أنها لم تره وهو يموت غير أن فكرتها عن موتها المؤجل الذي صارت تتمنى وقوعه في أيّ لحظة كانت تحيط بها من كل جانب. لقد رأيتها وكنتُ صغيرا في التشييع المهيب الذي أقيم للغزالي.

كنا نقف في شارع النضال بالقرب من القصر الأبيض حاملين الزهور في انتظار أن يمر موكب جنازة فقيد العراق حين قال معلمنا وهو يشير إلى إحدى السيارات التي كانت تسير ببطء “تلك سليمة باشا”، سليمة باشا التي أكتب عنها الآن كانت سيدة عصر لم نكن نتوقع أنه سيُمحى بهذه السرعة. لم نكن يومها ندرك أن سيدة الغناء العراقي تودع سيد ذلك الغناء.

سليمة باشا تتماهى مع ثقافة بيئتها البغدادية وهي ثقافة مدينية فكان المقام العراقي مرجعها الأساس، رغم أنها لم تحرج نفسها بأداء المقامات الصعبة التي اعتبرتها اختصاصا رجاليا


مأساة الحياة القصيرة


يقال إن ناظم الغزالي تزوج صوتها وقد كان صغيرا. يقال أيضا إنه تزوج شهرتها وقد كان مجهولا. وهما قولان لا يمتان بصلة إلا إلى جزء صغير من الحقيقة.

كان الغزالي مثل الكثيرين معجبا بصوتها، أما شهرتها فقد كانت في البدء مفتاحا لأبواب المجتمع المخملي التي انفتحت أمامه، غير أن ملكته الصوتية العظيمة وحضوره الشخصي الطاغي، رغم الخجل الذي كان يتخلل ذلك الحضور كانا قد انتقلا به وبسرعة من الظل إلى الضوء.

كان مطرب العراق الأول، رسول الأغنية العراقية إلى العالم العربي فصارت سليمة لا تخفي سعادتها من مشاركته الغناء العلني، وهو ما كانا حسب قولها يفعلانه سرا في البيت السعيد. لم يكن الغزالي في علاقته بها نفعيا، وهي التي كانت معروفة بقوة شخصيتها واعتدادها وترفعها.

كانت الحياة المشتركة التي عاشتها مع ناظم رغم قصرها هي الحياة الحقة كلها بالنسبة إليها. بعد رحيله المفاجئ وكان يومها في قمة نضوجه الإبداعي انطفأ كل شيء فيها، بالرغم من أنها وبإلحاح من التلفزيون العراقي كانت قد صورت عددا من أغانيها القديمة.

لكن مشهدها وقد غلب عليه الحزن لم يكن قادرا على أن يسرّ أحدا. كما لو أن الغزالي كان يقف مثل شبح بينها وبين الروح التي أطربت العراقيين بتجلياتها وكرم صوتها الوفي لبغداديته. لا تزال سليمة مراد بعد أربعين سنة من وفاتها سيدة الغناء البغدادي.

9