سليم اللوزي: بيروت مدينة طاحنة والعيش فيها مغامرة

الأحد 2014/02/02
سليم اللوزي: الراوي هو البطل

تنأى الرواية المعاصرة عن المنحى الدرامي والصوفي والرومنسي والأخلاقي واليقيني والقدري والمثالي والهارموني والمباشر والمُطنب والمسترسل والتطريبي والمموسق الخ… في المقابل فهي تميل إلى الغرائبي والشاذ والتهكمي والملغز والغرائزي والإيحائي والموجز والمكثّف والمعقّد والمركّب واللامنسجم والمثير للشكّ والمرتبط بالعالم السفلي الخ… قيمها الجمالية قد تجد أصداءها في فكرة التنافر لا الانسجام، وفي النقصان لا الكمال، وفي هذا نزوع إلى التماهي مع النفس البشرية بكل تناقضاتها وأسرارها.

يتبنى الروائي والصحفي اللبناني سليم اللوزي هذه المعطيات والجماليات الحديثة بكل تضاعيفها اللغوية والفكرية، فنجدها تتمظهر فيه على شكل مفارقات واستعارات صادمة، ومضامين غامضة وساخرة، وتضاريس تعبيرية شاقّة قد تبدو أحياناً مروّسة أو ناتئة أو ملتوية أو من طبقات. نقتطف معه هذ الحوار وعن المؤثرات الأولى التي أسهمت في تكوينه وتشكيل وعيه؟ وكيف قدمت إلى عالم الكتابة؟

يجيب: منذ بدايات صفوف اللغة العربية، لم يكن يعنيني سوى صف الإنشاء. هذا الصف الذي كانت معلمته تقول لنا “أكتبوا ما تريدون”، فكنت أكتب وأكتب القصص التي كنت أشاهدها وأعيشها في واقعي المنزلي وفي الشارع ومع الأصدقاء. كانت هذه القصص تثير إعجاب المعلمة، وكانت دائما ما تحتفظ بهذه القصص. إلا أن شغفي بعالم التكنولوجيا والأرقام أبعدني عن الأدب ووضعني في خانة الحسابات والمعلوماتية. بقي شغف القراءة موجودا، إلا أنني بدأت بقراءة الروايات العالمية غير التي نجبر على قراءتها في صفوف الثانوية في وقت متأخر، وتحول هذا الشغف في القراءة وكبر معي حتى وصلت إلى معدل قراءة 40 كتابا في الشهر، وتنوعت هذه الكتب بحسب الفترات العمرية، ففي فترة المراهقة مثلا كانت تغريني كتب الفلسفة الشيوعية، والاقتصاد. لأعود وأهتم فيما بعد بكتب التاريخ اللبناني لا سيما تلك التي تتكلم عن مرحلة الحرب الأهلية. واليوم أنا أعوض تلك الأيام التي غيّبت الرواية عن مكتبتي، فأقرأ فقط الروايات. مرحلة دخول عالم الكتابة بدأت في العام 2006 مع أولى المقالات التي نشرت في الصحف اللبنانية، طبعا كان لإسمي دور فعال في تأمين اختراق الرتابة في الوصول إلى الكتابة في الصحف ونشرها، لا سيما وأنني ورثت حبّ الكتابة عن عمّي شهيد الصحافة “سليم اللوزي”.

هناك سؤال يتعلق بالتنظير قليلاً، هل ترى أنه بإمكان التجارب الروائية الاستفادة مما نراه في الاحتجاجات والمظاهرات في الساحات العربية، بوصفها تحقق بعض شروط الفرجة والتورط والتلصص؟ شخصيا، أرى أن كل ما يجري حولنا يمكن تسخيرها لخدمة أي عمل يحدث، فمن تابع الاحتجاجات والمظاهرات في الساحات العربية يستطيع أن يوظف هذه المشاهد بشكل معين، في حين يستطيع من شارك في هذه التظاهرات والاحتجاجات وشاهد ما جرى وما استطاعت عيناه ان تشاهده ومخيلته أن تنسجه في قصصهأن يسخر كل هذا للكتابة، وهذا ما جرى فعلا مع العديد من الروايات التي ظهرت بعد الثورات العربية، والتي تناولتها بشكل إيجابي أو سلبي. فالراوي يتأثر بمحيطه وهو من يحول الأحداث ويوظفها لخدمة قصته. في موضوع التفاصيل، وبرأي الشخصي أيضا، أؤكد أن من شارك في الحراكات يستطيع أن يشرح ويستفيض في التفاصيل، فعيناه استطاعت أن تتصرف ككاميرا تديرها حواسه لتسجيل الحركات والتصرفات والانفعالات وردات الفعل. على عكس المشاهد. والأكيد أن معايشة الواقع تضيف نسبة الواقعية بشكل أكبر للراوي.

"ذبائح ملونة" سرد يجمع بين الرواية والتقرير الصحافي


حقبة دامية


لكن في روايتك “ذبائح ملونة ” لم تكتب الحرب مباشرةً في السودان، بل أرّخت تأثيراتها الجانبية وتصدّعاتها النفسية على حياة أبطالها وشخصياتها. وكأنك لا تريد أن تخوض في فعل الحرب، بل العيش في الحرب، فكيف أثّرت الحرب فيك وفي كتابتك؟ ولدت في ثمانينات القرن الماضي، ولم أعايش أي فصل من فصول الحرب، إلا أنني عايشتها عبر ما قرأته وما شاهدته من وثائقيات. إلا أنني عايشت في الشمال أحداثا دامية شارك فيها الإسلاميون ضد الجيش والدولة، وشاركت أيضا في أعمال الإغاثة إبان الاعتداء الاسرائيلي في العام 2006، وبالطبع شاهدت عبر التلفاز ما عاناه أهل الجنوب فترة الاحتلال الإسرائيلي للبنان.

جميع هذه المشاهدات رسمت في خيالي معاناة من عايش هذه الحقبة الدامية التي أسست تاريخ لبنان وحروبه. والعيش في الحرب أصعب بكثير من خوض الحرب، ففي الأولى هناك تحدٍ للبقاء بشكل أو بآخر، لا سيما وأن العناصر بعيدة كل البعد عن المشاركة في القتال على الجبهات، أما الثانية فهي أحجار الأساس في هذه المعركة وبقاؤهم يعني استمرارها. في رواية “ذبائح ملوّنة” كانت الحرب الدائرة في السودان هي أرض معركتنا في سبيل تعرية ما أتينا لأجله، الوصول إلى الحب الذي يبحث البطل عنه، بالإضافة إلى عرض ما يعانيه هذا الشعب في فترة الحرب، وما عاناه من قبل وما سيعانيه في المستقبل، في قالب يغلب فيه حب الإنسان على البقاء والاستمرار بالرغم من السواد الظالم الذي يسيطر على البلاد. فعرضت العادات والتقاليد في سرد تقريري يخلط بين الرواية والأسلوب الصحافي، ومررت على الأوجاع والأفراح والسياسة والعلاقات الخارجية والإسلام والتصوف والاقتتال والانقسام.

نلاحظ أن “ذبائح ملونة” تتسم بالسرد الغنائي، هذا المسار الحافل بتنويعات على النمط الواحد، مما يجعلها ذات صوت واحد أشبه بالمونولوغ، فماهي دوافع استعمال المونولوغ؟ وهل يشكل المونولوغ هروباً من إشكالية الحوار؟ إن التشكيك هو سر الوصول إلى الحقيقة، والمونولوغ في الرواية كان الحوار حول قضية الوجوديات الأساسية التي سألنا أنفسنا عنها في فترة من الزمن، لا سيما في فترة المراهقة، فترة التعرف على الآخر بعد الخروج من مربّع العائلة ومحيطنا الجغرافي. أما استعماله في الرواية فكان أساسيا لا سيما وأن البطل يسافر من بلد إلى آخر بحثا عن حبّ أضاعه. فمسألة الاستمرار والوجود في بلد كالسودان يعاني ما يعانيه من مشاكل ونكبات وحروب كان أساسيا. أما الحوار فاقتصر على ما دار بين الأبطال الأساسيين والثانويين في الرواية، مع تغلب المونولوغ على الحوار، لأن الراوي هو نفسه البطل. واذا عدنا إلى أصل كلمة مونولوغ وارتباطها بالمسرح، فيمكنك أن تتصور أن البطل يعرض عليك قصته على عدّة مسارح، بدءا من مكتبه في نيويورك ومن ثمة في باريس قبل أن يأخذك إلى المسرح الكبير السودان، المسرح الكبير الذي تجري عليه غالبية القصة ومجال أحداثها، فالمسارح الأخرى ما هي إلى أبواب تدخلك إلى القصة وتخرجك منها، لا سيما في الباب الأخير الذي يعيدك من السودان إلى نيويورك.

وعن علاقته بالقارئ وهل يشكل القارئ هاجسا بالنسبة إلى سليم اللوزي؟ وخصوصاً أنك ناشط مدني وناشط فاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟ القارئ هو جمهورك، هو الأساس في التركيبة، أنت بالأساس تكتب له. لا قيمة للمسرحية بلا جمهور، ولـ”ماتش” الكرة بلا جمهور. الجمهور أساسي، إلا أنني شخصيا أكتب لأرضي نفسي، فليس كل الجمهور معك، فهو منقسم إلى ثلاثة فرق، معك، ضدك أو معجب بهذا العمل وربما سيرفضه آخر. خاصة في الأدب، فهو ذوق، تماما كأي شيء في الكون يعتمد على الذوق والرغبة. أنا شخصيا أفضل كاتبا على آخر، وكتابا على آخر تماشيا مع ذوقي وما أرغب في تناوله من هذه الكتب، وهذا ينطبق على غيري. أما موضوع الجمهور، فهو هنا ينحصر في مرحلة ما بعد القراءة، وهذا الجمهور يكون فعليا من أعجب بكتابك، إلا أن أساس من سيساهم في انتشارك هو من لم يعجبه العمل وأحدث ضجة في رفضه للعمل وعلّق وناقش عملك، هذه الفئة هي من ستنشر عملك وتعزز انتشاره بجدالها، وستدفع بشكل غير مباشر إلى تحريك غرائز الكثير مِمّن لا يعرفك إلى التعرف إليك وقراءة عملك، وربما سيزيد المعجبين أو سيزيد الجمهور الذي وظف نفسه بشكل غير معلن لخدمة روايتك أو عملك. أما ما صنفته بالسؤال حول نوعية الجمهور، وهنا نقصد به المتابعين أو المعارف الذين تصادفهم في نشاطاتك المدنية أو على وسائل التواصل الاجتماعي، فهم أصدقاء ورفاق وأصحاب افتراضيون، يمكن أن يصبحوا يوما من جمهورك الذي ينتظر ما تقدمه بشغف أو ممّن لا تعنيه أعمالك. كله مرهون بالذوق والمتطلبات وما تريد أن تحصل عليه من هذا العمل.


حالة قلقة


وماذا عن بيروت اليوم لا تبدو وكأنها على موعد مع حرب قادمة، هي تعيش زمنها الخاص، زمن التغافل عن الخوف، مع انها خائفة. أليست هذه حالة روائية خاصة؟ ألا تنتج ثقافة توحي بالاستقرار وتطمئن نفسها بمشاريع عابرة للحرب، ولكنها أقرب إلى مغامرات، أو مراثونات للنجاة من الكارثة؟

لبنان منذ الطائف حتى اليوم وهو يعيش على حافة بين الاستقرار والحرب، يعايش القضايا الكبرى ويشارك في المعارك الأخرى، يخوض عن الجميع حروبهم. بيروت هي جزء من هذا الوطن، حصتها كما الشمال وكما الجنوب والبقاع وما تمر عليه من مناطق ساحلية وجبلية. هذه الحالة هي حالة معايشة الخوف والاستمرار بالحياة بما تيسّر من مقومات. هذه الحالة تجسد للبعض حالة للاستقرار وتستدعي من كثيرين الهرب عبر أبواب المطار إلى بلاد أكثر أمانا، حيث لا مكان للانفجارات والخطف والقتل والسرقة والفساد والمحسوبيات وما إلى هنالك من قصص يتمتع بها لبنان عبر مناخه وقدرته على استيعاب الجميع. العيش في بيروت بحد ذاته مغامرة، هذه المدينة التي تطحنك وتحولك إلى لا شيء في سبيل الاستمرار والبقاء، مدينة سويسرية بأسعارها، ونامية بخدماتها وما تقدمه إليك من حقوق لم تسلب بعد. الكارثة هي في انسيابك إليها وعدم قدرتك على مقاومة سحلها، والقبول بها جاثية على جسدك. روايتي التي أحضرها اليوم تجري أحداثها في بيروت، إلا أن بيروت ليس لها نصيب من هذه الرواية، لديّ حقد تجاه هذه المدينة التي حاول ساستها من خلال تفردها أن تتدخل في مصير المناطق الأخرى، وهذا ما أترجمه في الرواية عبر حرمانها من الكثير من التفاصيل والقبول بعرض بعض أسماء الشوارع فقط.

15