سليم بركات شاعر صرخ بشعوب المشرق: أيتها الأمة الرعاعة

الأحد 2014/05/11
بركات ورث عن أسرته العلاقة مع التراث كما ورث الكرد علاقاتهم مع الطبيعة

“إبتدْع أيها اليأسُ في مهبِّكَ يأسي

وليكُنْ قِرانٌ يُعجِّلُ الخواتيمَ، والعرسُ نفسي

وليكنْ سَهَرُ الغبارِ من عَلِيِّينْ يرمي عليَّ الحِليّ حتى أبدَّدَ بعضي

في امتداحِ الغبار؛ أو أستدَقَّ كالسهمِ حتى

تمهِّد الريحُ بي غدرها وهي ترمي منازلَ الماءِ شتى.

ومن ختامٍ،

من غدٍ أو رنينٍ،

من مجاهلَ تعلو كهندباءٍ، ومن لهاثٍ كأرضِ

يجرِّدُ القلبُ سيفَهُ الرمادَ: هاكم شهوديَ ما بين إبرامِ شكْلٍ ونَقْضِ

يدجِّجونَ البعيد بي أو ببعضي”.

أبعد من الأعراق، وأشدّ حرارة من العروق النابضة بالهوية، كلّها هويات، وفي لغته التاريخ والخيال وسحر الكلمات، اختار لغة الشريك كي يذهب بها إلى الآخر، ماضياُ في فتنته، مستعرضاً قدراته التي بلا حدود، “لغة الدين ولغة الفقه والشريعة.. اللغة العربية هي بيتي وجمهوريتي، وهي ليست كلغة المحتل الفرنسي، ليست وافدة”، هكذا يقول سليم بركات، وهكذا يرى، وهكذا يكتب، شعراً ونثراً وعالماً لا آفاق تقدر على حصره وتقييده.

من بين القرى المتناثرة في الشمال السوري، ولد سليم بركات، ابن الملاّ، الذي ورث عن بيته وأسرته العلاقة مع التراث كما ورث الكرد علاقاتهم مع الطبيعة، مع الثلج والجبال، مع الرحيل والهجرة والتبغ والأغاني ذات الأصوات العميقة الجارحة كعواء الذئاب.


الجزيرة السورية قطعة السماء


كان للخمسينات التي رأى فيها سليم بركات النور، وهج خاص في القطعة الجغرافية الإنسانية المسماة “الجزيرة” في أقصى الشمال الشرقي لسوريا، على تخوم تركيا والعراق، حيث تركيبة السكان الخاصة، واللغات العتيقة للشرق مجتمعة في مثلث خير وفير وأنهار وعوالم قلما عرفتها بقية المناطق السورية التي غالباً ما كانت منسجمة الأهلين، وبينما خضعت المدن لتقلبات السياسيين والعسكر، عاشت الجزيرة تلك التقلبات ببعدها الثقافي أكثر من عصفها المباشر، فكان إهمالها في ذلك الحين نعمة، شاء لها القدر أن تقلب في سنوات الاستبداد إلى نقمة كبيرة، أدّت إلى زوال امتياز الجزيرة، وجفاف أنهارها وهجرة أبنائها وتفرقهم في أنحاء العالم، فأخذت ثقافة العالم الكرد والسريان والعرب والآشوريين والأرمن، كتّاباً ورسامين وموسيقيين لتتبعثر حمولتهم في الخرائط كما تنبأ سليم بركات لبلدته في ديوانه القديم “هكذا أبعثر موسيسانا”.

ذهب إلى دمشق لدراسة اللغة العربية، أواخر الستينات، ولم يبق فيها سوى سنة واحدة غادر بعدها إلى بيروت، ليجد الحرية التي طالما بحث عنها، وسيتحدث عنها بعد ذلك كثيراً، حيث لا حد لحرية خياله ولا لحرية جسده، ثم نشر سليم بركات أول قصيدة له بعنوان “نقابة الأنساب” في مجلة “الطليعة” الأسبوعية السورية، في العام 1971، وانقطعت أخباره حيناً عن الشام ومناخها الأدبي، ثم ما لبثت أن عادت بقوة بعد سنوات قليلة حين وصل كتابه الأول ” كل داخل سيهتف لأجلي وكل خارج أيضاً” بقطعه الصغير وتصميمه الغريب، ذلك الكتاب الذي بقي يباع سرّاً في مكتبات سوريا من أقصاها إلى أقصاها حتى هذه اللحظة، وكأن عدد نسخه لا نهائي، فكان شعراء سوريا يحصلون عليه متى شاؤوا بهمسات بينهم وبين باعة الكتب في دمشق وحلب والقامشلي، ولم تمض سنتان حتى صدرت مجموعته الشعرية الثانية “هكذا أبعثر موسيسانا” في العام 1975.


شاعر كردي في ثورة فلسطين


انخرط سليم بركات سريعاً مع الثورة الفلسطينية في بيروت، وأصبح أحد أعضاء المنظمة والعمل الثوري الفكري، لتندلع الحرب في لبنان، وتأخذها معها في مهبّها، ولكنه شاء ألا يشدّه المهبّ على هواه، بل كما يريد سليم بركات لسيرته أن تكتب ذات يوم، فكان سليم بركات شاهداً على الحرب مشاركاً فيها، كمقاتل سرد أيامه وقطع حباله نهائياً ودون تردّد مع سوريا الرسمية، التي دخلت بجيشها كقوة احتلال لأرض لبنان، وقوة ردع ليس لغير الفلسطينيين والمقاومة الوطنية اللبنانية، ليكتب سليم بركات كتابه الذي تسبب بمنع تداول اسمه في سوريا بعدها “كنيسة المحارب” في العام 1977 فوثّق فيه الحرب، ورسم جنونها بالكلمات في مغامرة نثرية أولى، وفي السنة ذاتها أصدر المجموعة الشعرية الثالثة “للغبار، لشمدين، لأدوار الفريسة وأدوار الممالك”، وتابع في الحرب وكأنه أحد تفاصيلها، بارودها أو متاريسها، مبانيها المتهدمة، إنسانها، ولكنه كان لا يزال في عالمه الخاص، فكتب ” الجمهرات” في العام 1978 و” الكراكي” في 1981 عن ديلانا وديرام عاشقي سليم بركات الخالدين: “أيقِظْها يا ديرام، أيقظْ فراشةَ الغيبِ ويُعْسُوْبَهُ الذهبيَّ… أيقظْ ديلانا، وأيقظْ معها البيتَ حجراً حجراً، ثم أيقظِ الساحةَ المحيطةَ بالبيتِ، وأيْقظِ السياجَ. وإذ تنتهي من ذلك كُلِّهِ أيقظِ الصباحَ النائمَ قربَ السياجِ، وقُلْ تعالي ديلانا، تعالي لنشهدَ السطوعَ الحيرانَ للأرض وهي تَذْرُفُ الحديدَ والبهاءَ على درعنا الآدمي، ولنكْشِفْ، بعد ذلك، ثديَيْنا لنصلِ الحقولِ، مرتجفيْنِ من عذوبةِ النَّصلِ إذْ يغوصُ إلى حيث يجري السمسمُ والزعفرانُ، كأنَّما نحاولُ، معاً، أن نكونَ الجراحَ التي لا جراحَ بعدَها… هيا أيقظْها يا ديرام”، “أيقظيهِ ديلانا، أيقظي الفتى الذي يتململُ تحت الشُّعاعِ المنسابِ على صدرِهِ العاري.

كتب عنه الشاعر العراقي سعدي يوسف قائلا: "أعظم كردي ظهر بعد صلاح الدين الأيوبي"، ولم يتردد بركات بمهاجمة متطرفي الأكراد كما حارب طويلا من أجل قضيتهم

أيقظيهِ وأيقظي النهارَ والأرغفةَ، ثم املئي دلوَكِ -الدلوَ الذي تسقيْنَ به حيواناتِ الصباحِ التي لا تُرى -املئيهِ شَرانِقَ قَزٍّ وتوتاً مما يتساقطُ من المدائحِ، لتخيطي بالحريرِ والتوتِ هذه العذوبةَ المُسْدلةَ حول ديرامَ. أيقظيهِ أيقظيهِ ديلانا”، في أكثر من مشهدية سينمائية سحرية فائقة بدأها سليم بركات هكذا: ” تيتل على الهضبة، وسكون يرفع قرنيه عاليا كالتيتل، فلا تقتربنّ أكثر أيها الدليل، ولا تبتعدنّ أكثر، مكانك هو المكان الذي ترى منه الجذور الجذور، والأرض ميراثها. تيتل على الهضبة، وسكون صلد يرفع قرنيه عاليا كالتيتل”.


سيرة الطفولة والصبا


لم يغادر القامشلي، رغم أنه غادرها، كتب محموماً بها في بيروت سيرتيه الشهيرتين، “الجندب الحديدي ـ سيرة الطفولة ” في العام1980 و”هاته عالياً، هات النفير على آخره – سيرة الصبا” في العام 1982، يقول عن القامشلي: ” أستطيع أن أصفها سنتيمتراً بعد آخر بعينيها هي، في الأطلس، الذي لم تغادره من أعوامي العشرين.

تستطيع، هي، أن تصفني نحيلا نَزقاً، عاقلاً كهواء طائش. ليس هنالك من قامشلوكي أخرى. عندها أخت، بالاسم ذاته، كبرت – فيما بعد – بالذين يعرفون أن أختها الأولى تقيم معي حاضنةً أطفالها”، في تلكم السيرتين، كتب سليم بركات ذاكرة من عاشوا، ومن سيعيشون فيما بعد أقصى فقْدِ ما رآه هو وجيله، بعد أن زالت ملامح المكان وتخالط الزمان بالاعتيادي والمألوف، فلم يتبق سوى غرابة سليم بركات الراوي والشاهد والحي، “السِّيرة الناَّقصة لطفل لم يَرَ إلا أرضاً هاربة فصاح: هذه فخاخي أيُّها القطا” كتب سليم بركات فيها يوميات الطفل المسكون بالحياة: “إثْنا عَشَرَ أرْنباً حَصيلَةُ المَجْزَرَةِ، وَعِشْرونَ يَوْماً من التَّسَكُّعِ حوْلَ البَيْتِ دونَما جُرْأةٍ على دُخولهِ، أنامُ بيْنَ شُجَيْراتِ القُطْنِ في حقْلٍ قريبٍ، وآكُلُ ممَّا يسرقُهُ لي إخْوَتي”، سجّل مشاهد الجزيرة ووثائقها كما في صورة ساحرة لشيخة قبيلة طيء: ” كُنّا أطْفالاً آنَئِذٍ، يَأْخُذُنا الدَّهَشُ مِنْ عَنود – الأُنْثى الَّتي تَرْتَدي حَطَّةً كالرِّجالِ، ودشداشةً كالرِّجالِ، وسترة كالرِّجالِ، وتتمنطق بمسدس كالرِّجالِ”.
رسم سليم بركات بكتابته عالما ملؤه الحجل والريش المتطاير مستعرضا عضلاته اللغوية وبلاغة العقل والمخيلة فكانت تجربته فضاء واسعاً لا حدود له


الخروج من المنافي الجديدة


كتب الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف: ” في العام 1979 ، كنّـا في بيروت ، بين أضلاع ما سُـمِّيَ الكيلومترَ الأخير، وقد تأكّدَ أنه أخيرٌ، بعد أن طردتنا دباباتُ آرييل شارون في صيف 1982 وخريفها، فلم نجدْ، بَعدها، أرضاً ثابتةً ثباتَ ذلك الكيلومتر المربع الأخير، كنتُ أعرفُ أن سليم بركات مقيمٌ مثلنا، في الفاكهاني، سألتُ عن مَـظانِّهِ، وعرفت عنوانه، دخلتُ المبنى، وتوجّهتُ إلى باب المسكن، ضغطتُ الزرَّ، مضت دقائقُ، حتى لقد خِلْـتُ أنني أخطأتُ المقصدَ… البابُ يوارَبُ بطيئاً، ومن الفتحة بين الباب والجدار تظهر فوّهةُ مسدسٍ، تتلوها ” سبطانةٌ ” كأنها لطولها وشناعتها سبطانةُ بندقيةٍ،

ـ من؟

ـ أنا سعدي يوسف ، يا سليم بركات… أرجوكَ اخفضْ فوّهةَ المسدس″، ليقول عنه سعدي بعد ذلك :” قلتُ لسليم بركات ، مرةً: إنكَ أعظمُ كرديٍّ بعد صلاح الدين، واليومَ، بعد رُبع قرنٍ من مَـرِّ الزمان، أعود إلى القولة ذاتها، وأنا أكثرُ اطمئناناً إلى صوابها، بعد أن شهدتُ ما شهدتُ، وعرفتُ من عرفتُ”.

ولكن سليم بركات المحارب، غادر كنيسته اللبنانية الفلسطينية، وخرج من بيروت مع من خرجوا، في تغريبة كردية سورية فلسطينية عربية متجددة، إلى تونس ثم روما ثم قبرص، حيث استقر هناك وصنع “الزاوية التي يطل منها على روحه وعلى العالم” في بيت جمع في حديقته مئات الشجيرات حافظاً أسماءها باللاتينية، متابعاً جنونه في اللغة والخيال، ليتابع مع الشاعر محمود درويش مشروع مجلة الكرمل، مطلاً هذه المرة على العالم العربي، والقارئ العربي وسوريا ولبنان اللتين باتتا خلف البحر، من نافذة واسعة، وراقية كلغة سليم بركات، وجدّية سليم بركات. “بالشباك ذاتها، بالثعالب التي تقود الريح” مجموعته الشعرية البيضاء، ومعها أولى رواياته الكبيرة ” فقهاء الظلام” كانتا تأسيساً جديداً لما يريد سليم بركات لطريقه أن تمضي عليه، رصفٌ حجري رفيع، ليس فقط لأن اللغة رفيعة، ولكن لأن المقاصد تسطّر ذاتها في البعيد من العشرات وربما المئات من السنين، ليصبح عالم سليم بركات مفتوحاً على الماضي والحاضر والأمكنة والتفاصيل، يغرق قارئه تارة في تأريخه الخاص للكرد في وصف أسمائهم وثيابهم وعاداتهم وهواجسهم وأحلامهم كما لم ولن يفعل أحد مثلما فعل سليم بركات، وتارة يذهب إلى بيروت ونيقوسيا، والحروب الصليبية والطيور والكائنات والعاشقين والمفاهيم والأشخاص والفلزّات.


طفل بفرح لا يتوقف


وبحزن كبير أيضاً، وحكمة وطيش ودهشة، واصل سليم بركات نقل الفضاء الواسع الذي يسكن داخله، حتى حانت ساعة مغادرتها قبرص مرغماً، إلى منفاه الجديد في السويد، ليعيش منذ العام 1999 في شمالٍ قال إنه “ليس الشمال الذي كتب عنه طيلة حياته” عالم بعيد وجديد، قوانين، ومطر، وضجر، تفاصيل كثيرة ولكنها ليست كتلك التفاصيل التي تولّع بها ونقلها إلى العالم كله من عالم الشمال السوري البسيط، وعن روايته “الريش” التي كتبها في قبرص قال الكاتب الإسباني الكبير خوان غويتيسولو: “نثر سليم بركات، مثل نثر ليزاما ليما، هو هدية ابتكارات دائمة، وصور مستوحاة، واستعارات أخاذة، وانعطافات غير متوقعة، وشرارات شعرية، وتحليقات مجنحة. إنه مزيج فريد من الواقع والحلم، الأسطورة والحدث المرير، لا يطيع قوانين الزمان، ولا قوانين المكان. النصّ يتجوّل طليقاً في طراز من الجغرافيا الرؤيوية، حيث المعالم خاطفة ومتبدّلة: كردستان، التي راودها الحلم ألف مرّة، تتقاطع مع قبرص الإقامة؛ الطفولة مع الرشد، والواقعي مع الغرائبي. من، الشخصية الرئيسية، يتحوّل على مدار الرواية، فهو تارة عصفور، وطوراً ابن آوى، يحادث البشر والحيوان. وإبداع بركات الأكثر حرّية يعبر كلّ حدود الممكن المعقول”.

وقال عنه الناقد والباحث السوري صبحي حديدي بأنه “الكردي- البازيار الذي شق معاني العربية من تلابيبها”.. وأيضاً “حين يتحدثون عن نوبل كردية.. فإن المرء يفكّر بأدوار الشاعر والروائي الكردي ـ السوري سليم بركات، ليس في إغناء الأدب العربي وحده، بل في الارتقاء باللغة العربية ذاتها، وصياغة بيان عربي رفيع بديع″.

انخرط سليم بركات في بيروت مع الثورة الفلسطينية ناشطا في العمل الثوري والفكري معاً، لتندلع الحرب في لبنان، وتأخذه معها فكان شاهداً على الحرب مشاركا فيها كمقاتل وشاعر


الأمة الرعاعة


كتب سليم بركات قبل سنوات، مقاله الغاضب” إنها ليست الأندلس يا يسوع″ ضارباً ما سمّاها بالرعاعة الأمة، التي تنجب الإرهابيين والعبيد، وتغط في سبات وصمت القبور، فلم يدرك كثيرون جوهر الزفرة التي أطلقها صدر سليم بركات، وهو وارث تلك الأمّة ثقافياً وإنسانياً، فهوجم وانتقد وعدّه البعض متعصباً لكرديته عنصرياً ضد العرب والمسلمين، ولكن آخر من يتهم بالتعصّب العرقي والديني، صاحب الأعمال التي احتفت بالأمّة، وهابت حضارتها وانحنت لجلال صنعتها، والكردي ذاته الذي انتقد الأمة ونعتها بالرعاعة عاد ليعصف بوجه الكرد أنفسهم من جديد مع تصاعد انتفاضة السوريين، كتب سليم بركات: ” نحن الكرد السوريين لا نريد أصناماً على مداخل الشمال السوري ومخارجه، تماثيل العائلة الحاكمة الدموية تستجمع ظلالَ حجارتها هاربةً وهي تضع إزميلَ النحت في أيدي عشيرة أوجلان ـ فرع البعث الجديد بلقبٍ كردي ـ كي تنحت لأوجلان تمثالاً من خُدعة الأسد، لا نريد الخروج من عبودية أصنام البعث إلى عبادة أصنام الحزب الجاثمة بمخيلتها الركيكة في لقب (العمِّ) هوشي منه، وماو، وقبعة ستالين. حزبٌ آمن بإلغاء كل مُخالف لضحالة منطقه السياسي، أفراداً أو تجمعات، يستلم، الآن، سلاحَ الأسد، ـ كفعلِ الأسد وحلفه الإيراني، بالسلاح حكراً في لبنان على مستبِدٍّ بالدولة قراراً، ـ وخططَ الأسد، لنقل كرد سوريا من عبودية عانوها والشركاءَ إلى جحيم المجابهة مع شركاء الكرد أنفسهم، وجحيم التمزيق بمخاوف الجار التركي؛ بل أخذهم إلى نكبةٍ أينَ منها نكبةُ البرامكة”.


محمود درويش وسليم بركات


قدّم سليم بركات شعراً متطوراً من حيث البنية والتراكيب واللغة والصورة في وقت كانت لغة الخطابة ما تزال تطغى على الشعراء، والحداثيون منهم كانوا يحوّمون في التغريب واستنساخ تجارب شعراء أوروبا وأميركا. ولم تنتج الثقافة السورية، بعد سليم بركات مثله، وعاش الشعر والرواية السوريان سباقاً كبيراً مع سليم بركات على اللغة والمعاني والصور، فمن لم يتأثر بسليم بركات، الذي قال عنه صديق رحلته محمود درويش، في ندوة جمعتهما بإحدى مدن أسوج الاسكندنافية: “بذلتُ جهداً كي لا أتأثر بسليم بركات”، ولكنّ كثيرين ممن ظهروا بعد سليم بركات في سوريا والعالم العربي وفي ثقافة المشرق بعمومها، لم يفلتوا من فخاخ بركات التي نصبها في كل مكان لطيور السحر والإبداع والترف الرفيع الذي حلم به الطفل الشقي، ابن الملاّ بركات، ذات يومٍ لأهله كلّهم في الشمال… الذي استهلّ كتابه الأول يوماً بهذه الصورة:

“عندما تنحدر قطعان الذئاب من الشمال وهي تجرّ مؤخراتها فوق الثلج وتعوي فتشتعل الحظائر المقفلة، وحناجر الكلاب، أسمع حشرجة دينوكا. في حقول البطيخ الأحمر، المحيطة بالقرية، كانت السماء تتناثر كاشفة عن فراغ مسقوف بخيوط العناكب وقبعات الدرك، حيث تخرج دينوكا عارية تسوق قطيعاً من بنات آوى إلى جهة أخرى خالية من الشظايا”.

9