سما وهام سينمائية عراقية تواجه المسافة بينها وبين وطنها بالكاميرا

الفنانة العراقية سما وهام: أتعامل مع فكرة الغربة كميزة وحافز للكتابة والتصوير.
الأحد 2020/11/01
المغتربون العرب يواجهون صعوبة في الاندماج و{اللاعودة}

لا يترك المهاجرون أوطانهم مهما ابتعدوا عنها، فتعيش في دواخلهم على مرّ الزمن، وتنتقل إلى أبنائهم جيلا بعد آخر. وللمبدعين في هذا المجال شأن خاص، كونهم يترجمون هذا الانتماء والتمسك بالجذور إلى مجموعة من الأعمال الفنية التي تخلد هذه المعاني والقيم السامية. عالمنا العربي مليء بقصص الهجرة التي عاشها كثير من أناسه قاصدين أماكن أكثر أمنا نفسيا لتحقيق أحلامهم، منهم السينمائية العراقية سما وهام، التي خطت لنفسها طريقا أوصلها إلى السينما العالمية. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الفنانة.

الحنين إلى العراق كان ديدن الحياة التي تعيشها السينمائية العراقية سما وهام، بناسه وأجوائه وحكاياته وحتى صخبه ومشكلاته المزمنة. كان الرحيل مبكرا عنه، بعد عام واحد من الولادة، لكن سنين الاغتراب لم تطفئ جذوة الانتماء إليه. لتغدو حياتها سلسلة متدفقة من المتغيرات الجوهرية، فبعد مرحلة الاغتراب، كانت الدراسة الأولى في أبوظبي، وهنا مكمن وشرارة الشغف الإبداعي، فكانت البداية في أشعار مراهقة وقصص قصيرة نشرت في بعض الدرويات. ثم كانت محطة الدراسة التخصصية التي اختارت لها هندسة العمارة في الجامعة اللبنانية الأميركية في لبنان.

خلال وجودها في لبنان، ارتسمت أحلامها الإبداعية في تعلم فن التصوير الضوئي عند بسام لحود والموسيقى عند جوزيف خليفة كفضاء فني جديد. ولم تكتف بدراسة العمارة والموسيقى وفن التصوير الضوئي، فمع وصولها إلى تورنتو في كندا بعد أن وصلتها مهاجرة مع أسرتها، بدأت بدراسة فن الإخراج والتصوير الضوئي في جامعة جورج بروان. وتخرجت بصناعة الأفلام الوثائقية من جامعة شيريدان ثم على شهادة الماجستير في الإخراج السينمائي من جامعة يورك الكندية في تورنتو.

سنوات الاغتراب الطويلة، وقسوة البعد الجغرافي لم تطفئ في روحها جذوة الانتماء إلى العراق، خاصة كونها مبدعة فيمكنها أن تقول ما لا يستطيع غيرها قوله.

مواجهة المسافة

“العرب”: أنت من العراق، المنطقة صاحبة المخزون الهائل من الحضارة والمعرفة والتاريخ، وتعيشين على الطرف الآخر، حيث الأمة الجديدة مالكة العلم والتقانة، كيف تتعاملين مع هذه الحالة الماضوية والمعاصرة في حياتك الإبداعية؟

سما وهام: الهجرة ومحاولة الاندماج أو حتى التعايش مع تفاصيل الحياة التي لا تشبهنا، تضع المغترب أمام مفترق طرق دائم. فالمهجر يفتح آفاقا تُمكن المبدع من العمل والدراسة والتعبير عن رؤيته بحُرية، بعيدا عن الضغوط والمعوقات السياسية والطائفية أو الاجتماعية التي كان من الممكن أن تعرقله أو حتى تغير مصيره في بلده الأم، وخاصة في ظل الظروف التي تعيشها دولنا اليوم، ومنذ عقود.

الأفكار والمواضيع التي قد تخطر لنا قد تم تقديمها، ومهمة المبدع دائما أن يبحث عن طرح جديد
الأفكار والمواضيع التي قد تخطر لنا قد تم تقديمها، ومهمة المبدع دائما أن يبحث عن طرح جديد

لكننا مسكونون بها رغما عنا، بهمومها القديمة والمستجدة، بيومياتها والحنين الدائم إلى كل ما يشير إليها. أنا في الطرف الآخر البعيد عن هذه البلاد التي تجتاح أفكاري باستمرار، وتتسلل بشكل أو بآخر إلى قصة أي مشروع. أو عمل. أبدأ بكتابته وتطويره، لكنها البلاد والأزمنة التي شكلت معالم وجداني. كانت هذه المسافات والحالة الإشكالية متعبة لي في الماضي، حتى بدأتُ أتعامل معها كميزة وحافز لتمثيل المكان والثقافة التي آتي منها، حيثما ذهبت، وللكتابة والتصوير والعمل عما يعبر عني وعنها.

“العرب”: سما وهام معنية بتفاصيل جغرافية الوطن، وتبدو كذلك معنية بالعمق التاريخي للمنطقة، فرغم خطورة المنطقة خلال عام 2014 والعنف الذي كان موجودا في العراق وسيطرة قوى البطش والإرهاب على الكثير من مناطقه، فإنها ذهبت إليه، لتصور فيلما وثائقيا عن طيف إنساني عميق الوجود تلتقي عنده حضارات وأطياف وذكريات.

الفيلم كان بعنوان “غنيلي” ويتحدث عن المندائيين في العراق وهم طائفة قديمة موغلة في التاريخ. وكأنه مقاومة لروح العصر التي تحاول عبر العولمة فرض شرطيتها.

لغة العولمة الثقافية تفرض على العالم نمطا ومشهدا حضاريا واحدا، لكن المبدعين يقاومون، وكنت أحدهم عندما قدمت فيلم “غنيلي”، الذي تناول شريحة بشرية موغلة في القدم والحضارة ليشكل الفيلم أيقونة في زخم الأفلام التي تقدم الآن. كيف تنظرين إلى أهمية تقديم هذه الأفكار في سياقات محددة؟

سما وهام: “غنيلي” كان رحلة بحث عن مفهوم الوطن والانتماء والهوية، بمواجهة هذه المسافة القاسية التي تفصلني وجيلي عن وطن، حلم به أجدادنا الذين واجهوا الأطماع الاستعمارية، وآمنوا بأحقيتهم به، وبقدرتهم على الانتصار له، بقيم ومفاهيم لم تنجح بتحصينهم من ألف شكل جديد اتخذته هذه الأطماع والمصالح الدولية. كانت رحلة العمل على هذا الفيلم شاقة على عدة أصعدة، وطويلة نسبيا بسبب تصويره في ثلاث دول مختلفة، أحدها العراق في ظل ظرف حربه مع داعش عام 2014، بالإضافة إلى ضعف الدعم الإنتاجي للفيلم غالبا لطرحه التجريبي البعيد عن النمطية التقليدية.

لكن الصعوبة الأكبر كانت معالجة كل عناصر القصة، والتعامل الفكري والعاطفي مع المشاهد في غرفة المونتاج، حيث كان لكل مشهد خصوصيته، ودوره في هذه الرحلة الافتراضية لزمن مضى، وبلد لم يعد كما كان.

يهمني مضمون العمل بشكل أساسي، بالإضافة إلى البحث عن لغة لكل موضوع ومزيج جديد لألوان السرد المختلفة، يتفاعل مع القصة ويضيف بُعدا آخر لتفاصيل العمل. هناك أمثلة عديدة لأعمال سينمائية “خرجت عن النص” وصنعت لنفسها مكانا بعيدا عن المألوف والمشهد الموحد، لكنها مهدت الطريق لفكرة التجربة المستقلة التي تصنع نصها وخطها الخاص. وغالبا ما تتفرد هذه الأعمال بسرد طروحات وأفكار أو تأريخ وقائع وأزمنة مهمة نحتاج لتأملها ودراستها بعيدا عن تعسف الأنماط السائدة.

الاغتراب وحكاياته

“العرب”: المغتربون يعيشون حياة قاسية، فهي تضرسهم بين زمن ومكان كان وآخر معاش يحمل الحنين والألم، بين حلم كان وآخر مأمول يحمل المستقبل. كيف ترين غربتك وحياتك بين حنين للوطن الأم، وتلهف انتظار الغد، الذي يقسو على المغترب بطرح فكرة اللاعودة؟ كيف يمكنك كمبدعة فك طلاسم هذه المعضلة؟

سما وهام: قلما يشاهد أهلي القنوات المحلية في مدينتنا في ضواحي تورونتو بكندا، حيث نقطن منذ حوالي العقدين من الزمن. غالبا ما تسمع صوت البرامج والإذاعات العربية في معظم بيوت المهاجرين العرب هنا وبدول الاغتراب، إلى درجة أن بعضنا لا يعرف آخر مستجدات محيطه بقدر ما يتابع أخبار مسقط رأسه والمنطقة العربية.

لعله أمر طبيعي، لكنه واقع قاس ويؤثر سلبا على قدرة المغترب على الاندماج والتعامل مع مفهوم “اللاعودة” كواقع، أو مع هويته كمواطن للدولة الجديدة، لا “مغترب”. أحاول دائما إعادة تأهيل هذه الحالة وصعوبتها، بتوظيفها كدافع للعمل والبحث المتواصل عن قصص جديدة، وخواطر مرئية ومسموعة تشبه أسئلتي وهواجسي الوجودية والإنسانية.

قد أكون في حالة سلام وتعايش اختياري مع هذا الشعور ثقيل الوطأة، لأنني أحمله دائما حاجتي للابتكار والتعبير، والبحث عما يشبهني من لغة وشجن وأمكنة، في كل عمل، قد يختلف شكل أو سبب الألم الذي يعيشه المغترب عن ذاك الذي يواجهه أهلنا ومواطنونا في بلادنا ومناطقنا، لكنني أعتقد بأننا نتشارك الخسارة نفسها، كما الحاجة للتعافي من كل ما عصف بنا، وعلى الأغلب نتشارك نفس الحنين ذاته للأوطان”.

مشاريع سينمائية

البحث عن صور أخرى للأجداد (من فيلم "غنيلي")
البحث عن صور أخرى للأجداد (من فيلم "غنيلي")

“العرب”: تسعى سما وهام في ما تقدمه من سينما إلى بناء جسر تواصل إبداعي جديد يتسق مع رؤاها السينمائية المختلفة، فتغدو جدلية تقديم الفكري والجمالي عندها موجودة بشكل مختلف عما يقدم تقليديا. كيف تقدمين ذلك سينمائيا بحيث تبتعدين عن الاستهلاكي؟

أعمل كأستاذة مساعدة لمادة الإخراج والتصوير وصناعة الأفلام في الجامعة، وأبدأ معظم الفصول الدراسية بتذكير الطلاب بأن كل الأفكار والمواضيع التي قد تخطر أو لا تخطر لنا على بال قد تم تقديمها وصناعتها من قبل، وبأن مهمة المبدع دائما أن يبحث عن طرح جديد لتقديم هذه الأفكار، ويجد صيغة لا تشبه سابقاتها في النبرة والمعالجة والشكل.

السينما أرشيف ثقافي مرئيّ ومسموع لتاريخنا وهمومنا، وانعكاس حتمي لكل ما نعيشه، أو نحاول إحياءه. لعلها كأي فن ودراسة أو حرفة اليوم تنساق نحو السائد، وتعاني من هيمنة صناعة الموضوع الاستهلاكي الجاهز أو معاد التصنيع، لذلك من المهم تقييم التجارب الفردية المهتمة بالتحديث والخلق في اللون والمحتوى، والتوقف عند الأعمال ذات البعد والمضمون، بالأخص تلك التي تناضل بإمكانات بسيطة، ولكن فاعلة ضد سطوة المادة الإعلامية والسينمائية المسيرة، وتقاوم السائد بحثا أو دفاعا على هذه الأرض عما قد “يستحق الحياة”.

“العرب”: ما هو جديدك السينمائي؟ وماذا يحمل من رؤى، في عصر يضج بالمتغيرات اليومية؟

سما وهام: بدأت العمل على أكثر من مشروع منذ عدة سنوات، وتوقفتُ لفترة لأسباب إنتاجية، إضافة للانشغال بالعمل كمنتجة ومديرة تصوير لأكثر من عمل، تعاونت خلالها مع مخرجين كنديين على ثلاثة أفلام وثائقية طويلة، تم عرضها في عدة مهرجانات أوروبية وشمال أميركية.

لكنني دائما أحاول العودة إلى أعمالي ورؤيتي الإخراجية الخاصة. أقوم حاليا بإنهاء فيلمين متوسطي الطول، أحدهما وثائقي والآخر روائي تجريبي، كما بدأتُ بكتابة وتطوير أكثر من عمل، تتمحور مواضيعها بشكل عام عن الغربة وعواقبها النفسية، وعن المسافة التي تفصلنا عما يدور في بلادنا الآن تحديدا من أحداث وتغيرات. ولكنني أركز على تجربة المرأة المغتربة أكثر في هذه الأعمال، والعربية تحديدا، لأنها برأيي تختلف كثيرا عن تجربة الرجل.

سما وهام

فنانة سينمائية عراقية ولدت في بغداد، عملت في عدة مواقع إبداعية مساعدة إنتاج ومساعدة مصور سينمائي ثم حصلت على درجة مديرة تصوير سينمائية وعضوية نقابة السينمائيين الكندية بدرجة Associate Member، قامت بكتابة وإخراج وإنتاج أعمالها الخاصة، بدءا بفيلم وثائقي قصير أنجزته عام 2000 في لبنان عن عمالة الأطفال، إضافة إلى فيلم وثائقي تجريبي صامت عن آثار الحرب الأهلية على إحدى مناطق بيروت التي كانت تعتبر أحد خطوط التماس في الحرب.

عام 2008، قدمت فيلمها القصير “Unloose”.

عام 2011 قدمت فيلمها القصير “Ramp” أو منحدر، الذي عرض في عدة مهرجانات دولية وعربية بدءا بمهرجان “هوت دوكس” السينمائي الدولي في تورنتو.

عام 2012 أنجزت فيلمها الوثائقي القصير “Resight” (إعادة نظر) الذي عرض في العشرات من المهرجانات حاصدا العديد من الجوائز الدولية والترشيحات، ونال استحسان العديد من النقاد في كندا وأميركا. بين عامي 2013 و2015 أنتجت وصورت مجموعة أفلام وثائقية طويلة بالتعاون مع عدد من المخرجين الكنديين.

في نهاية عام 2015 أخرجت فيلمها الوثائقي “غنيلي” الذي عرض في العديد من المهرجانات العربية والعالمية منها مهرجان دبي السينمائي الدولي 2015، ثم مهرجان القمرة السينمائي في البصرة، مهرجان وهران للفيلم العربي في الجزائر، مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي، مهرجان السينما الأوروبية المستقلة في باريس، مهرجان ييراپيترا السينمائي الدولي في اليونان، مهرجان لوس أنجلس السينمائي الدولي في أميركا، مهرجان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا السينمائي الدولي في تورنتو، وغيرها. وحاز الفيلم على العديد من الجوائز والترشيحات، قد يكون أهمها جائزة أفضل فيلم وثائقي عربي طويل في مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي. حصلت سما وهام على 21 جائزة وترشيحا عن مجمل أعمالها، وهي تعمل حاليا كأستاذة لمادة الإخراج والتصوير السينمائي في جامعة بافالو في ولاية نيويورك في أميريكا، وتقيم بين تورنتو كندا والولايات المتحدة وتعمل على إنجاز عدد من الأفلام القصيرة بين الوثائقية والروائية. إضافة للبدء بفيلمين طويلين من إخراجها وإنتاجها وكتابتها؛ أحدهما وثائقي هجين (روائي – دوكيودراما) إضافة إلى فيلمها الروائي الطويل الأول.

 

11