سماعات الرأس العازلة للضوضاء.. أداة للإفلات من صخب الحياة

استخدامات متنوعة لسماعات الرأس العازلة للضوضاء حيث تعتبر طقسا من طقوس هواة الهدوء والاختلاء بعيدا عن التلوث السمعي.
الأحد 2020/05/10
ملاذ إلى الهدوء والخصوصية

تدرجت سماعات الرأس العازلة للضوضاء من مساحة ضيقة من الاستعمالات تقتصر على كابتن الطائرة إلى أفق أرحب وأكثر شمولا يتسع إلى استخدامات تختلف أهدافها خارج الحدود المهنية، فاستحالت طوق نجاة للباحث عن الهدوء هربا من صخب الحياة والطرقات، ولهواة الصمت والاختلاء.

لندن - اكتسبت سماعات الرأس الحاجبة للصوت زخما فريدا بتحولها من مجرد أداة صممت لكابتن الطائرة الذي يقطع رحلات طويلة إلى استعمالات متعددة وضرورية بحيث لا يمكن الاستغناء عنها لدى الكثيرين ممن يرون فيها حاجة ماسة تسهل عملهم في المكاتب وحتى أحد طقوس الباحثين عن العزلة والهدوء.

وتتساءل الكاتبة جيسيكا فورسيث في صحيفة ذي غارديان البريطانية هل أن السماعات العازلة للضوضاء قد تحولت فعلا إلى  ضرورة؟

وما يطرح هذا السؤال هو الانتشار السريع لهذه الأداة التي أصبحت بالنسبة للبعض جزءا حيويا من حياتهم اليومية، حيث يكثر استخدامها في المدن الصاخبة التي لا تهدأ.

وتقول الكاتبة “عند توجّهي إلى واحدة من المدن الكبيرة، أحرص على حمل سماعات الرأس التي تضاهي أهميتها أهمية محفظتي وبطاقة سفري. لكنني لا أستمع إلى الموسيقى كثيرا، حيث أفضّل اعتمادها لميزة حجب الضوضاء من حولي”.

وتضيف جيسيكا “لا يصل أي صوت إلى أذني، وأستمتع بدلا من ذلك بالهدوء الذي يملأ رأسي، حيث يبدو الأمر كما لو أن أصوات العالم قد اختفت

 من حولي، لم أكن أدرك  مدى ارتفاع الأصوات التي تتعالى في المدينة دائما، ولم أتفطّن إلى حاجتي للصمت إلى أن حصلت على سماعات الرأس العازلة للضوضاء”.

التخلص من التلوث السمعي

نقلة نوعية في استخدامات السماعات من كابتن الطائرة إلى ملاذ سكان المدن الحضرية للانصراف إلى فسحة من الراحة والهدوء
نقلة نوعية في استخدامات السماعات من كابتن الطائرة إلى ملاذ سكان المدن الحضرية للانصراف إلى فسحة من الراحة والهدوء

تتسم وسائل النقل العام بكثرة الضجيج وهدير المحرك وأجراس قدوم القطارات وإشاراتها الصوتية عند توقفها، ما يجعل كثيرين يقبلون على السماعات لكبت كل هذه الأصوات والتمتع بمسافة هدوء حتى الوصول إلى مقر العمل. وعند دخول المكتب يحتاج الفرد إلى الهدوء للتركيز في العمل ما يجعل السماعات وسيلة مثلى لحجب الأحاديث المستمرة داخل المكاتب المشتركة التي تشتت انتباه الموظفين، أما على متن الطائرة فستشعر بقيمة هذه الخاصيّة.

وتقول الكاتبة جيسيكا فورسيث “لست الوحيدة التي تستعمل السماعات لأغراض تتجاوز الموسيقى، فقد أصبحت أداة من أدوات الحياة، وأصبح وجودها ضروريا لتحمل ضوضاء الحياة الحضرية التي لا تنقطع“.

ولعل تجربة اللندني المختص في تصميم الصور المتحركة وتحريكها، مات توماس مع لحظة انقطاع الصوت بينما كان تحت ضغط هدير مترو أنفاق لندن وأهازيج الشوارع التجربة الأكثر دقة لتفسير قوة الشعور حينما ينقطع الصوت المزعج فجأة وتشعر بلذة الهدوء.

"كانت مثل لحظة في فيلم عندما انقطع الصوت" هكذا وصف مات توماس لحظة انقطاع الضوضاء من حوله في مترو أنفاق لندن

وبلغ مدى تأثير اللحظة لدى توماس إلى حد وصفها بأنها أشبه بلحظة في فيلم حينما تشعر أن كل شيء حولك يسير ببطء، حيث اكتشف إمكانية الاعتماد على ميزة عزل الأصوات من تلقاء نفسه  عن طريق الصدفة عندما انقطعت الموسيقى التي كان يستمع  إليها. 

وتنتج حركة المرور الكثيفة مستويات ضوضاء تصل إلى 85 ديسيبل، وهي درجة يعتبرها خبراء الصحة والسلامة كافية للتسبب في تلف السمع بصفة دائمة إذا تم التعرض لها لعدة ساعات كل يوم. ويمكن أن تتجاوز ضوضاء قطارات الأنفاق 100 ديسيبل في بعض الحالات.

وغالبا ما يُبقي توماس سماعات الرأس في وضعها الصامت عندما يكون على متن وسائل النقل العام ولم يعد يعتمدها في الشارع حيث كاد يتعرّض لحادث مرور بسبب هذه الممارسة بينما يفضّل الموسيقى خلال العمل.

الاستخدام يظهر الفارق

وتختلف التجارب والاختيارات من شخص إلى آخر، حيث تستخدم لأهداف متعددة، فجوهانا فوجل، الخبيرة الاقتصادية التي تعيش في فيينا، تستمع إلى الموسيقى في الحافلة ولكنها تعمل من دونها.

واشترت سماعات الرأس التي تحجب الضوضاء لتساعدها على التركيز في المكتب الذي تشترك فيه مع زملائها. وأكدت أنها تجد الهدوء مريحا. وقالت “في البداية كنت أشك في أن السماعات ستحدث فرقا كبيرا، ولكنني لم أعد قادرة على العيش دونها الآن. وفي البيئات الصاخبة، أحتاج إلى طريقة لخلق الهدوء”.

ويقبل بعض الشباب على السماعات للاستماع إلى الموسيقى دون مشاركة الآخرين بحيث تصل الأنغام إلى مسامعهم فقط من دون العالم الخارجي في أجواء أشبه بعالم مصغر يقع فقط في رأس حامل السماعة لتشكل طقسا من طقوس خصوصيته الحياتية.

ستيفن ستانسفيلد: الضوضاء غير المرغوب فيها تسبب غضبا وانتهاكا للخصوصية
ستيفن ستانسفيلد: الضوضاء غير المرغوب فيها تسبب غضبا وانتهاكا للخصوصية

وتتجاوز أضرار الضجيج المتواصل حدود إتلاف حاسة السمع حيث أثبتت دراسات وبحوث روابط بين التعرض للضوضاء على المدى الطويل وزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية، بالإضافة إلى تأثّر المزاج وصعوبات النوم والتركيز.

وتفيد الدراسات بأن التأثيرات المضرّة بالصحة العقلية والجسدية تبدأ عند درجة أصوات تصل إلى  65 ديسيبل،

وهو مستوى يبدو معتدلا حين تعلم أن صوت الثلاجة يصل إلى 40 ديسيبل، وأن أصوات المكتب المفتوح تصل إلى حوالي 60 ديسيبل.

واختارت جوسي ليفينغستون، التي تعمل في شركة تكنولوجيا ناشئة في لندن، استخدام ميزة عزل الضوضاء لكتم ثرثرة زملائها في المكتب عندما تريد التركيز على عملها، وأشادت بالميزة التي تمكنها من سماع من يتحدث إليها.

 وقالت إنها تعتمد سماعات الرأس لتقليل ما يشتت انتباهها عندما يتطلّب عملها التركيز التام. وتعتبر أن هذه الخاصية هي التي مكّنتها من هندسة بيئتها لتتماشى مع احتياجاتها.

ويقول الباحث والخبير في علم النفس بجامعة كوين ماري البريطانية، ستيفن ستانسفيلد، إن “الضوضاء غير المرغوب فيها يمكن أن تسبب تهييجا وغضبا إذا بدت كانتهاك

 للخصوصية”. وأشار إلى أن “وجود الضوضاء في الخلفية عند القيام بنشاط ما يعدّ أمرا مرهقا، فمن دون أن تلاحظ، تبذل الكثير من الجهد لحجب هذه الضوضاء. لذلك، سينتابك شعور بالراحة عندما تتمكن من عزلها”.

ويمكن أن ترفع الضوضاء مستويات التوتر المضر بالصحة، ولا يعني عدم تركيزك على الأصوات من حولك نجاتك من تأثيراتها السلبية. فإذا كنت نائما ولم تستيقظ، سيواصل جسمك الاستجابة للأصوات العالية، لذلك يصنّفها ستانسفيلد كأحد عوامل الضغط.

وتستخدم بيثاني تمبل، وهي محامية في رالي بولاية نورث كارولينا الأميركية، سماعات الرأس أحيانا لتجنب الاضطرار إلى سماع صوت التلفزيون عندما تكون في المنزل مع زوجها.

وتقول إن هذه الميزة تساعدها على التركيز على نفسها. وأضافت “ستدرك مدى الضوضاء المحيطة بك والصادرة عن كل مكان من الثلاجة، وغسالة الصحون، ومكيف الهواء، وحتى السيارات التي تمر من أمام منزلك. وعندما يختفي كل ذلك، ستجد قدرة على أن تكون بمفردك مع أفكارك. وبمجرد أن تدرك هذا الإحساس، ستزداد رغبتك في المزيد”.

تأثير فاق التوقعات

هل أن السماعات العازلة للضوضاء قد تحولت فعلا إلى  ضرورة
هل أن السماعات العازلة للضوضاء قد تحولت فعلا إلى  ضرورة

صُممت سماعات الرأس العازلة للضوضاء في بادئ الأمر لفائدة الطيارين لتحسين راحتهم خلال الرحلات الطويلة، وكانت بعض الإصدارات الاستهلاكية الأولى مخصصة للمسافرين أيضا لمساعدتهم على آخذ قسط من الراحة أثناء السفر.

وتشتغل التكنولوجيا المعروفة باسم إلغاء الضجيج النشط، باستخدام الميكروفونات لالتقاط الضوضاء منخفضة التردد وتحييدها

 قبل أن تصل إلى الأذن، حيث تصدر سماعة الرأس صوتا معكوسا بمقدار 180 درجة مما يؤدي إلى إلغاء الصوتين لبعضهما البعض.

وتتصدر آبل إنتاج السماعات العازلة للأصوات، وهذا الإصدار من ضمن سلسلة آبل إيربودز حيث تتميز التصاميم بالجاذبية،

 فقد تم تصغير طول العصا وإضافة قطعتين من السيليكون للسماعتين ليعطي ذلك عزلا طبيعيا، فضلا عن وجود عزل نشط في السماعة ليعطيك تجربة صوتية فريدة من نوعها.

ويقول برايان بوريرسبول، الذي يشغل منصب مدير إدارة المنتجات في شركة سينهايزر الألمانية، إن “سماعات الرأس التي تعتمد هذه التقنية تخفض الأصوات بمعدّل 30 ديسيبل (بين 20 و45 ديسيبل)، حيث أن التكنولوجيا تبقى أكثر كفاءة ضد الأصوات ذات التردد المنخفض.

ويضيف “عندما أخبرني شريكي، الذي يستخدم هذه الخاصية حتى عند السير في الطريق، بأن سماعات الرأس هذه ستغير حياتي، شككت في كلامه. لكنني فهمت ما كان يعنيه الآن”.  ويصف برايان تجربته بقوله “سمحت لي هذه الميزة بالتفرد بنفسي في مدينتي المزدحمة. أستطيع أن أسمع نفسي أفكر. وأدرك ذلك الشعور بالراحة في كل مرة أرتدي فيها سماعات الرأس”.

17