سمكات ذهبية تسبح في القصيدة

الأحد 2014/03/16
الراحل رياض الصالح الحسين تسلّح بشتى العناصر التي تؤثث شعرية الشعر

بكثير من المجازفة رأى بعض الشعراء العرب الجدد ممن أرهقهم شعر الشعراء التموزيين العرب، أن الأسطورة فخ يقتنص شعرية النص، وأن هناك مجازفة كبيرة من جانبي، كشاعر عبّر شعره عن ولع خاص بالميثولوجيا والأساطير وعن انشغال بهما، جعل من النص الشعري شبكة تلمع فيها ثيمات الأسطورة وشذراتها كسمكات ذهبية. ذروة هذا القلق من جانب بعض الشعراء الجدد ظهر خصوصا في الثمانينات، وهي فترة خلت فيها نصوص الشعراء العرب، أو كادت، من الإشارات الأسطورية والميثولوجية، وغرقت القصائد بما بات يعرف يومها بالهامشي واليومي والعرضي، مما بات يأسر انشغالات الشعراء، وقد شغفت كثرة منهم بفكرة إعادة قراءة المألوف والعناية بهما، لاستخراج شعرية الشعر من نبض الحياة اليومية وثيماتها ووقائعها، وصولا إلى ما بدا ساحرا وغريبا، عبر ما سمّي يومها بالشعر اليومي.

ولم يكن شعري يومها غريبا على هذه الفكرة، ولا هو بمستبعد لها، ففي الوقائع اليومية عناصر يمكن للغة الشعر أن تغتني بها، من دون أن تقع في أسرها أو أن تكتفي بها، مصدرا وحيدا لشعرية الشعر. وفي ظني أن مجموعة رياض الصالح الحسين، “أساطير يومية”، عبّرت قصائدها عن أقصى ذلك الولع باليومي مصدرا للشعر. بخلاف ذلك وجدت في الميثولوجيا ما يمكن أن يشحن الرؤى والمواقف والأفكار والموضوعات المستلهمة من الوقائع والصور اليومية بطاقة محرضة تعين الشاعر على هدم الجدران الوهمية بين الأزمنة والأمكنة والموضوعات، وتسلّحه بشتى العناصر والغوايات التي تؤثث شعرية الشعر. وتستعيده من مخاطر التسطيح، لتطلقه في آفاق مفتوحة. فلا حدود لسفر المخيلة ولا ترسيمات تعيق جموح المغامرة، أو تأسر العلاقة بين الشاعر ولغته. وإذا ما تذكرنا أن ثيمات الأسطورة تسللت إلى كل ألوان الفنون، فأي انفتاح إذن للشعر على هذه الألوان، سوف تتيحه التناصات والاستدعاءات التي سيقوم بها الشاعر من خلال ذلك التفاعل الذي يتيحه نصه للشعر في العلاقة المفتوحة لهذا النص مع الملحمة والمسرح والرواية والتشكيل والسينما وغيرها من الفنون، وأي غنى بصري سوف يتدفق في صور الشعر، بينما الشاعر يغامر وراء تحولات الثيمات والكائنات والعناصر الميثولوجية التي اختزنتها الآثار الأدبية والفنية عبر العصور، إنْ في ثقافة الشاعر أو في الثقافات الأخرى التي قيّض له الاغتناء بها.


الشاعر والميثولوجيا


الأسطورة، كما استلهمها الشعراء التمّوزيون بمصادرها ومرجعياتها الأبرز: العراقية (سومرية وبابلية وآكادية)، والسورية (كنعانية وفينيقية+ الكتاب المقدس ومقتبساته) والمصرية القديمة وصولا إلى الصيغ الإغريقية، الذين تعاملوا مع أيقوناتها، أساسا، بوصفها أقنعة، وذلك بأثر مباشر من تجربة الشعر الأوروبي معها، واحتذاء بتلك التجارب اللامعة التي عرفناها مع شعراء رومانسيين ورمزيين من أمثال شلي وبايرون وصولا إلى توماس إليوت، ثم هايني وريلكه، وغيرهم ممن شكلت ثيمات الكتاب المقدس والثيمات الإغريقية، من إيكاروس وبروميثيوس وأورفيوس (ومتحف أبطال الإلياذة من أنصاف آلهة وبشر) إلى نوح وقايين وجامعة وأليعازر، هذه مجتمعة شكلت، كما هو معروف، مرجعيات مؤثرة في شعرهم.

إذا ما تذكرنا أن ثيمات الأسطورة تسللت إلى كل ألوان الفنون، فأي انفتاح إذن للشعر على هذه الألوان

بالمقابل نجد أن التمّوزيين العرب لم يضيفوا على التجربة الأوروبية زاوية نظر جديدة، ولا رؤية إلى التراثين الديني والأسطوري، يمكن وصفها بالانشقاقية، كتلك التي فاجأنا بها، مثلا، شاعر يوناني معاصر لهم هو يانيس ريتسوس، وهو شاعر يمكن، على نحو ما، اعتباره، جغرافيا، شاعرا شرقيا. ففي الوقت الذي استقرت فيه الثيمات الميثولوجة كأقنعة ورموز في شعر التمّوزيين العرب، من دون انزياحات تذكر عن سياقاتها، فالأبطال أبطال، والأوفياء أوفياء والخونة خونة، والمبجلون مبجلون، نقرأ ليانيس ريتسوس نصا شعريا قصيرا يكشف عن الألم الإنساني، وخيبة الأمل العميقة لدى بنلوبي الزوجة الوفية التي انتظرت زوجا ملكا غاب عنها لعشرين سنة في حرب طروادة، وفي تيه عبر البحار، ثم لما ظهر في باحة منزله شيخاً بشعر أشيب وظهر أصابها الانحناء، وقد وقف على أشلاء الأمراء المقتولين الذين خطبوا ود زوجته في غيابه، إذا بأنّة هائلة تصعِّدها القصيدة، التي اقتنصت بنلوبي على رأس السلم وهي تنظر إلى العشاق المذبوحين كمن ينظر إلى رغباته الذبيحة، ولتهتف، من ثم، أعماقها الحزينة، وهي تتفرس في هيئة الزوج العائد أوديسيوس: ألأجل هذه الجثة انتظرت عشرين عاما؟

هنا في هذه القصيدة ثمة ما لم تقله الأسطورة، ثمة الثمن الباهظ الذي يهزّ فكرة الوفاء الزوجي ببارقة شعرية تمثل لحظة كشف بارع عن المكبوت الإنساني، وهكذا، وبدءا من عنوانه ينزل نص “يأس بنلوبي” لريتسوس في رأس الشعر اليوناني، وفي دماغ هوميروس نفسه، كما تنزل الفأس في الرأس. هذا المثال الشعري اليوناني، المعاصر للتموزيين العرب، عمليا، يحمل إلينا جوابا مهما يتعلق بأسئلة الشعر الحديث، ويضيء على رؤية الشاعر الحديث، ونظرته إلى تراثه الأسطوري، وطريقة تعامله معه، وإلى علاقة الشعر بالأسطورة، وبالثيمات والأمثلة الميثولوجية.


الشعر والأسطورة


في نظري أن ليس ثمة ابتكار نجنيه ولا موقف معاصر يجدد حياة الشعر في اتكاء الشاعر الحديث على الأسطورة، ولا جدة أبداً في أن يبقى يستعمل الأيقونات القديمة كأقنعة للفن، كما فعل التموزيون، مثال ريتسوس، وهو مثال ملهم، يقترح علينا نظرة مختلفة للتراث، أكثر ثراء وإثارة معا، تحض الشاعر على تفجير كوامن الثيمات الأسطورية ومكوناتها، بما يستجيب لرؤى الشاعر الحديث وتطلعاته ومواقفه، على الشاعر أن يشقق القناع في نص يضيف إلى العالم، ولا يشكل عبئا، لا على اللغة ولا على التراث، ولا على الذائقة المعاصرة.

نحن نعرف أن “نشيد الأناشيد” الرعوي الشرقي لعب دوراً، استثنائيا، في تحريض المخيلة الشعرية العربية الحديثة. لكن هذا حدث من منظور الثقافة الغربية وصياغاتها وطرائق تذوقها لهذا النص والنصوص الكبرى الأخرى المؤسسة للشعريات والثقافات الغربية، وكذلك انطلاقا من استراتيجياتها الثقافية التي تميل إلى التسليم بالتوراة كأدب عبري، من دون، مثلا، تفكيك نص نشيد الإنشاد وتلمس الطريق إلى ما خالطه من نصوص هي أصوات وهويات سابقة عليه نجدها في الرعويات السورية، وهذا غير متاح ولا هو ممكن من دون قراءة مقارنة للنص من منظور يستدركه من خلال شبكة النصوص والمرجعيات ذات الأصل الشرقي. هذا ما تقوله التجارب الشعرية للتمّوزيين العرب على الأقل الذين سحروا وسحر معهم جبرا بكتاب “الغصن الذهبي” لجيمس فريزر.

في هذه القصيدة ثمة ما لم تقله الأسطورة، ثمة الثمن الباهظ الذي يهزّ فكرة الوفاء الزوجي ببارقة شعرية تمثل لحظة كشف بارع عن المكبوت الإنساني

وما دمنا نتحدث عن ثيمات الأسطورة ودرجات الفرق في النظر إليها والتعامل معها من قبل الشعراء العرب الحديثين في أواسط القرن العشرين، فلا بد أن نشير إلى أن ولادة رؤى وأفكار جديدة، ظلّ يحتاج، بالضرورة، إلى وقت تختمر معه التجارب وتُستخلص الأفكار، فثورة الشعر الحديث كانت ماتزال طرية العود، ولم تعرف من الخبرات والخلاصات الخاصة المستخرجة من نصوص الشعراء العرب ما سبق وقيض للثقافة الشعرية اليونانية التي عرفت تواصلا أبكر مع الثقافات الشعرية الأوروبية، وتفاعلا أسرع معها، لأسباب عدة بينها المشترك الكبير في التراث الفني والشعري، منذ عصر النهضة وحتى العصور الحديثة، وهو ما طور من علاقة الشعر اليوناني بالشعريات الأوروبية، وقد انعكس هذا كله، على قدرات الشعراء، وعلى طبيعة تقبل الذائقة الأوروبية للتجربة الشعرية الحديثة في اليونان، وهو ما نجد أثره في مصائر الشعراء اليونانيين الذين حصد جورجيوس سيفريس سنة 1963 باسمهم جائزة نوبل للآداب، وتبعه في نيلها أوديسيوس إيليتس الذي فاز بها سنة 1979، ورشح لها يانيس ريتسوس، لكن العمر لم يمهله لنيلها.


ملامسة المجهول

تخطيط ساي سرحان


عندما نتحدث عن الأسطورة أو الميثولوجيا بصفة عامة فنحن نتحدث، بداهة، عمّا هو فوق واقعي، شيء عجيب، يتفوق على الزمن وعلى اليومي، وهذا ما يجعله وثيق الصلة بمادة الشعر، أرضه وفضائه. لماذا نطلب من الشعر دائماً أن يكون كتابة مفهومة، أو كتابة تحلق في فضاء واطئ، وتدرج في المعروف، أو تتحقق في ما نأنس إليه بعيدا عن نِعَمِ الأسرار، لماذا لا نطلب من الشعر أن يؤرّقنا، أن يقلقنا، بجمال مروّع، ليس بغلظة، ولكن بفطنة، ينبهنا إلى غوامض فينا، وأسرار في الوجود، إلى عوالم غير مدركة. الأسطورة تضعنا على هذا التماس المباشر مع المجاهيل، تساعدنا وتحملنا على هذا الميل. بطبيعة الحال، الأسطورة كمادة أو كحكاية أو كواقعة متخيلة أو كعالم حلمي ليست بالنسبة إليّ شيئاً ناجزاً وليست مادة حجرية، أنا لا أذهب إلى المتحف لأعود من هناك بالأسطورة وأضعها في قصيدتي، أريد أن أقول إنني أعيش هذه الشذرات والحكايات التي تردم أزمنة بيني وبينها وتتحول إلى مادة متنفَّسة، أقرب إلى زمرة الدم، وانفعالات الوجدان.

ولكن هل هذا ممكن؟ أظن أن هذا عائد، ربما، إلى طبيعة التربية الجمالية المبكّرة التي تلقيتها، أعني إلى قراءاتي الأولى وإلى انصرافي وقتاً طويلاً في قراءة الأسطورة والشغف بها أينما وجدتها، في نص أو ملحمة على شاكلة الملاحم القديمة كالإلياذة والأوديسة والإنيادة أو جلجامش وملاحم الخلق والتكوين، أو الأساطير الفرعونية كما في كتاب الموتى، وحتى قصائد الحب الفرعونية المبكرة، كانت، بدورها، تصدر عن حكايات تشبه الأساطير أو حطام الأساطير، وكذلك الحكايات التي تحكيها جداتنا أو تترى إلينا متحدِّرة من الثقافة الشفوية، وبالعودة إلى النصوص الكبرى، هناك النص الديني فضاء للأسطورة شاسعا، فماء الأسطورة ظلّ يحيي المخيلة الإنسانية ويزودها بالطاقة المشعّة في الكلمات.
الحكايات التي تحكيها جداتنا أو تترى إلينا متحدِّرة من الثقافة الشفوية، وبالعودة إلى النصوص الكبرى، هناك النص الديني فضاء للأسطورة شاسعا

أنا لا أستطيع أن أتخيل شعراً بعيدا عن الأسطورة. لا أستطيع أن أتخيل القصيدة بلا هذه التخوم، لكأنّ الأسطورة هنا هي ما يلجم واقعية الواقع ويخفف من فظاظة المعاصرة، ومن قسوة الواقعي والحدثي بالمعنى المعاصر واليومي. إنها تهدم السقف وترفع فوق البشر سماء لا تحدّها حدود.


تمرّد تليماخوس


في قصيدتي “أحزان تليماخوس″ (هو ابن أوديسيوس وبينلوبي)، نحن بإزاء نموذج هاملتي للفتى المكلوم بجرح نرجسي، فوالده تركه في إيثاكا لعشرين عاما بجوار أمّ تغزل الشال في النهار وتنقض الغزل في الليل، لكي تحبط خطط الأمراء الطامعين بملك زوجها، وقد طالبوها باختيار زوج لها عوضا عن زوجها الملك الذي لم يعد من حرب طروادة. ها هم في القصيدة يطوفون بالفوانيس تحت نافذتها. وبينما يهمل هوميروس هذا الطفل الذي شبّ في غياب أبيه، وتحتل حكاية الزوجين مساحة الملحمة التي صمتت عن الابن، نجد أن البطل في القصيدة الحديثة هو تليماخوس نفسه، والصوت صوته، فهو البطل المصموت عنه، تليماخوس المعذب عذاباً هاملتيا ولكن بعيداً عن ضوء الأسطورة. ها هو يقول لأمّه في القصيدة بينما هي تطل من نافذتها على مشهد الأمراء الذين يطوفون تحت النافذة بالفوانيس: ” أمي، أما ترين أنها منفرجة قليلاً؟” هو يشكك في رغبات أمه. هذا شيء لا وجود له في الملحمة، إنه موقف جيل جديد، كلام العصر الحديث، وموقفه من العصور القديمة والتصورات القديمة. هنا التوظيف ينسف الأسطورة بمفهومها التقليدي، ويحيي فيها ماءً جديداً، بمعنى أن العين ترى من موقع الهامش، وقد أراد هذا الهامش أن يتحرك ليصبح متناً، أو على الأقل لكي يقترح نفسه متناً جديداً. هذا التجلي الجديد وصياغته الجمالية هو جزء أصيل من حركة التطور الشعري، ومن التطلعات الحديثة في الشعر العربي التي حملت “قصيدة النثر” لتغادر الهامش، وتحتل المتن. تليماخوس هنا صار له صوت وإرادة، وها هو ينسف المشهد القديم كله بقوله لأمه: “قومي معي إلى مدينة أخرى”، إنه يقوّض الأسطورة، تماماً، ليقبض بيده على قدره، وليتحول هو إلى حركة نحو المستقبل.

________________________


* أوراق مختارة من نص محاضرة حول “الشعر والأسطورة وشعرية المنفى” ألقي بدعوة من جامعة ليدز و”برنامج الكتاب العالميين في ليدز".

11