سماء لا تعتقل الأجنحة وفضاء لا يحجر على العقول

الثقافة أولا، لأن لا ديمقراطية يمكن أن تتحقق وتتأسس عليها المجتمعات من دون ثقافة تؤسس لوعي حقيقي يتفشى في الأفراد ويستقرّ في لاوعي الجماعة، يحيل احترام وجود الآخر.
الأحد 2018/12/09
لوحة ريم يسوف

يوشك العالم أن يودع عاما آخر، و”الجديد” تقترب من استقبال عامها الخامس؛ طامحة منذ صدورها إلى استئناف مغامرة ثقافية عربية جريئة، افتتحتها مجلات أدبية رائدة سبقتها، وقد سعت خلال سنوات صدورها الأربع إلى أن تشكل بخطتها النشرية المنفتحة على جغرافيات الثقافة العربية، ظاهرة ريادية في دنيا الصحافة الأدبية ومنبرا عربيا جامعا، يحتضن الجديد فكرا وأدبا في المهاجر والمنافي والأوطان، ويفتح بالحوار الفكري والنقدي الأقنية المسدودة بين النخب والتيارات الأدبية في لحظة عربية تتطلب مراجعة ثقافية شاملة.

ولدت “الجديد”، التي حمل عددها الأول عنوانا صاخبا هو “الربيع الدامي” في لحظة عربية استثنائية، وفي أجواء مشتعلة بالحرائق والانفجارات، وتوالى صدور أعدادها الأولى بينما أنهار من الدم تشق الشوارع العربية الصاخبة.

***

لم تولد “الجديد” لتعيد طرح الأسئلة القديمة، التي شغلت الثقافة والمثقفين على مدار أكثر من قرن، من المراوحة في الصيغ المتكررة والقوالب الجامدة والاغتراب عن العصر، ولكن ليكون لها نصيب في إثارة الشك في جدوى التكرار، وفي حض الثقافة العربية على استقبال الجديد وتجديد أسئلتها بحثا عن صيغ جديدة للأدب والفكر والفن أكثر قربا من الحقيقة الإنسانية، فلا تقطع الثقافة مع السياق التاريخي للتطور، ولا تغترب عن العصر، بل تغتني بكل ما يمكن أن يجود به الفكر والإبداع من جديد في عالم تكسرت فيه الحواجز، وبات انتقال المعارف والخبرات والصيغ أمرا يسيرا، عبر صيغ مبتكرة عمّمت نفسها على سائر جغرافيات الكوكب.

***

لم يعد طبيعيا ولا مقبولا أن تتقوقع الثقافات، صغيرة كانت أم كبيرة، في ظل وسائل الاتصال والتواصل الحديثة. وما دامت الثقافات تنتج ذاتها، وتعيد تعريف هذه الذات في مواجهة الآخر، وهو ما انخرطت فيه الثقافة العربية في تاريخيها القديم والوسيط، فلا مهرب، اليوم، أيضا من أن تعيد قراءة ذاتها بأن تطلّ على ذاتها من خلال مرآة إنسانية أوسع، هذه المرة، من كل ما عرفته من المرايا التي رأت فيها ذاتها واختلافها الحضاري عبر تاريخها المديد.

وهذا يحتم عليها أن تقارب أسئلة كونية الطابع، ولا مناص إذ ذاك من مغادرة الضيق الذي حاولت الصيغ القروسطية المتخلفة للصراع المجتمعي والسياسي أن تحشرها فيه، في ظل هيمنة قيم التسلط الأبوي، وتعثر محاولات قوى في المجتمعات العربية زحزحة البنى القديمة وصولا إلى مجتمعات تحترم خيارات الأفراد، ولا تتعامل معهم كقطيع من الخراف يقوده من مسلخ إلى مسلخ راع جشع له رأس تقيم في عتمة التاريخ، ولا ينافسه على تلك الإقامة سوى فقهاء الظلام، شركاء القسمة التقليدية في الهيمنة على أقدار الجغرافيا والناس في دنيا العرب.

***

ما من خيارات مستقبلية للعرب دون ثقافة جديدة. هو ذا ما تأسست لأجل المناداة به والعمل لأجله مجلة “الجديد” بوصفها منبرا للثقافة الحرّة والخيال الطليق، وفضاء للحوار الحرّ والأدب المبتكر. وأولا وأخيرا منبرا لمجد الكلمة وهي تنحاز إلى جانب الحق والجمال في عالم يزداد قسوة، رغم ازدهار الأفكار المنادية بالحرية والمطالبة بصون الحقوق، وفي جغرافيا عربية مشتعلة من بغداد وحتى صنعاء، ومن دمشق إلى طرابلس الغرب.

***

الثقافة أولا، لأن لا ديمقراطية يمكن أن تتحقق وتتأسس عليها المجتمعات من دون ثقافة تؤسس لوعي حقيقي يتفشى في الأفراد ويستقرّ في لاوعي الجماعة، يحيل احترام وجود الآخر، بدءا من حقه في الاختلاف في الرأي وفي خياراته الفكرية، إلى بداهة لا تقبل المراجعة أو الجدل.

***

ولدت “الجديد” على مفترق عربي صعب لتؤكد على حقيقة أن ما من سبيل آخر سوى المعرفة لتحقيق الخلاص لملايين الشباب العرب المتطلعين إلى حياة جديدة، تخرجهم من ظلمات الكهوف إلى مجتمعات تشعّ بالأنوار وتسودها مؤسسات عصرية تقوم على قيم حقوقية تنظم علاقات المجتمع وفق قوانين عامة، تصان من خلالها الحريات الفردية والعامة، ويقام وزن حقيقي للأنا بوصفها جوهرا للكلّ.

ما يعوز العرب اليوم هو الإقرار بأن الصيغ المهترئة التي حكموا من خلالها لم تعد قابلة للعيش، وأن ما أشعل حريق “الربيع العربي” كان حقيقيا، ولم يكن ضربا من التآمر عليهم. ولا بدّ لهم، بالتالي من أن يأخذوا بما بات من المسلمات من صيغ الاجتماع الإنساني في العالم الحديث، ليمكن لهم أن يعيشوا تحت شمس العصر في ظل كيانات تسمح للعقول بالتفكير الحر، وللإرادات الشخصية بالتحقق في مجتمعات تتيح الفرص على نحو متساو بين أفراد أحرار متساوين في الحقوق والواجبات أمام القانون، وتحت سماء لا تعتقل الأجنحة وفضاء إنساني لا يحجر على العقول.

هو ذا ما سنواصل التطلّع إليه في “الجديد”، ونسير على هديه، بحماسة أكبر، بينما نحن نودّع عاما ونستقبل آخر، في ركاب مغامرة بوصلتها تؤشر أبدًا جهة المستقبل.

10
مقالات ذات صلة