سمع هس

الأحد 2014/12/28

يشتهر المصريون بأنهم يحبون الضوضاء، صوتنا عال.. نشغل كاسيت السيارة ليدوي ليلا ونهارا فيقلق العجائز والمرضى والأطفال، كنا زمان نحب الهدوء. الأفراح تلتزم بإنهاء الموسيقى التاسعة مساء وسرادقات العزاء في السابعة والنصف مساء.

الآن حفلات الزفاف والمآتم لا تنتهي إلاّ في مطلع الفجر، وسط أضواء مبهرة وأصوات مدوية، آلات تنبيه السيارات تنطلق في كل أوقات النهار بنغمات مزعجة وستريوهات عاصفة.

لا يمكن أن ينعم أحد في منزله بالهدوء، إذا عاد من عمله مكدودا يبتغي ساعتين من الهدوء، ومع ذلك ورغم هذا الإصرار العجيب على الإزعاج، فقد أصبحنا جميعا نتساءل عن أسباب زيادة الانهيار العصبي والحالات النفسية لدى المصريين.

تساؤل لا محل له من الإعراب، فنحن السبب الرئيسي للانهيارات العصبية التي تصيب جيراننا وأفراد عائلتنا وأقاربنا، زمان كان أعلى صوت نسمعه هو صوت دق الهون بعد ميلاد الطفل بأسبوع، بعد ذلك انتقل “الزعيق” إلى مدرجات كرة القدم، ثم إلى شاشات الفضائيات، حيث يتنافس المذيعون والضيوف مساء كل يوم في رفع أصواتهم.

فصاحب الصوت الأعلى هو الأكثر وطنية، والأقدر على الإقناع، والأشجع في المواجهة، الصوت العالي هو “كرت” المرور أو “الباسورد” إلى النجاح الإعلامي، أو هكذا يتصور القائمون على أمور التليفزيون في بلدنا.

يا جماعة الخير “كفاية علينا” ضوضاء الحياة اليومية، لسنا في حاجة إلى ضوضاء إعلامية من السادة الفضائيين، لا أحد يبذل جهدا ليقدم معلومة مفيدة وتحليلا هادئا، لكنهم جميعا يتفننون في رفع الصوت وتركيب مضخم ومكبر للحنجرة.

كل الإعلاميين في مصر أصبحت لهم حنجرة “ستريو”.. المزايدة ليست على جودة المحتوى لبرامج “التوك شو”، ولكن على الإصرار على الضوضاء.

المصيبة أن صاحب الصوت العالي في “التوك شو” تتاح له أحيانا فرصة الحصول على منصب هام، حرام عليكم، ركبوا كاتم صوت للميكروفونات البشرية التي انطلقت تأكل الهدوء والصفاء.

الغوا برامج “التوك شو” مؤقتا حتى نشفى من الانهيار العصبي، اغلقوا مدينة الإنتاج الإعلامي شهرا واحدا نلتقط فيه أنفاسنا، ونعود إليكم سالمين “تبهدلونا” مثلما تريدون و”تشخطوا فينا عمال على بطال”..

يا حبذا لو صدر قرار بإذاعة الموسيقى الكلاسيكية طوال اليوم، وإذاعة تسجيلات “لزقزقة” العصافير في المصالح الحكومية، وفرض غرامات فورية على كل محدثي الضوضاء سواء بالسيارات أو بالأصوات أو الميكروفونات.

أقترح على الداخلية أن تتعامل مع المواطنين بلغة الإشارة، ومن يستخدم آلة التنبيه في سيارته يحول إلى القضاء العسكري بصفته يرهب المواطنين المسالمين، “سمع هس.. يا عالم”.

24