سمر روحي الفيصل: الشكوى من تقصير النقد ستتسع مستقبلا

القصة والرواية العربية حاولت أن تشتبك مع هموم وقضايا المواطن العربي وما أكثرها في ظل الحروب والنزاعات.
الاثنين 2020/11/30
النصوص غير الفنية لا بقاء لها

لم تكن الرواية والكتابة القصصية وأدب الطفل تحظى بالاعتراف كأجناس أدبية مهمة عند العرب، حيث كان الشعر إلى عقود قريبة هو المهيمن على الثقافة العربية، بينما تمكنت الكتابات السردية من افتكاك مكانتها والتحول من النبذ إلى الصدارة والاهتمام. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الكاتب والناقد السوري سمر روحي الفيصل حول الأدب والنقد.

خمسون عاما أو يزيد عمر السيرة الإبداعية والنقدية للناقد والكاتب السوري سمر روحي الفيصل، استهلها محققا لكتاب “رسالة في المؤنثات السماعية” لابن كمال باشا، ثم مبدعا لمجموعات قصصية للأطفال، فناقدا للرواية والأدب الموجه للطفل والناشئة، وأستاذا أكاديميا، ليثري المكتبة العربية بعدد هائل من الكتب.

 يصعب تفضيل كتاب على آخر، فجميعها لها نفس درجة الأهمية بالنسبة إلى الأدب والثقافة العربيين، ولكن نشير إلى معاجمه معجم الروائيين العرب، ومعجم القاصات والروائيات العرب، ومعجم القاصين العرب، ومعجم السرديين العرب، وأسلوبية الرواية العربية، ومصطلحات نقد الرواية، وملامح الرواية السورية وغيرها.

ولد الفيصل في مدينة حمص عام 1948، وتلقى علومه في حمص وتخرج في جامعة دمشق حاملا الإجازة في اللغة العربية وآدابها، ودبلوم التأهيل التربوي من كلية التربية بجامعة دمشق، ودبلوم الدراسات العليا “الماجستير” من الجامعة اللبنانية، وشهادة الدكتوراه من الجامعة نفسها عام 1994. وفي هذا الحوار مع الفيصل نلقي الضوء على مسيرته وما كان يشغله خلالها من أفكار ورؤى.

الاهتمام بالسرد

يقول الفيصل “إن هناك مرتكزين أساسيين اتضحا عندي في خواتيم دراستي في المرحلة الجامعية الأولى في نهايات ستينات القرن العشرين، واستمرا معي، وانعكسا في إنتاجي كله، هما: اللغة والفن. وكل ما كتبته أو عالجته في النثر القصصي يستند إلى هذين المرتكزين. فاللغة بالنسبة إليّ عماد الكاتب، وكل تدقيق فيها يعني نمو قدرة الكاتب الموهوب على التعبير، وكل خلل في مهاراتها ينتج عنه خلل في مستوى هذا الكاتب. أما الفن فهو الجمال والإقناع والإمتاع والتأثير والخيال، ولا قيمة عندي للجليل والنافع والمفيد إذا لم يلبس لبوس هذا الفن، ويتقيد بقيوده وضوابطه وأساليبه التخييلية وقدرته على التأثير في المتلقي”.

الأدب يجب أن يكون العون الأساسي للتربية المدرسية السليمة للطفل
الأدب يجب أن يكون العون الأساسي للتربية المدرسية السليمة للطفل

ويضيف “لقد مر علينا زمن ارتفعت فيه وظيفة الأدب، وصار نجاح النصوص مرتبطا بالمضمون من الزاوية الأيديولوجية، وأصبح سؤال الفن سؤالا رجعيا يؤمن به المتخلفون. وقد استمر ذلك عقودا قبل أن نصل إلى نتيجة نعرفها، هي أن النصوص غير الفنية لا بقاء لها، فالوظيفة تُلبى من خلال الفن وضمن نسيجه ليس غير. أقول باختصار: إذا كنت موهوبا راغبا في دخول حقل الأدب فعليك إتقان اللغة والفن، وإلا فلا”.

ويوضح الفيصل حول أسباب توجه مشروعه إلى نقد السرد: القصة القصيرة والرواية “لعل قراءاتي الأولى أثرت في نمو مخيلتي، وجعلتني ميالا إلى النصوص القصصية التي يحرك الخيال حوادثها ويقود شخصياتها، وخصوصا ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، وروايات أجاثا كريستي التي كانت تأتينا من مصر مترجمة إلى اللغة العربية. فالخيال يخلق عالما جميلا مغايرا لعالم الواقع المعيش، وقد صار هذا الخيال جزءا من مكوناتي، وموجها لقراءاتي أول الأمر، ثم حافزي إلى الاختصاص بالقصة والرواية”.

ويتابع “كتابي ‘ملامح في الرواية السورية‘ الذي صدر عام 1979 كان أول كتاب تصدره مؤسسة رسمية في سوريا عن الرواية السورية، وقد حفزني على تأليفه عدم اعتراف الحياة الثقافية آنذاك بالرواية التي رأيتها عالما جميلا يجعل الإنسان الذي يحبه يجيد الكتابة عنه. وأنا، من جانب آخر، من جيل عرف في دراسته الجامعية مساقا واحدا للأدب الحديث مقررا في السنة الرابعة، وكان أحمد شوقي، في هذا المساق، آخر علم من أعلام الأدب الحديث سمح بدراسته. أما الأجناس الجديدة، وخصوصا القصة والرواية فلم يكن لها مكان في دراستنا الجامعية بحسب المناهج الـمطبقة آنذاك؛ ولم تكن هذه المناهج قد سمعت أيضا بشيء اسمه أدب الأطفال. لذلك بقيت مخيلتي تبحث عما يلبي حاجتها. وما إن تخرجت في الجامعة حتى رحت ألبيها بكتابة مقالات ودراسات عن القصة والرواية وأدب الأطفال أول الأمر، ثم تأليف الكتب عنها، والاختصاص فيها، بعد ذلك”.

ويشير الكاتب إلى أن تجربته في أدب الأطفال نبعت من إيمانه المبكر بأن الأدب يجب أن يكون العون الأساسي للتربية المدرسية السليمة للطفل، فهو يساعده على تنمية وجدانه ولغته ومعارفه ومخيلته. وقد كان هذا الأدب في خواتيم ستينات القرن العشرين غير معترف به في المؤسسات الرسمية ما عدا وزارة الثقافة، لذلك سعى إلى الاهتمام به بوساطة المحاضرات والندوات والدراسات والكتب الخاصة بأدب الأطفال عموما، وبالقصة الطفلية خصوصا. ويبدو له، بعد نحو من أربعة عقود ونيف أنه وزملاءه قدموا شيئا مفيدا للطفل العربي في سوريا. فقد نما هذا الأدب، واعترفت به المؤسسات الرسمية والخاصة كلها، وصارت له مسابقاته ودورياته ودور النشر التي تهتم به، وفي ذلك فوز ما كنا نحلم به أول الأمر.

وحول أهمية المعاجم ودور المعجم بشكل عام في الحياة الإبداعية والثقافية العربية، يرى الفيصل أن “تراثنا العربي أصيل في حقل المعاجم، في حين يبدو حاضرنا، إلى وقت قريب، مقصرا في هذا الحقل. بل إن حاضرنا في حقل التراجم الخاصة بالقاصين والروائيين ضعيف جدا، لذلك ندبت نفسي طوال عقود لسد هذه الثغرة البيبليوغرافية؛ حتى تمكنت من إصدار أربعة معاجم، كل واحد منها يسد ثغرات ما سبقه ويضيف إليه، أولها ‘معجم الروائيين العرب‘ عام 1995، وآخرها ‘معجم السرديين العرب‘ عام 2014، في نحو من ألفي صفحة”.

 ورغم ذلك كله يقول “إنني أرى العمل المعجمي الفردي يشوبه النقص، وسيبقى كذلك إلى أن يصبح عملا جماعيا ترعاه المؤسسات الرسمية، وتتكفل بنشره وتوزيعه ونفقاته، فضلا عن إعادة طباعته كل خمس سنوات بعد تعديله والإضافة إليه؛ إذا رغبت في أن تواكب الحياة الأدبية والنقدية؛ لأن معاجم التراجم من الكتب البحثية المساعدة يحتاج إليها الكاتب والناقد وطالب العلم والمكتبات العامة والخاصة”.

الأدب والنقد

الخيال يخلق عالما جميلا مغايرا لعالم الواقع المعيش
الخيال يخلق عالما جميلا مغايرا لعالم الواقع المعيش

يعتقد الفيصل أن القصة والرواية العربية حاولت أن تشتبك مع هموم وقضايا المواطن العربي وما أكثرها في ظل الحروب والنزاعات، ونجحت أحيانا في الاقتراب من بعض القضايا الكبرى الـمؤرقة للإنسان العربي، كقضية تحرر المرأة. بيد أنها ما زالت مترددة في بعض القضايا الأخرى، كحرية التعبير، والعلاقة بالسلطة، والعدالة الاجتماعية.

ويلفت إلى أن الرواية العربية في ثمانينات القرن العشرين عالجت قضايا التعبير السياسي- الاجتماعي، كالفلاح والعامل والسلطة البرجوازية والتفاوت الاجتماعي. وبرزت في تسعينات القرن نفسه قضايا تحرر الشبان وعلاقات الآباء بالأبناء. ثم تداخلت، طوال العقدين الماضيين من القرن الحادي والعشرين، قضايا الشبان والحروب واللجوء والفقر والثورة على السلطة القائمة، بقضايا حرية التعبير والظلم السياسي والسجون والمعتقلات، فاتسعت القضايا، وتعددت التفسيرات.

ويتابع “هناك من يقول إن المشكلات في الواقع العربي صارت أكبر حجما من قدرة الرواية على المعالجة. ومن يعتبر أن المعالجات الروائية السابقة لم تكن من العمق بحيث تسهم إسهاما إيجابيا في حل هذه القضايا. ومن يقول إن الزاوية الأيديولوجية التي انطلقت منها المعالجة غلبت الوظيفة على الفن، فأنتجت نصوصا مباشرة، أو أقرب إلى المباشرة. ومن يرى أن معالجة القضايا الكبرى ليست من مهمة الرواية، فالرواية فن الإمتاع، وليست فن الإصلاح الاجتماعي السياسي. نحن الآن نتأمل الانهيارات المحيطة بنا، لا نقول إن الرواية مطالبة بالعثور على الحل الناجع، ولكننا نقول إن الرواية قد تساعدنا على الحفاظ على توازننا ومنعنا من الانهيار”.

يقيم الفيصل في الإمارات منذ سنوات طويلة ويتابع منجز أدبائها في القصة والرواية وأدب الأطفال. يقول حول مشهدها في هذه الأشكال الأدبية “تجلى الأدب في الإمارات قبل سبعينات القرن العشرين في الشعر الفصيح والنبطي ‘الشعبي‘. ومع نشوء دولة الإمارات عام 1972 بدأ الأدب الحديث يتضح على استحياء، حتى إن رواية ‘شاهندة‘ لراشد عبدالله النعيمي، وهي أول رواية إماراتية، صدرت عام 1974. وشيئا فشيئا بدأت الحياة الأدبية تشهد روادا آخرين كعلي أبوالريش الذي يعد الآن نسر الرواية الإماراتية، وقد بدأ إنتاجه الروائي عام 1982 برواية ‘الاعتراف‘، وأنتج حتى الآن ست عشرة رواية. ورافقه رواد القصة القصيرة كمريم جمعة فرج، ومحمد حسن الحربي، ومحمد المر وجمعة الفيروز وعبدالحميد أحمد”.

ويتابع “استمر الشعر بنوعيه الفصيح والنبطي سائدا، ولكن سيادته ضمرت قليلا، وتحول من المنطوق إلى المطبوع. واللافت للنظر ابتداء من تسعينات القرن العشرين دخول النساء حقل النثر القصصي، حتى إنهن سيطرن أول الأمر على حقل القصة القصيرة، وتحولن في العقد الأخير إلى الرواية، فسيطرن عليها أيضا، حتى إنهن أنتجن بين 1990 و2019 مئة وثلاثا وعشرين رواية، في حين أصدر الرجال بين 1974 و2019 مئة وأربع روايات. أما نقد الأدب الإماراتي فيعود الفضل فيه إلى الأدباء العرب المقيمين في الإمارات، وقد اتسعت مدونة هذا النقد؛ لأنه أنتج طوال أربعة عقود عددا غير قليل من الكتب، وما زال اهتمام المقيمين بنقد الأدب الإماراتي واضحا في مقابل تردد الإماراتيين، الآن، في المشاركة في نقد الأدب الإماراتي، وسيأتي يوم، لا أراه بعيدا، يتسنمون فيه موكب النقد بدلا من المقيمين، أو إلى جانبهم”.

ويرى الكاتب أن “الحديث عن النقد الأدبي العربي ذو شجون. فهناك أدباء يعترفون بأهمية النقد، وضرورته للأدب والأدباء. وهناك أدباء أعربوا عن استيائهم من أن النقد لم ينصفهم، ولم يكتب النقاد عنهم بما هم أهله. بل إن هناك أدباء أعلنوا العداء للنقاد، ووصفوهم بالذباب وبالطفيليين وبالجهلة المتسكعين على أبواب الأدب. ونتج عن ذلك كله رأي يكاد يصبح قاعدة، هو أن النقاد مقصرون. فإذا أحسن هؤلاء الأدباء الظن عللوا التقصير بأن عدد النقاد قليل والإنتاج الأدبي غزير. وهذا كله، في رأيي، غير دقيق”.

الحياة الثقافية العربية لا تتقبل أشكال النقد كلها وترى الناقد عدوا إذا لم يمدح ما يبعده عن الرأي السديد

ويضيف “النظرة الموضوعية تقول إن النقد الأدبي فعالية مستقلة وتابعة. أما المراد بالاستقلال فهو حاجة النقد إلى تنمية ذاته بالاطلاع على المناهج النقدية، والتفاعل معها، والإحاطة بمصطلحاتها وما إلى ذلك. وفي هذا الأمر يتفاعل النقد الأدبي العربي مع النقد الأجنبي ومدارسه المختلفة، دون أن يضيف شيئا ذا بال إلى الحركة النقدية، انطلاقا من أن نظرية النقد عالمية، وليست ابنة أمة من الأمم، أو هكذا يقول النقاد العرب في تعليل استقبالهم المناهج الغربية بعد عقود من معرفة الغرب لها. ويعلل هذا الأمر بأنه بعض من الانحسار العربي العام عن الإضافة إلى فعالية الحياة الحديثة، وبعض من قبول العرب موقف المستهلك غالبا، والفاعل نادرا”.

ويتابع الفيصل “إذا انتقلنا إلى فعالية النقد التابعة فهمناها فهمين؛ أولهما: أن النقد يرود الأدب، ويكشف مستواه ونكوصه وجودته وريادته، ويجعل الأدباء يتعلمون منه، ويصوبون إنتاجهم بوساطته، وقد أصبح ذلك يعرف بالنقد التطبيقي. وثانيهما أن النقد لا وجود له دون الأدب، فهو تال عليه وليس سابقا له؛ أي أن هناك وجهين للأمر، انطلقت منهما الشكوى من تقصير النقد، وستتسع هذه الشكوى مستقبلا. ذلك أن الناقد ليس موظفا عند الأديب، إنما هو محلل، ينتقي ويدرس بتأن، ويصدر آراءه في كتب ودراسات. أما تغطية الإنتاج الأدبي بمقالات فهي من اختصاص الصحافة الثقافية التي تؤدي عملا نقديا مهما في الحياة الثقافية. ولكن بعض الأدباء يخلط بين مهمتها ومهمة الناقد، فيراهما شيئا واحدا، وهما اثنان، وسيبقيان اثنين إلى ما شاء الله. هل نضيف إلى ذلك عدم قبول الحياة العربية أشكال النقد كلها، ورؤيتها الناقد عدوا إذا لم يمدح ويهلل، ما يبعد الناقد عن الرأي السديد، ويجعله يرى الغنيمة في الإياب ليس غير”.

15