سماحته.. لا يسمع الأخبار

الأربعاء 2013/11/06

لا يعلم أمين عام حزب الله اللبناني حسن نصر الله أنه لم يعد نجماً له جمهور، ولم يعد خطابه الحماسي قادراً على التأثير، بل إنه يواصل العزف على الأوتار القديمة نفسها، بينما يبدو الملل مسيطرا حتى على أولئك الذين جيء بهم لمتابعته، وإن كانت الهتافات المنظمة مستمرة، فهي نوع من ديكور يسعى منظمو «احتفالات» نصر الله للحفاظ عليه، لكن واقع الحال، يقول غير ذلك تماماً، فالرجل المتألق قبل خمس سنوات لم يعد كذلك، وقد ساهم شخصياً بانخفاض أعداد معجبيه.

عبثيته هي هي، لم تتغير، صحيح أنه غاب في مخبئه لأشهر، لكن يبدو أن وقع الرسائل السرية والعلنية المتبادلة بين واشنطن وطهران جعلته يشعر بنشوة المنتصر، ويطل بقبضته الرخوة ليعلن انتصار «محوره» الوهمي، فنظام حليفه في دمشق مهترئ لدرجة كبيرة، ولا يمكن أن تغير بعض التهديدات الفارغة من واقع الأمر شيئاً.

كان نصر الله في ظهوره الأخير أقرب إلى المهرج ثقيل الظل الذي يكرر في كل مرة إلقاء الدعابة نفسها، حتى يصير الجمهور يرددها عن ظهر قلب، فهو لا يكلف نفسه عناء قراءة المتغيرات، ولا يجهد نفسه في التفكير مليا بالتفاصيل، ولا يستعين بمستشاريه ليضع خطابا مختلفا، أو ليعد نفسه لدور مختلف ينسجم مع المرحلة القادمة.

قبل أشهر أعلن نصر الله أنه مستعد للذهاب إلى سوريا للقتال إن اضطره الأمر نصرة لنظام الممانعة الذي سلم وبخفة لا مثيل لها أسلحته الاستراتيجية، وتوقفت وسائل إعلامه عن ذكر العدو الصهيوني، فيما واصلت حربها المعلنة على العرب جميعا وبالمعية تركيا طبعا، وكذا فعل سماحته تماماً، فقد هدد ملوحاً بقبضته العربية السعودية، فيما الأرض تحمل متغيرات تنذر بقرب تفكك منظومة الردع التي يحتفي ويحتمي بها، فلم تعد إيران تكترث بشعاراتها البالية، وبدأت تعد العدة لشهر عسل دبلوماسي مع- عدوة الأمس- واشنطن والتي طالب وزير خارجيتها كونغرس بلاده بعدم فرض عقوبات جديدة على طهران، وقد يكون ذلك الطلب مهراً تقدمه الإدارة الأميركية لإيران.

وقد حلّق رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بطائرته دون إعلان مسبق ليحط في واشنطن وقد يكون وهو الذي لا تخفى علاقته الحميمة بالولي الفقيه، مرسال ود بين الطرفين، وقد تكون الأحاديث المعلنة جزءا يسيرا من مهمته، خاصة وأن الرجل يستعد بعد أشهر ليغادر كرسيه الوثير في رئاسة الحكومة العراقية، وعليه أن يجد لنفسه مكانا في مستقبل التحالف الأميركي- الإيراني الجديد.

وأما حسن نصر الله، فهو ينتظر بفارغ الصبر لحظات انتصار إلهي آخر، يخدع به مريديه وأتباعه، وقد بدأت الأخبار التي ترد من سوريا تحمل كل يوم مقتل عشرات من جنوده الذين أرسلهم إلى هناك، وبات تركيز الثوار المسلحين أكثر على دكّ معاقل حزب الله في غير منطقة سورية، وإن كانت صفقة تبادل الأسرى التي أفضت إلى الإفراج عمن يسمون بالحجاج اللبنانيين التابعين لحزب الله، فإن تلك الصفقة التي كثر طباخوها لم تعتبر انتصاراً، بل صنفت وفق كل المفاهيم بالعربدة والقرصنة السياسية، ومهما أقسم نصر الله وأتباعه من أيمان فإنه لا أحد سيصدق بأنهم لم يكونوا وراء اختطاف الطيارين التركيين، لمقايضتهم بأولئك المختطفين، وقد تدور في الأوساط المقربة من حزب الله، تساؤلات حول إمكانية أن يعمل الحزب مثل هذه العملية في المستقبل، لتخليص أسرى آخرين وربما جثامين أخرى، وكل هذا سينعكس سلباً على لبنان الدولة، وعلى الوافدين إليه، خاصة بعد أن بدأت أزمة اللاجئين السوريين الذين تجاوز عددهم نصف مليون لاجئ ترهق كاهل الدولة اللبنانية، وهي في أمس الحاجة إلى بريق استثمار يلوح من هنا أو هناك.

لكن مع وجود حزب الله وعنترياته فإن هذا الباب سيظل مغلقاً لأجل طويل، ولن يفتح إلا في حال انتفت الأسباب، وتشير الأخبار إلى أن دول الخليج والعديد من الدول الأوروبية تنصح رعاياها بعدم التوجه إلى لبنان، وهي دول تهتم كثيراً بمواطنيها، ولا ترغب في أن يستخدموا طعماً من قبل عصابة «الحزب الإلهي» في أي صفقة مستقبلية.

ولن يكون مستغرباً في الأيام المقبلة أن تتوقف بعض شركات الطيران عن إرسال طائراتها إلى لبنان، لأن المطار يقبع كما هو معروف تحت سيطرة مخابرات حزب الله، وإن بشكل غير مباشر. كل هذا يتوارد إلى الذهن أثناء متابعة موقف حسن نصر الله وهو يرغي ويزبد، ويحاول أن يظهر بمظهر المنتصر، في الماضي ثمة من صدق أكذوبة «نصره الإلهي» لكن أولئك الذين لم يصدقوا كان لديهم مليون برهان على أن حرب تموز تلك كانت كارثة بكل المقاييس على لبنان، فهي دمرت الكثير وقتلت الكثير، ولم تكن النتائج التي حصدها اللبنانيون إلا خيبة أمل كبيرة حولت البلد بأسره إلى ولاية ترتهن لنصر إلهي آخر، يعد نصر الله بتحقيقه، ربما هذه المرة بإيعاز مباشر من واشنطن، ولم لا كل شيء جائز.


كاتب سوري

9