سموأل عشق البحرين عشق قيس لليلى

السبت 2014/02/08
صالح شهاب أبدع فكرة الترويج السياحي في الخليج

في العام 1940 وقع الاختيار على أربعة طلاب من الكويت لإرسالهم في بعثة تعليمية إلى البحرين للدراسة، وذلك بعد مراسلات ومفاوضات طويلة بين السير “تشارلز بلغريف” مستشار حكومة البحرين، والمعتمد السياسي البريطاني في البحرين “وايت مان”، والمعتمد السياسي البريطاني في الكويت “غالواي”.

كان محور المراسلات هو مصاريف الدراسة والإقامة والمعيشة، وشروط القبول والانتظام، وطريقة الانتقال من الكويت إلى البحرين، والتخصصات التي سينخرط فيها المبتعثون الأربعة وهم: شيخان أحمد الفارسي وأحمد محبوب العامر، وبدر أحمد الحداد، وصالح جاسم شهاب. وجميعهم انضموا إلى طالبين كويتيين آخرين كانا قد سبقاهم إلى البحرين للدراسة.


الظروف الصعبة والدراسة


من بين هؤلاء الطلبة كان صالح جاسم شهاب، الذي ضرب أروع الأمثلة في الوفاء والعرفان بالجميل للبلد الذي احتضنه كطالب علم في شبابه وللناس الذين امتزج بهم وتفاعل معهم وشاركهم الأفراح والأتراح وسنوات اليسر والعسر. كل هذا والرجل لم يعش في البحرين سوى سنتين، جاءها في نوفمبر 1940 وهو قد تجاوز الخامسة عشرة من عمره بقليل، وغادرها في يونيو 1942 على إثر حصوله على دبلوم الصناعة في تخصص البرادة.

وعلى الرغم مما عاناه أثناء هذه الفترة القصيرة من مشكلات دراسية ومادية بسبب سكن الطلاب الضيق، حيث كان يقيم 6 طلاب في غرفة واحدة، وضآلة المنحة المالية التي كان قدرها 6.5 روبية شهريا، والطعام الرديء المقدم في المدرسة والذي دفعه إلى البحث عن البديل في مطعم عباس العراقي ومطعم ملباري، فإن شهاب يعتبر تلك الفترة من أجمل سنوات عمره كما يصفها بنفسه في مذكراته الشخصية التي تحتوي على تفاصيل كثيرة عن أحوال الزمن الماضي ورجالاته وما واجهوه من مصاعب ومعاناة في سبيل نيل العلم النافع وصولا إلى مستويات معيشية أفضل.

عزا البعض هذا النجاح إلى جولات شهاب الكثيرة حول العالم وحرصه على الاستفادة من تجارب الأمم الأخرى لجهة تغيير ما يعتقد أنه غير قابل للتغيير


أبو البحرينيين


لم يتعلق شهاب بمدن وقرى البحرين، ولم يحفظ أسماء شوارعها ومعالمها، ولم يشارك أهلها في أنشطتهم الثقافية، ولم يعوّد لسانه على اللهجة البحرينية، ولم يقم العلاقات والصداقات الوطيدة مع خيرة أهلها وعوائلها ونخبها فحسب، وإنما، فوق ذلك كله، عشق البحرين عشقا لم يباره فيه أحد، وفي هذا السياق سـجّل عنه قوله “تعلقت بحب شيء اسمه البحرين، وجننت بها كما جنّ قيس بن الملوح بليلى العامرية”.

ومن صور وفائه للبحرين أنه كان دائم التردد عليها، ودائم التواصل مع من عرفهم من أهلها في أفراحهم وأحزانهم. كما كان صاحب أياد بيضاء ومبادرات دعم وتذليل للعقبات للبحرينيين المقيمين أو الدارسين في الكويت إلى درجة أن البعض أطلق عليه لقب سفير الكويت في البحرين وسفير البحرين في الكويت، فيما أطلق عليه آخرون لقب “أبو البحرينيين” بسبب تواصله مع طلبة البحرين في الكويت ورعايته لهم ومتابعة مشاكلهم.

وقد بادل البحرينيون شهاب الحب بالحب واعتبروه واحدا منهم وحرصوا على الاحتفاء به كلما زار بلادهم، بل أنشدوا الأشعار فيه.

من ذلك، الأبيات التي صاغها الشاعر الشيخ أحمد محمد آل خليفة وألقاها في حفل أقامته الأندية الوطنية على شرف شهاب في عام 1961:

أرى البحرين زاهرة المعاني

تــــزف لك التحايا والتهاني

ولا عجب إذا هرعت تحيـــي

قدومك في ركاب المهرجان

فأنت صديقها في الدهر دوما

وصفت على هواها بالتفاني

تقول أوال يوم هبطت هـــــذا

صديق في الزمان والمكــان

فأنا والكويت مدى الليالــــي

على رغم المدى متقـــاربان

وقد لا يعلم الكثيرون أن علاقة شهاب بالبحرين ورثها من أبيه المرحوم جاسم محمد شهاب الذي عانى مثلما عانى معظم الكويتيين في حقبة ما قبل النفط من شظف العيش وقسوة الحياة وأهوال البحر أثناء اشتغالهم في مهنة الغوص من أجل اللؤلؤ، وهو ما دفعه إلى ترك مهنة الغوص للعمل مع والده الذي كان من أوائل الجزارين في الكويت.


عميد السياحة


ولد صالح جاسم محمد شهاب في مدينة الكويت في العام 1924 وتوفي فيها في العام 1985. وبدأ تعليمه في العام 1930 في مدرسة أهلية هي مدرسة المرحوم عبدالله عبداللطيف العثمان وإخوانه.

بعد ذلك بسبع سنوات انتقل إلى المدرسة المباركية التي أمضى فيها ثلاث سنوات انتهت بإرساله إلى البحرين، ثم عاد إلى بلده في عام 1942 حاملا دبلوم الصناعة ومتقنا اللغة الإنكليزية.

عمل لمدة ستة أشهر كمترجم بين بعض المسؤولين في الشركة الأميركية لصناعة سفن خشبية من أجل تصديرها إلى إيران لنقل الدبابات والعتاد العسكري إلى الاتحاد السوفيتي في عام 1942، أي أثناء الحرب العالمية الثانية. بعدها التحق بسلك التدريس في معارف الكويت فتم تعيينه مدرسا للغة الإنكليزية في المدرسة الشرقية. وبحلول عام 1962، كان شهاب قد تنقل كمعلم للغة الإنكليزية والتربية البدنية والأناشيد المدرسية في مدارس كويتية عديدة مثل القبلية، المباركية، الصباح، العمرية، خالد بن الوليد واكتسب خبرة أهلته ليكون ناظرا لمدرسة الرشيد في منطقة الدسمة.

وما بين عامي 1964 و1965 شغل شهاب منصب الوكيل المساعد للثقافة والنشر والسياحة في وزارة الإعلام، ثم صدر في عام 1981 مرسوم أميري، بتوصية من أمير دولة الكويت الحالي الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، بترقيته إلى وكيل وزارة مساعد لشؤون السياحة، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى وفاته التي أحزنت الكثيرين لما كان يتحلى به من صدق ووفاء وأصالة وكرم.

والمعروف أن شهاب ارتبط اسمه في بلده بالسياحة، بل أطلق عليه لقب “عميد السياحة في الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي” كونه نجح في تغيير نظرة الناس إلى السياحة الداخلية، وأبدع في خلق ونشر فكرة الترويج السياحي في الكويت من خلال إقامة البرامج المتنوعة طوال موسم الصيف، الأمر الذي انتعشت معه حركة الأسواق والفنادق والمطاعم والمسارح ودور السينما والأندية والمراكب السياحية والمتاحف.

وقد عزا البعض هذا النجاح إلى جولات شهاب الكثيرة حول العالم وحرصه على الاستفادة من تجارب الأمم الأخرى لجهة تغيير ما يــُعتقد أنه غير قابل للتغيير.

ارتبط شهاب اسمه في بلده بالسياحة، بل أطلق عليه لقب عميد السياحة في الكويت ودول مجلس التعاون الخليجي


ذكريات من البحرين


عن ذكرياته في البحرين روى شهاب الكثير، ومما قاله ذكرياته التي دوّنها، منذ اللحظة التي وطأت فيها قدمه تراب البحرين، في كتابه “تاريخ التعليم الصناعي في مملكة البحرين”.

يقول شهاب: “توجهنا إلى البحرين على ظهر باخرة كان اسمها “بربيتا” أو”دواركا”.. لا أتذكر، وعندما غادرنا الكويت ظهرا قضينا تلك الليلة على فرش متواضعة على “سطحة” الباخرة وقد تكرم علينا بها الأخوة الكويتيون المسافرون بنفس الباخرة بعضهم إلى كراتشي والغالبية إلى بومبي”.

ويضيف: “ما إن بلغت الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي حتى باتت لنا معالم البحرين، تتضح شيئا فشيئاً بنخلاتها الباسقات ومينائها الذي يكتظ بسفن “القطاعة” الكويتية، واللنشات المحملة بالعديد من البضائع والمواد الغذائية التي وجدت البحرين أسواقا رائجة لها، ولم تكن هذه المعالم واضحة الرؤية لكون الباخرة راسية في البحر، وبعد ساعة من وصولنا شاهدتُ العديد من اللنشات تتجه صوبنا تتقدمها اللنشات الحكومية الخاصة بإجراءات الصحة والجوازات، واللنش الخاص بشركة “كري مكنزي” ولنشات الأجرة للركاب”.

ويواصل قائلا: “لمحنا من ضمن القادمين نحو الباخرة رجلا يرتدي الزي الأوروبي وعلى رأسه الحطة والعقال، فقال أحدنا يبدو أن هذا الرجل هو المبعوث القادم لاستقبالنا فتعالوا نسهل عليه المهمة ونقف صفا واحدا في مكان بارز وبعيد عن بقية الركاب. ولأننا كنا نتميز بأناقتنا وجمال هندامنا ونظافة ملبسنا والعقال الأسود الذي كنا نلبسه لأول مرة والسترة القصيرة التي جاءت منسجمة مع ثوب الصوف الجديد “الدشداشة”، إضافة إلى الساعة التي تزين معصمنا ولا يلبسها إلا كل ذي حظ عظيم، فقد سهلتْ هذه الصور على المبعوث أن يتعرف علينا ويبادرنا بعبارة “الحمد لله على السلامة” بمجرد صعوده إلى الباخرة، فعرّفناه على أسمائنا، وهو عرّفنا على نفسه ومركزه فإذا به "كمال قاسم المهزع" سكرتير مدير معارف البحرين الإنكليزي "أدريان فالانس"، وابن قاضي البحرين الأشهر "قاسم المهزع".

أما عن المكان الذي اختير لإقامتهم في البحرين فيروي قائلا: “قادنا المهزع إلى بناية مكونة من دورين في أحد الأسواق التجارية، وكان الدور الأول عبارة عن مجموعة من الدكاكين. أما الدور الثاني فكان يتكون من قسمين أحدهما يشغله “نادي المختلط الرياضي” وقد كان كمال المهزع سكرتيرا له، والقسم الآخر كان يحتوي على غرفتين شغل كل إثنين منا واحدة منهما. ونظرا إلى عدم وجود مطبخ مجهز لإعداد الطعام فقد تم الاتفاق بين معارف البحرين، وأحد المطاعم القريبة من البناية وهو مطعم “عباس العراقي” لإمدادنا بالطعام، وكان موقعه مقابل مطبعة “عبدالله الزايد”.

ومما يتذكره شهاب أنه في يوم 12 يناير 1957، أصدر حاكم البحرين الشيخ سلمان بن حمد بن آل خليفة، قرارا بإعادة تشكيل مجلس المعارف، وإسناد رئاسته إلى نجله الشيخ الأوسط خليفة بن سلمان آل خليفة ــ رئيس الوزراء الحالي ــ الذي كان قد أمضى خمسة أشهر في بريطانيا في عام 1956 من أجل الاطلاع على أساليب وبرامج التعليم الحديثة ونظام إدارة المدارس هناك، لذا فإن سموه بعد عودته من تلك الرحلة كان محملا بالكثير من الأفكار الخلاقة التي لعبت دورا فعالا في تطوير التعليم في البحرين.

وأكسبتْ سموه ثقة وتقدير الجميع وعلى رأسهم أعضاء مجلس المعارف وقتذاك وهم: صادق محمد البحارنة، محمد يوسف جلال، الشيخ خالد بن محمد آل خليفة، والحاج عبدالله بن خميس الشروقي. ولا يجد صالح شهاب حرجا في الحديث عن مستواه التعليمي المتدني أثناء دراسته في الكلية الصناعية بالبحرين فيقول “لقد حصلت على شهادة البرادة ولكنها بدرجة “مقبول”، لأني وجدت نفسي في هذه الكلية ربما أصلح لأي شيء عدا أن أدرس الميكانيكا والتكنولوجيا، فقد شعرتُ بحيرة وضائقة كيف أنني ورطت نفسي في دراسة شيء لا أرغبه ولا أحبه ولكن الذي دفعني إلى هذا المركب الصعب هو تعلقي بحب البحرين”.

ويضيف: “إن أكثر ما ضقت به ذرعا هو التمارين التي كانت تعطى لنا باستعمال “المبرد”، وخاصة ذلك التمرين المزعج الذي يطلق عليه “ذكر وأنثى” وهو عبارة عن قطعتين من الحديد في طول 10 سم لكل منهما تدخل الواحدة في الأخرى على أن تظلا ثابتتين وأن لا يرى النور بينهما”.

14