سمك مسكوف

نجاحات المطاعم والمطابخ متفاوتة، لأنها تعكس القدرة على تقديم ثقافات مختلفة لعالم منشغل في تفاصيل كثيرة وصغيرة.
الأربعاء 2019/11/27
العراقيون كانوا متحفظين في تقديم مطبخهم إلى العالم

تدخل المطعم العراقي في عاصمة أوروبية أو عاصمة خليجية فتجده مليئا بالعراقيين. تدخل المطعم اللبناني في نفس العواصم فتجده مليئا بغير اللبنانيين. تدخل المطعم التركي فتجده مليئا بعيّنة من الزبائن ممّن يحبون أكل اللحوم. تدخل المطعم الصيني فتجده مليئا بمدمني نكهة الصويا والمولعين بأكلات غير معتادة في المطبخ المتوسطي. تدخل المطعم الهندي فتطلق سباق تحمّل لقدرتك على تذوق الفلفل الحار الذي يحتل كل الوجبات.

لا أعرف أيّا من هذه المطاعم أنجح. الأكيد أن العراقيين كانوا متحفظين في تقديم مطبخهم إلى العالم. العرب الذين يرافقون العراقيين إلى مطاعمهم يصدمون بالنوعية المختلفة. اُطلب سمكة مسكوف نهرية من الحجم المتوسط وضعها أمام صديقك القادم من لبنان وانظر إلى الانطباعات على وجهه. يقول في نفسه “هؤلاء العراقيون خلقوا ليفترسوا”. لكنه ما إن يبدأ بالأكل، حتى يدرك أن السمك النهري حكاية ثانية عن سمك البحر المتوسط. اُطلب “تمن ويابسة” فستجد روح المغامرة متوثبة عنده في تجربة طبق يبدو بدائيا جدا من الرز ومرقة الفاصوليا البيضاء باللحم. حتى طبق الحمص بطحينة العراقي مختلف. يأتي غير مرسوم كما يقدم في المطعم اللبناني أو السوري. “البدائية” في التقديم، تخفي نكهات مختلفة تستحق، بالحد الأدنى، أن تتمّ تجربتها.

خذ المنطقة المشتركة بين المطبخ العراقي والمطبخ اللبناني: المشاوي. قطع اللحم في الطبق العراقي تأتيك مع قطع من شحم “لية” الخروف. الكفتة (أو الكباب كما يسميها العراقيون) مخلوطة ببعض الخبز المقرمش. والأهم طريقة التقديم، إذ تفتقد للتنظيم الذي تراه في الطبق اللبناني. صحن الخضروات المصاحب من فجل وجرجير وعشبة رشاد يشبه شعرا منكوشا. مرة أخرى تتغلب “البدائية” في النكهة والتقديم، لكنها تفقد الفرصة في الانتشار كما هو حال اللبناني الذي يقدّر أهمية طريقة العرض.

الأتراك يتخصّصون بالمشاوي. طريقة تقديم الأطباق في المطعم التركي بدائية أيضا. لكنهم يجتذبون الزبائن بفترينة اللحوم والدجاج والحمام قبل الشوي. تمر من جانب الفترينة فينطلق خيالك اللاحم وتبدأ عصافير البطن بالتغريد. البقية تتكفل بها منقلة الشوي وروائح الشحم واللحم.

المطبخ الشرق آسيوي حقق نجاحات كبيرة. تستطيع أن تضع رهانا بأن لا شارع في حي في أوروبا من دون مطعم صيني أو تايلندي أو ماليزي. وسواء أجلست في المطعم أم أخذت وجبتك في علب إلى البيت، فإن الفاتورة بسيطة. الكثير من زيت الصويا والكثير من الرز، وأنت وجموح خيالك في تقدير ما هي المكونات الأخرى. هو نجاح وانتشار الوجبة الرخيصة والمشبعة. يمكن بكل ثقة القول إن هناك ثقافة لمطبخ صيني اخترقت الغرب، ومؤخرا عالمنا العربي.

المطبخ الهندي حكاية. هو المنطقة الانتقالية بين الشرق البعيد والمطبخ المتوسطي. ثمة تشابه محسوس، خصوصا لو أعدت تعريف المطبخ الخليجي بأنه مزيج من المتوسطي والهندي. الوجبة تبدأ بالبهارات وتنويعاتها. ثقافة المطبخ الهندي ثقافة بهارات. اللحم والدجاج والرز مجرد تفاصيل. المطعم الهندي بدوره غزا العالم، هو وتنويعاته الباكستانية والنيبالية والبنغالية.

نجاحات المطاعم والمطابخ متفاوتة، لأنها تعكس القدرة على تقديم ثقافات مختلفة لعالم منشغل في تفاصيل كثيرة وصغيرة. لكن الأكل صناعة كبيرة وتستحق أن تطرق من أوسع أبوابها. من حق سمكة الكطان النهرية العراقية المسكوفة أن تنافس سمكة القاروص (السيباس) البحرية المشوية. مطعم سمك عراقي في كل حي في العالم؟ أعتقد أن الجوع أثّر على خيالي.

24