سماحة الدين ونبذ العنف في "حكاية عشيق المترجم"

الثلاثاء 2014/07/22
جون دوست يدعو الناس إلى التمسك بالقيم النبيلة ونبذ الطائفية التي فرقتهم إلى ملل ونحل

عن دار “ورق للنشر”، في دبي، صدرت رواية “حكاية عشيق المترجم”، للروائي الكردي السوري جان دوست، وهو من مواليد مدينة كوباني بمحافظة حلب سنة 1965، نال عام 1993 الجائزة الأولى في القصة القصيرة الكردية بسوريا، صدر له أربع روايات وتراجم شعرية مختلفة.

ينتهج الكتاب نهجا يستعيره من عصور تمتد إلى نشأة الكتابة وعصور التدوين الأولى، فالنص يأخذ شكل مخطوط أملاه يوحنا الأنطاكي بعد أن غيّر الراهب الماروني بولس عبد النور اسمه؛ لأن فقهاء الدولة العثمانية ومفتيها لا يجيزون إرسال أبناء المسلمين إلى ديار الكفر، يصف فيه رحلته في بداية القرن الثامن عشر هو وخمسة فتيان من بلدان متعدّدة، مختلفي الهُويات الدينيّة وهو ما مَنح النّص عبر حواراته انفتاحا ومرونة في قبول الآخر المُختلِف عنه دينيّا، كما تعكس سياقات تاريخية تشي بحالة الانفتاح على الآخر والرغبة في التواصل معه، كما أن ظروف الفتيان الثلاثة الذين التقاهم بالسفينة تماثل ظروف واقع عربي كان خاضعا للسلطنة العثمانية إلا أنه كان متفاوتا في الاستقرار.

حكايات الفتيان بما تحملها من رسائل تدين التعصب وترفض الخلاف الطائفي كما في قصة شمعون بن خوشايا، وقصة الوئام والتسامح كما في حكاية والد المترجم، وأيضا الحب والتعايش مع الآخر كما في حكاية المترجم مع إستر اليهودية ثم مع الفتيان، أو النفور من الحرب كما في قصة سابا الزَّجال، جميعها نماذج دالة على الرسالة التي يحملها النص من دعوة تثني على قيم التسامح ونبذ العنف، وتدعو إلى التدبر في المعاني الجليلة للأديان السماوية، والنظر إليها بعيدا عن مُلاك الحقيقة، ومن هنا تتجاوز هذه الدعوة زمنية الرواية إلى واقعنا الرّاهن وكأنّ الكاتب يدعو الناس إلى التمسك بهذه القيم النبيلة ونبذ الطائفية التي فرقتهم إلى ملل ونحل، وهو ما تجلّى في رسالة القس بولس “لن تنمو شجرة الدين إن شققت جذعها إلى نصفين بفأس مذهب”.


استعادة التسامح


لا يستعيدُ الكاتب زمن الرواية تاريخيّا فقط، وإنما يعمد إلى استعادته بكافة جوانبه الثقافية، حيث إيفاد الأبناء إلى البلاد الأخرى للتعلّم والعودة بذخائر الترجمة والمعارف، والأنشطة التجارية، حيث تجارة الدولة العثمانية الرائجة في الأمصار عبر تنقلات التجّار من مدينة إلى أخرى وهو ما يعكس رواجا اقتصاديا إضافة إلى الفتوحات وما شهدته من صراعات طائفية قائمة على أساس ديني وأيديولوجي وأيضا بصراعاته السياسيّة والدينيّة، كما هو ظاهر في الخلافات الطائفية التي نشبت بين الموارنة والحماديين في لبنان.

تقدم الرواية سردا معرفيا يصرف عن الرواية التهمة القديمة التي لازمتها منذ عصر النشأة بأنها قرينة التسلية

وصولا إلى الحروب التي كانت تشتعل باسم الرب، كما تقدّم الرّواية في أحد جوانبها المهمة سردا معرفيا يصرف عن الرواية التهمة القديمة التي لازمتها منذ عصر النشأة بأنّها قرينة التسليّة، فيقدّم الكاتب معلومات تاريخية وعلمية موثّقة إلى حدّ اعتمادها مرجعا، على نحو ما قدّم عن سبب تسمية نهر العاصي بهذا الاسم، وأيضا عن توثيقه لحرفة الورق وازدهارها ثم حالة الاضمحلال بسبب حالة الاحتكار التي ظهرت بدايتها في صورة الرجل الأجنبي مارتين الذي تسبب في خسارة والد المترجم رشدي الشركسي.


تعددية الرواية


يبني الكاتب نصه على التعدّد على كافة المستويات بدءا من الزمن حيث لدينا زمن الكتابة الفعلي وهو زمن استغرق سبع ليال في الإملاء، وهو زمن حديث نسبيا، يسبقه زمن الرحلة نفسها التي استغرقت هي الأخرى سبع ليال، وهذان الزمنان يتعامل معهما المؤلف تعاملا كرونولوجيا حيث الأحداث مُتعاقبة ومتوالية، أما زمن الإطــار فهو زمن طويل نسبيا.

تبدأ الرواية والمترجم صار عجوزا واهنا تكالبت عليه الأمراض، يدوّن حكاية عن شبابه وعن رحلته إلى بلاد الصلبان، ويتميز أيضا بخروقات زمنية عبر فعل الذاكرة حيث ذكريات الكاتب أثناء الإملاء عن طفولته وأسرته وتجارة والده الرابحة ثم خسارته، وقصة حبه لإستر وما أعقبها من رفض من قبل الأسرة وإن دلت في أحد جوانبها على رحابة تقبل الآخر المختلف معه دينيا، وهو نفس الزمن الذي يتخلّل حكايات الفتيان الثلاثة الذين التقاهم على ظهر السفينة حيث تجد خروقات زمنية، جميعها يأتي سردا ذاتيا عبر حكايات شخصية.

وهو ما ينتقل إلى المستوى الثاني من التعدد حيث ثمة رواة داخل النص أولهم الراوي الأساسي الذي يملي المخطوط الأصلي، وهو راوٍ متكلم، بالإضافة إلى تمركز الراوي الغائب في موضع من الحكاية كبداية الوحدات ويقوم دوره على الربط بين أجزاء الحكاية المختلفة وقد يظهر بصورة جلية في آخر الحكاية بعد إملاء المؤلف لخاتمة نصه، يقول: “وما إن أنهى المترجم العجوز عشيق بن رشدي إملاء جملة الختام تلك واقفا حتى انحنى يقبل جذلا جبين يونس قبلات متلاحقة”.

أمثال وأقوال مأثورة تعاضد سماحة الدين وعدم تشدده

هذا علاوة على وجود المروي عنه المتمثل في شخصية كاتب المخطوط والذي يأتي دوره كمتلق للحكاية وإن كان يتجاوزه إلى مُحَفِّز لفِعل السَّرد وَمُنمٍّ له عبر تساؤلاته لصاحب الحكاية الأصلي المعروف بعشيق المترجم.


المحاورات والتشبيهات


المستوى الثالث في التعدّد هو تعدّد أساليب وأنماط السّرد، حيث تبدأ الرواية سردا كلاسيكيا عبر راوٍ غائب، يبدأ سرده معتمدا على الوصف وتقديم أجواء الحكاية ثم يتداخل السرد عبر جمل حوارية تشي بتماهي السرد مع الحوار، الذي يتوزع في معظم أجواء النص، كاشفا لمعان وحقائق عن الأديان وعلى الأخص جوهرها، وعلاقة الإيمان والعبد، وهي تقترب بالنص من أجواء الصوفية.

وحتى الحوارات التي دارت عن اختلافات العقيدة وطبيعة الأديان الأخرى، لم تحمل فكرا مُتعصبا أو تشدّدا بل تسامحا وقبولا. وقد يعمد السرد على توطيد أواصره بالحكمة التي تعج داخل النص سواء من الراهب بولس أو من الدرويش سراج، ومن ثم تعج الرواية بالأمثلة والأمثولات والأقوال المأثورة التي تقف جميعها لتعاضد سماحة الدين وعدم تشدّده، وثمة فيض لمفاهيم جديدة عن الحب والإيمان وعلاقات تجمع بين الحب والإيمان، والإيمان والحرية، بل الكثير من الأمثلة التي يصوغها الكاتب على لسان شخصياته فيمنح الحكاية رحابة عند التقبل، وحجتها إقناعا في التأثير، ومن هذا ما قاله سراج الدرويش “يا بولس إن الدين ترياق لكنك لو زدت في مقاديره أو جهلت به أصبح سمّا”.

كما يتوسل السرد لإبراز فكرة التسامح بالمحاورات بين الراهب والفتيان ويعتمد فيها الكاتب على التشبيهات الحية المستقاة من الواقع كما هو الحال في تصويره للمشيئة والإنسان والعقل، وبالمثل في ما يقوله عن الإيمان وتشبيهه بالجزيرة في البحر، وأيضا تشبيه أهل العلم الذين يبحثون عن طريقة عبادة الله وأصولها كشجرة الجوز.

كما ذكر الدرويش سراج، ومثلما أتى في المحاورات حول الطب والإيمان التي دارت بين الراهب الماروني والطبيب الأنكليزي السير روبيرت، ومحاورات الدرويش سراج لطالب فقه على باب الجامع الكبير في حلب، وكذلك محاورات الدرويش سراج والقس بولس ومن هذه المحاورات عرف أن الحقيقة بحر، بل ذابت في قلبه كراهية الأديان ولم يبق فيه ذرة واحدة منها، والأهمية الأخرى تكمن في أنها تكشف عن رحابة الأديان وتوضح جوهرها المستتر والغائب عنا، وأيضا هي وسيلة لتقوية الإيمان دون تنفير من دين على حساب آخر.

15