سمر محارب أردنية تشتغل على المستقبل وسط العنف والتطرف

طموحات الرئيسة التنفيذية لمنظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية سمر محارب تجعلها تقود القائمين على المنظمة وتوجّه البرامج والأنشطة، ليس فقط نحو العالم العربي، بل نحو المهجر أيضا.
السبت 2018/09/29
سمر محارب تبحث عن نهضة في زمن عربي مضطرب

كثيرا ما كانت الأفكار الخلاّقة والرؤية العميقة تتكاثف وتتجمع وتتعاضد لتطرد الشوائب والرؤى السلبية والانهزامية والمحبطة في المجتمعات. وعبر التاريخ العربي كان الفكر النهضوي العربي فعّالاً على أرض الواقع بقدرته على تخيّل الأبعاد المتشابكة والمتعدّدة للنهضة العربية، لذلك تركّزت فعاليته واستدامته على سبعة عناصر هي الاقتصاد والتعليم والدين والفكر السياسي والفلسفة والفن – الثقافة والمجتمع.

من هنا كان التحدي كبيرا في لحظة فارقة ومأزومة من التاريخ العربي قبل عشر سنوات بالضبط، بتأسيس منظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية في الأردن. المنظمة التي تشغل سمر محارب موقع الرئيس التنفيذي فيها.

تقول محارب لـ“العرب” إن هناك عوامل ساهمت في تشكيل الفكرة وإعادة إحياء مشروع النهضة العربية. وتضيف “الفكرة تشكّلت من الإدراك لواقع العالم العربي وأنه بالرغم من كل الجهود وتجارب النهوض. مازال الوطن العربي غارقا في الكثير من التحديات بما في ذلك تفكك الدول والمجتمعات، والتهميش والاغتراب والتطرّف والعنف والفقر وغياب الرؤى المستقبلية. وعليه كان ومازال العالم العربي اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى عقلية جديدة تتسم بالتفكير الإبداعي والريادي والناقد”.

محارب أردنية في العقد الرابع من العمر، لم تكتفِ بشهادة الحقوق التي حصلت عليها ولا بمهنة المحاماة التي مارستها. ولأن طموحها الإنساني والاجتماعي كان أكبر، فقد قررت التوجه نحو مجال لا يبدو سهلا ولا ميسرا للمرأة العربية؛ مجال التنمية. فحصلت على الماجستير في حقوق الإنسان والتنمية البشرية.

انخرطت محارب في عمل دؤوب ومكثّف مع العديد من المنظمات الدولية وانضمت إلى أوكسفام عمان في العام 2003، فشغلت منصب الممثل قانوني فيها من عام 2009 حتى عام 2013. وكانت الجامعة الأردنية مجالا لترسيخ أفكارها عبر تدريسها دراسات هجرة اللاجئين لطلاب مرحلة الماجستير.

وفي العام 2008 ترأست محارب مؤسسة العون القانوني في الأردن التي تعمل مع الأفراد والشركات للمحافظة على حقوق الإنسان ومحاولة جعلها حقيقة ملموسة لجميع الأفراد، وتمكين الفقراء قانونيّا وتشجيع المسؤولية الاجتماعية للشركات في القطاع الخاص.

إرث التعددية

محارب ترى أن الشغل على نهضة عربية جديدة أمر ضروري الآن. وتقول إن فكرتها تقوم على "إدراك واقع العالم العربي"
محارب ترى أن الشغل على نهضة عربية جديدة أمر ضروري الآن. وتقول إن فكرتها تقوم على "إدراك واقع العالم العربي"

العمل مع اللاجئين كان الهمّ الأساسي لمحارب. فكانت خطوتها الأولى في هذا المجال مع إطلالة الألفية الثالثة في مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن. ومع تفاقم أزمة اللاجئين العراقيين عام 2003 ساهمت بفعالية في تأسيس لجنة تنسيق المنظمات غير الحكومية في العراق.

ولكن بقي الطموح يكبر والخبرة تزداد وتتراكم فكانت الخطوة الأهم في عام 2008 حيث كانت من المؤسسين الرئيسيين لمنظمة النهضة العربية للديمقراطية والتنمية لتقديم المساعدات للشرائح المهمّشة في المجتمع بما في ذلك النساء واللاجئين والفقراء مع الخدمات القانونية، وخلق شراكة متينة مع المفوضية في الأردن وغيرها من الشركاء الدوليين والوطنيين.

وهكذا قادت مجموعة من الحوارات قبل عشر سنوات، كما تقول محارب، مع الأصدقاء النشطاء وخبراء التنمية والمفكّرين وممثّلي المجتمع المدني والنقاش مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص الذين سخّرتهم الظروف للقاء بهم في اجتماعات عدّة ومنابر ثقافية مختلفة مثل الجامعات وفي نشاطات مؤسسات المجتمع المدني المنتشرة بالعالم العربي، صاحبتها مشاورات مع الشباب والفئات الأكثر احتياجا في منطقتنا، إلى “التفكير بشكلٍ ناقدٍ في التحديات والاحتياجات المختلفة، ومحاولة التصدي لها بالبداية عن طريق توفير خدمات مباشرة تحقق حماية اجتماعية من بعض الانتهاكات التي تعاني منها مجتمعاتنا، الجهود بالبداية تركزت على توفير حلول سريعة وخدمات إنسانية وتعزيز توفير الفرص أمام الشباب والفئات المهمّشة من لاجئين وغيرهم، لكن بعد فترة قليلة بدأنا بدراسة المعطيات المتاحة أمامنا للتجديد والتغيير الإيجابي الذي يهدف معالجة جذور هذه المشاكل كتابة فصل جديد من التطوير والحداثة في المنطقة، وبأخذ خطوات عملية للوصول إلى عالم عربيٍ تسوده مجتمعات متنوعة ومتسامحة وساعية إلى نيل المعرفة وإلى إيجاد طرق جديدة لتحقيق نهضة شاملة وعادلة”.

محارب الحاصلة على جائزة تكريم للمبادرات العربية استمدت فكرة مشروع النهضة العربية من قيم النهضة التي كانت مثالا لإرث من التعددية والفضول الفكري والإنسانية. لكن الصراع الإقليمي الدائر اليوم، والاضطرابات التي تعيشها المنطقة العربية منذ سنوات، والظلال الرمادية التي ألقتها الأحداث على السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي، كل ذلك يجعل من استشراف فكر عربي جديد بمثابة تحدّ كبير.

لكن محارب تجيب بثقة “لا شك أن هناك تحديات لكن دون استشراف لن يكون هناك حلّ، لكن السؤال كيف نستشرف المستقبل؟ إذ نحتاج لاستشراف مبني على أسس علمية ومنهجية حديثة تمكّننا من الاستفادة من التجارب الماضية وتقييم الواقع وبناء ورسم ملامح المستقبل العربي الذي نحلم به وآليات تحقيقه. إذ يصعب تقييم فرص إعادة إحياء النهضة العربية والشروط المطلوبة لتحقيق ذلك دون تحليل عميق ناقد ونظرة ثاقبة لواقع العالم العربي الراهن وإشكالياته المتعددة وتحليل الواقع الاستراتيجي والسياسي والفكري والتنموي والأخلاقي في الوطن العربي، بما ذلك التحديات والفرص وعلى وجه الخصوص”.

لذلك فإن منظمة النهضة العربية تعمل في الوقت الحالي على إنشاء مركز لبحوث النهضة، يهدف إلى تشجيع البحث في حيثيات النهضة العربية، وقد تصدّرت الأبحاث التي أجرتها المنظمة سابقا منهجية العمل الميداني، إلى أن تطوّرت هذه الأبحاث اليوم بشكل يتيح التعامل بعمق مع المعضلات والأزمات التي تحيط بالمنطقة، وتحديد الاستجابة الدقيقة والتفصيلية لها.

المركز يعمل أيضا على تعزيز شبكة إقليمية وعالمية من الخبراء والنشطاء ممن يمتلكون خبرة واسعة في التعامل مع قضايا الوطن العربي والتحديات العالمية الصعبة أمامنا. وتأمل محارب أن يدعم هذا الجهد الفكري وتعزيز الحوار الذي تقوده المنظمة بالاستناد إلى مخزون معرفي محلّي وعربي. تقول “نحن نعمل بجدية عملا تقوده نخبة من المفكرين العرب يقودون مجلس الأمناء برئاسة زيد عيادات، وعضوية كل من علي أومليل وعبدالله السيد ولد أباه، وحسن نافعة وماجدة السنوسي. وبشراكة عدد كبير من المؤسسات التنموية والأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني المحلية والدولية”.

تعزيز سيادة القانون

عندما تعمل على تعزيز مفهوم سيادة القانون والقيم المدنية للمسؤولية والشفافية واحترام التنوع وجودة التعليم وتوفير الرفاه والمساواة، فإنك تسعى جاهدا إلى تحقيق أبسط الحقوق الأساسية للتنمية المستدامة. لكن تحقيق ذلك دونه مصاعب ومعوقات وهموم. ولذلك تقول محارب “أصعب التحديات هو تجسيد الفكرة، بسبب حالات الانهزام والإحباط والصعوبات الاقتصادية والاجتماعية وإحباط مشاريع تنمية عديدة بالعالم العربي وإهدار فرص جمة سابقة للنهوض، هناك صعوبة في تقبّل الفكرة، أو اختزال النهضة بفكرة أيديولوجية حالمة غير واقعية أو عند البعض هي فكرة قومية ماتت. ومن الصعوبات الأخرى التطبيق العملي للفكرة على أرض الواقع. فنحن أولاً وأخيراً مؤسسة مجتمع مدني، وهذا المشروع يحتاج لجهود مؤسسات عامة وخاصة وإسهام مجتمع مدني. أيضاً غياب الدعم العربي لهكذا أفكار ومشاريع وبالتالي تضطرنا للجوء لمصادر التمويل المتاحة وهي التمويل الأجنبي مما يثير شبهات وعدم قناعات، مما يحول دون انتشار الفكرة”.

نهضة نابليون ونهضة العرب

العمل مع اللاجئين هو الهم الأساسي لمحارب. فقد كانت خطوتها الأولى في هذا المجال مع إطلالة الألفية الثالثة في مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن. ومع تفاقم أزمة اللاجئين العراقيين عام 2003 ساهمت بفعالية في تأسيس لجنة تنسيق المنظمات غير الحكومية في العراق
العمل مع اللاجئين هو الهم الأساسي لمحارب. فقد كانت خطوتها الأولى في هذا المجال مع إطلالة الألفية الثالثة في مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن

في محاضرته في منتدى النهضة العربية التي حملت عنوان “النهضة العربية الإنسانية طوق نجاة العربي الأخير” يعرّف الروائي الجزائري واسيني الأعرج النهضة على أنها الانتقال من حالة إلى حالة ومن وضع إلى آخر أكثر تقدّما. ولا يكفّ تحديد البداية الزمنية للنهضة العربية وربطها بالحملة الفرنسية على مصر، عن إثارة استهجانه، وعلى فرض أن نابليون قد أدخل أدوات النهضة إلى المنطقة من خلال مصر؛ ويقصد بها فن الطباعة بمعناه الحديث، إلا أنه قد فعل ذلك لأهداف سياسية خاصة تخدم مصالحه لا علاقة لها من قريب أو بعيد بنهضة مصر وحداثتها. كيف لأحد أن يربط النهضة بمستعمر؟

ويؤكد الأعرج أن ذلك قد انعكس بمنطق غريب على الحركة الأدبية بمجملها حيث أحدث تأريخ بداية النهضة هذا قطيعة معرفية مقصودة مع العهد السابق والذي شهد فكر ابن رشد التنويري الذي شرح العلاقة بين الديني والدنيوي والفلسفة والدين. ويرى الأعرج أن الحل الوحيد للنهوض العربي والطريق الأخير أمام العرب سيخرج من رحم “المدرسة”. حيث أنّ الثقافة والموسيقى والفنون وحدها لن تخلق فكراً تنويرياً، وأن التعليم بحاجة إلى رؤية استراتيجية تعليمية واضحة ومستقرة لا تتغير مع تغيّر الحكومات.

هذا كله يدفع سمر محارب إلى أن تحدد الخطة المستقبلية للمنظمة “نأمل بأن يصار إلى إطلاق طاقات الشباب العربي الحاملين لفكر النهضة من أجل إعادة بناء العقل العربي على أسس حداثية وتأسيس منظومة أخلاق تحكم المجال العام، وتؤطر عملا تنموياً وبنيوياً يمكننا من إعادة تجديد الرسالة الحضارية”.

طموحات محارب كبيرة، تجعلها تقود القائمين على المنظمة في الذكرى العاشرة للتأسيس، وتوجّه البرامج والأنشطة، ليس فقط نحو العالم العربي، بل نحو المهجر أيضا، لتعزيز التعاون مع المنظمات المعنية بشؤون القضايا الفكرية وخاصة المتعلقة بأوضاع اللاجئين والمهاجرين العرب والقضايا التنموية والثقافية، بما يدعم أسس المجتمع المهاجر ويقدّم ما يحتاجه المهاجرون في هذه المجتمعات من خدمات عبر سلسلة نشاطات اجتماعية وشبابية والعمل على تنمية المواهب ورعايتها في صفوف المهاجرين، وخاصة الأطفال والشباب.

كل ذلك من منطلق الاهتمام بسبل العيش الكريم، وتحسين الشعور بالمواطنة والانتماء لدى المهاجرين واللاجئين العرب في دول المهجر، مع الحرص على تعزيز مشاركتهم الإيجابية بثقافتهم العربية، من خلال تبادل الخبرات وتنظيم البرامج وورشات العمل والدراسات المشتركة والنشاطات الثقافية والفكرية والمجتمعية، وتطوير وتوثيق الترابط الفكري والعلمي والبحثي بين مجموعات الشباب والمثقفين العرب والأجانب المعنيين بتجديد رسالة النهضة العربية وتعزيز تواصلهم بالمنصّات الثقافية الأخرى بالوطن العربي لمواجهة التحديات التي تواجه قضايا الفكر العربي والنهضوي.

تجارب عديدة تبرهن على أن إعادة إحياء الإرث الثقافي والاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هي الوسيلة الحقيقة للتغيير والتي يمكن أن تستمر على مدار الأجيال، مع التأكيد على ضرورة تعزيز مشاركة الشباب في هذه العملية لضمان استمرارية التقدّم.

12