سليم البيك: الوطن في المنفى كالذكريات دائما جميلة

الروائي الفلسطيني يؤكد أن بعد خروجه من سوريا يواجه قلقه بالكتابة، وأن الكثير من الروايات تحمل بجمالياتها القضية السياسية ولا تحمل بشعاراتها السياسية النص الأدبي.
الثلاثاء 2019/03/12
السينما والأدب عالم واحد

تبقى الكتابة نوعا من الانتماء، انتماء إلى اللغة والأفكار، إلى الزمن والأمكنة، انتماء يخوضه الكاتب وهو يبدع نصه ويشتغل عليه ليكون رؤاه من خلال كل عناصر الوجود من أصغرها إلى أكبرها، من جزئياته البسيطة إلى كلياته المتداخلة. لإلقاء نظرة حول قضايا الانتماء التقت “العرب” الصحافي والروائي الفلسطيني سليم البيك، الذي تعد ثيمتا الهوية والانتماء واللاانتماء محور أغلب كتاباته.

يمكننا اعتبار الهوية والانتماء في مقابل اللاانتماء للمكان ثيمتين أساسيتين في كتابات الفلسطيني سليم البيك، الذي نالت مجموعته القصصية “كرز أو فاكهة حمراء للتشيزكيك” جائزة عبدالمحسن القطان للكاتب الشاب (2011)، وقد استفادت الرواية لديه من اهتمامه بالكتابة السينمائية، حيث يرى أن “للسينما تقنيات وجماليات وأساليبَ سردٍ وتقديمٍ للشخصيات والحكاية الكثير مما يمكن الاستفادة منه أدبيا، عدا عن مفهوم المونتاج والانتقال بين تفاصيل الحكاية وصورها. لهذا كلّه استخدامات يمكن أن تكون أدبية تماما، السينما والأدب عالم واحد، الأولى تصنع الصورة والصوت من الخيال والثاني يصنع الكلمات منه”.

الانتماء واللاانتماء

تتقاطع روايات البيك “تذكرتان إلى صفورية” و”سيناريو” في الاهتمام بالذاكرة والهوية الفلسطينية، ويلفت البيك إلى أن المسألة تطورت معه تلقائيا. مستطردا “أستطيع ملاحظة حضور مسائل الذاكرة والهوية والانتماء/ اللاانتماء في مقالاتي ونصوصي المنشورة في الصحافة منذ بدأت الكتابة والنشر، هي حاضرة في جميع كتبي بشكل أو بآخر، إنما ازداد حضورها في الروايتين المذكورتين، وفي ما أكتبه حاليا، وهو الآن موضوع أساسي عندي وانشغال أوّلي، خاصة بعد الخروج من سوريا، ويبدو أنني أتواجه مع هذا القلق بكتابته”.

أسئلة وقلق ممزوج بالخيال
أسئلة وقلق ممزوج بالخيال

اتجه البيك إلى الكتابة الروائية بعد عشر سنين من صدور أول كتاب له، وهو نصوص نثرية، تبعته مجموعة قصصية ثم كتاب شعري، مع المئات من المقالات الصحافية إلى 2017، حين صدرت روايته الأولى “تذكرتان إلى صفورية”، حينها يذكر أنه شعر براحة أكثر في قول ما يريد قوله ضمن هذا النوع الأدبي، بعد عشر سنين من تجريب أنواع أخرى، تبعها بعد عامين (2019) روايته الثانية “سيناريو”، والآن هو بصدد كتابة الثالثة.

يقول الكاتب “أجد ذلك مؤشرا إلى أين وكيف أرتاح في الكتابة. قد أجدني مخطئا لاحقا، لكني راض بفكرة أنّي توصلت لذلك بعد عشر سنين وأكثر من التجريب والتمارين الكتابية. ولا شك في أن المنحتين اللتين حصل عليهما مشروع رواية ‘سيناريو’، من مؤسسة ‘المورد الثقافي’ ومن مؤسسة ‘اتجاهات-ثقافة مستقلة’، قد ساعدتاني على تكريس وقتي وطاقتي الكتابية لهذا المشروع الروائي”.

الوطن ليس تلك الرقعة الجغرافية، إنما هو الذكريات والهوية والانتماء والأهل، وكريم في رواية سيناريو جعل من مدينة حيفا حاضرة في باريس. وهنا نسأل البيك عن مدى ما قدمه المنفى من هواجس على صعيد الكتابة، فيقول “في المنفى يحضر الوطن بصورة أصفى، إذ يبقى الشعور بالنوستالجيا هو المسيطر، الوطن في المنفى كالذكريات في الزمن، هي دائما جميلة، لكننا نحكي هنا عن كريم الذي توارث لجوءه عن حيفا من جده، هو إذن لا يعرف ما يحنّ إليه، لا يملك تلك الذكريات، بالتالي لا يحن إلى حيفا ذاتها التي أتت ريما منها، بل إلى فكرة حيفا، إلى صورة حيفا التي عرفها من جدّه، حيفا التي توقّف بها الزمن عام 1948، وليست حيفا التي تعرفها ريما، تلك التي بدأ بها الزمن في العام ذاته، عام احتلالها. وحنين كريم المادي والواقعي هو للمخيم، المكان الذي كبر فيه وعرفه طفلاً وعمّر فيه ذكريات، وهذا ما جعل كلا من المخيم والمدينة يتزاحمان في ذهنه، كمكانه الأوّلي: موطنه”.

سيرة ولكن

أسئلة قلقة تخص العلاقة بالمكان والهوية الفلسطينية والشتات
أسئلة قلقة تخص العلاقة بالمكان والهوية الفلسطينية والشتات

يقول صاحب كتاب “ليس عليكِ سوى الماء” قوله “حاول كريم كتابة يومياته، ثم بدأ بالكتابة عن امرأة يلتقيها في المقهى، لكنه وجد نفسه أخيرا يكتب عن معنى الهوية والانتماء لديه، تطوّر الحكاية يحمله إلى ذلك، وهو تطوّر لأيام قليلة يلتقي فيها بريما، الفلسطينية القادمة من حيفا إلى باريس، ومعها يبدأ بإعادة طرح أسئلته الخاصة، إعادة مواجهة قلقه الخاص، في أن الوطن لديه، وهو هنا حيفا التي تهجّر جدّه منها عام النكبة، إنّه متخيّل وحسب. لا أقول في الرواية إن الوطن لدى اللاجئ الفلسطيني متخيّل، لا حتميات لديّ، إنما أطرحه كاحتمال وارد دائما، كقلق حاضر كلّما تساءل أحدنا عن معنى الانتماء”.

يعترف البيك بأنه يتشارك وكريم بطل روايته “سيناريو” أسئلة قلقة تخص العلاقة بالمكان والهوية الفلسطينية والشتات، ما عدا ذلك هو خيال، الحكاية والنساء الأربع، لقاؤه بهن، حواراته معهن، هذا كلّه خيال، إنما نقاط متبعثرة في كل ذلك مررت بها بشكل أو بآخر، فالخيال هنا هو نسختي الخاصة من الواقع الذي قد يشكل نسبة ضئيلة جدا منه.

في رواية “سيناريو” يلتقي كريم بريما، شارلوت، ميلاني، ولكنه يرتبط أكثر بريما القادمة من حيفا التي لا يعرفها. نسأل الكاتب هنا إن كان كريم يبحث عن توازنه الداخلي فقط؟ فيجيبنا “الحقيقة أن لقاءه بريما هو الذي خلخل ما كان يظنّه توازنا داخليا، ففي التقائه مع كل من شارلوت وميلاني وكلارا، أراد علاقة بين امرأة ورجل: حب، جنس، صداقة، مهما يكن، إلى أن التقى بريما التي أتت قبل أيام فقط من المدينة التي تهجّر جدّه منها قبل سبعين عاما، هنا بدأ يتساءل إن كان هو كذلك من المدينة ذاتها التي أتت منها ريما، إن كان ابن حيفا كما هي ابنتها، أم أن انتماءه الأوّل هو للمخيم في سوريا. حضور ريما كان يبعده أكثر عن حيفا ويقرّبه من المخيم كقوقعة، تتقلّب الأفكار في ذهنه دون أن يعرف إن كان هنالك مكان على هذا الكوكب يمكنه أن ينتمي إليه.

يرفض البيك ما يقال عن أن غياب الالتزام/ المقاومة من الكثير من النصوص الفلسطينية الراهنة يعبّر عن تغير جمالي في فهم القضية. مستطردا “لا علاقة بين الالتزام وبين الجمالية أو الجودة، فهنالك كمّ هائل من النصوص الرديئة في مكتبتنا العربية ولا علاقة للمضمون السياسي فيها بالأمر، كما أن الكثير من الروايات المحتفى بها عالميا، الكلاسيكيات، هي ذات مضمون سياسي، إلا أنها، وهنا الأساس، تحمل بجمالياتها القضية السياسية ولا تحمل بشعاراتها السياسية النص الأدبي”.

وعن مساحة السيرة الذاتية في كتاباته، يقول “لا يتعلق الأمر بالسيرة الذاتية بقدر ما يتعلق بانحيازات الكاتب وتجاربه، انحيازي لكتابة الزمان والمكان اللذين أعيش فيهما، هنالك من يفضل الفانتازيا أو التاريخ أو غيره، هي مسألة انحيازات واختيارات ولا مفاضلة بينها برأيي، كما في السينما، فأنا أنجذب غالبا إلى الأفلام التي لا يخرج فيها صانعها من مكانه وزمانه. لست جديرا بسيرة ذاتية، إنما أفكاري وأسئلتي وقلقي وتجربتي الشخصية حاضرة في كتبي الخمسة بشكل أو بآخر، مخلوطة بالخيال الذي هو أساس العمل الأدبي، أنا حاضر في أفكار وتصرفات كل شخصياتي، نساء ورجالا، ولست تماما كريم في “سيناريو” أو يوسف في “تذكرتان إلى صفورية”، أنا كذلك لِيا وريما وشارلوت والأخريات”.

يرى صاحب كتاب “كرز أو فاكهة حمراء للتشيزكيك” أن غلاف الكتاب يشكّل عاملا خارجيا يزيد من فرص اقتناء الكتاب أو يقلل منها، دون أن تكون له علاقة بالنص الروائي، ويضيف “اخترت لغلاف روايتي سيناريو لوحة لإيغون شيلي، فنان أحبه ولوحة أحبها وأجدها ملائمة لمضمون الرواية. صدفة قادتني إلى اللوحة التي لا أعتقد، الآن، أن غيرها يمكن أن تلائم أكثر النص بعد الطباعة”. 

15