سماحة الحكم على سماحة وإعدام تيار المستقبل

الجمعة 2015/05/15

لحظة الـ“بلعطة” هي الأخطر ففيها يبذل الكائن المحتضر كل جهده، ويبدو وكأنه في أوج نشاطه. الثور المذبوح يلبط الهواء بكل ما أوتي من قوة، وكأنه يريد أن يحفر في جدار الحياة المسدود كوّة يعبر منها إليها من جديد. حزب الله الذي يعيش في هذه الآونة مرحلة الـ“بلعطة” يسعى إلى إماتتنا قضائيا وأمنيا ومن الرعب كذلك. ينتفض بكل ما أوتي من قوة. يرتعش ويتشقلب، ويمارس ألعابا بهلوانية كي يوحي لنا وللعالم أنه ليس على قيد الحياة وحسب، ولكنه في أتم الصحة والعافية.

يذكر التاريخ أن أدولف هتلر وحين كانت برلين قد باتت مدينة ساقطة عسكريا، أصدر من مخبئه حكما بإعدام أحد الضباط ونُفذ الحكم. لم يعن ذلك أنه كان لا يزال متمتعا بالسلطة والنفوذ، بل كان من لا يزالون يعتبرونه إلها يريدون من خلال الخضوع لأوامره حتى اللحظة الأخيرة، إقناع أنفسهم بأنه كان إلها حقا. سلطته في لحظة النهاية كانت تشي بالكارثة وتخبر عنها وليس العكس، ولعل أبرز علامات استفحال الكارثة أن ضحاياها يبقون حتى اللحظة الأخيرة ليسوا فقط أبرز مؤيديها، بل يشكلون جسما صلبا مستعدا للموت من أجلها.

الحكم الأشبه بالبراءة الذي صدر ضد الوزير السابق ميشال سماحة الذي ثبتت عليه بالدليل القاطع تهمة نقل المتفجرات، بغية إحداث بلبلة أمنية عارمة وتنفيذ اغتيالات تطال معظم الفئات اللبنانية، يقول إن حزب الله يريد أن يعلن للعالم أنه، وهو في الملجأ وقد سقطت كل عواصمه وجمهورياته الإلهية، قادر على إصدار حكم إعدام ضد تيار المستقبل وضد السنة وعلى فرض تنفيذ الحكم.

هذا لا يعني أنه لا يستشعر الكارثة ولا يعترف بها، بل على العكس يدل هذا النزوع على رغبته في استخدام سلاح العبث الشامل ضد نفسه وضد الجميع، مستفيدا من حرص الطرف الآخر على عدم محاربته بطريقة من شأنها التسبب في خراب البلد.

مشهد الدفع بالأطفال الشيعة في معركة القلمون العبثية إعلان عن نيات انتحارية يعلم أن لا أحد يستطيع مجاراته فيها، وخاصة تيار المستقبل. من هنا يعمل على خلق تيار انتحاري سني مماثل له في النزعات والنوايا والسلوكات، لإيمانه أنه يستطيع الانتصار عليه مهما كبر حجمه، لأنه سيبقى على الدوام أصلا ومرجعا في هذا المجال. تاليا فإن أي تيار سني سينشأ محاولا السير على خطاه، لن يكون سوى نسخة رديئة ويحتاج إلى سنوات وسنوات من الممارسة الفعلية حتى يصبح كيانا متماسكا وفاعلا. يعلم الحزب كذلك أن بروز مثل هذا التيار في لبنان في هذه الفترة من شأنه، حتى لو كان سبب نشوئه هو محاربته، أن يشكل معه حلفاً موضوعياً عميقاً ضد تيار المستقبل الذي سيجد نفسه أمام أزمة وجودية عميقة قد تنذر بالقضاء التام عليه.

لا يبقى إذن امام تيار المستقبل إزاء هذا الهجوم الانتحاري الشامل سوى خوض معركة كسر عظم ضد القضاء المملوكي، وعليه أن لا يتورع عن استخدام كل الوسائل المتاحة وإلا ستكون نهايته نهائية هذه المرة.

بات واضحا أن الحزب يريد أن يفخخ درب نهايته بنهايات كثيرة يجر الجميع إليها، وهو يعتبر أنه بذلك يستطيع أن يمنح لحظة “بلعطته”خلودا مفتوحا يستمر فيها متخذا سمة النشاط المفرط، والفائض، الذي يخفي احتضارا باردا، متقشفا، وخاليا من المجد.

بات تحالف حزب الله وداعش في القلمون خبرا بعد أن كان تحليلا، وها هو الحزب يسعى بكل ما أوتي من يأس انتحاري إلى تعميم “الداعشية” في وسط السنة في لبنان، كي يفيق من احتضاره سليما معافى ومنتصرا.

من هنا ليس الوقوف وراء وزير العدل أشرف ريفي في سعيه لإعادة تصويب دفة القضاء ومنعه من السقوط وإسقاط البلد، إعلانا عن موقف سياسي، ولكنه محاولة للدفاع عن آخر ما من شأنه منح هذه البلاد ولو الحد الأدنى من معنى الوطن.

كاتب لبناني

9