سموم المصطلحات الاقتصادية وأغراضها الخفية

الاثنين 2013/12/09

يجري في الكثير من مناحي حياتنا اليومية، الاقتصادية الاجتماعية، تبني الكثير من المصطلحات والعبارات والتسويق لها بدون تفهم عميق لمغزاها. فيتم التعامل مع مصطلحات وتسميات من زاوية واحدة ضيقة، رغم تأثيرها الكبير على حياة الناس، خصوصا اذا اقتنعوا أنها مسلمات لا تحتمل الشك.

وتعد حرب التوصيفات والتلاعب بالكلمات من اخطر الحروب. فترديد التسمية لفترة طويلة يفرض سلطتها ويجعل العقل مأسورا للمواصفات المتعلقة بها.

على سبيل المثال، يطيب للكثيرين أن يشيدوا بمزايا "العولمة" الكثيرة في جعلها العالم "قرية صغيرة"، اي أن الحياة باتت أكثر سهولة فالكل يتصل بالكل في أي وقت وأي زمان وأي مكان بدون عوائق أو حواجز.

قبول هذه الامر يحمل الكثير من المغالطات التي تحتاج لاعادة نظر من جديد. العولمة هي مفهوم يقصد به اكثر ما يقصد، فتح الأسواق أمام بضائع دول العالم الأول، أي أن غياب الحواجز يكون غالبا في اتجاه واحد. العوائق تختفي امام تحرك البضائع والأفكار والأشخاص المنتمين لجهة الشمال مقابل تكثيف الجدران أمام أهل الجنوب.

الهدف الأبعد "لقرية العولمة الصغيرة" هو تحويل البشر الى نسخ متشابهة من المستهلكين، يتكلمون لغات أهل الشمال ويتداولون بضائعهم ولباسهم ونقودهم. تأكل العولمة من هيبة بضائع الدول الافقر والأضعف، مما يجر ويلات ومصاعب على اقتصادها.

تتخذ رغبة النفوذ والسيطرة لدى الدول "المتقدمة" من العولمة غطاء لها، فكل من يحارب فتح أسواقه للبضائع الاجنبية يعتبر متخلفا وغير مواكب لروح العصر. بينما نجد من زاوية أخرى أن انخراط البلدان في هذا الانفتاح يجعلها اكثر هشاشة أمام ما يأتيها ويغزوها من الخارج.

هناك أمر لا يجوز اغفاله يتعلق بتقييم البلدان على أنها متخلفة أو متقدمة! بالطبع تتدخل الكثير من العوامل لتحديد هذا الامر. وأصبح من الشائع أن يكون من مواصفات الشعب المتخلف، أنه لا يستطيع شراء البضائع الفاخرة. هذا الاستنتاج طبعا سبقه تمهيد كبير من قبل الوسائل الاعلامية والتوصيفات الاقتصادية.

وأصبح الاقتصاد يصنف الناس تبعا لدخولهم الشهرية أو السنوية ومقارنتها بما يشترونه من بضائع غربية. لم يعد أحد يهتم بما إذا كان الناس قادرين على شراء حاجاتهم اليومية من الغذاء المحلي، طالما أنهم لا يقدرون على تحمل شراء بضائع فاخرة اغلبها مصدره من الدول الغربية.

ومن المسائل التي صارت تلازم تطور الحياة الاقتصادية، اطلاق مصطلحات تتناول سمعة الدول، دون اعتبار الى أن البلدان مثل الاشخاص يمكن تنخدش سمعتها. ويتم ذلك من قبل ما يدعى بوكالات التصنيف العالمية. ليس هناك من كابوس اسوأ من تخفيض التصنيف الاقتصادي لأي بلد. هذا الامر يعني تراجعا في الثقة وتزايدا في المخاوف وضغوطا مالية اقتصادية تجر وراءها أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية.

أي تغيير للتصنيف يعني باختصار اضعاف قدرة البلد التنافسية، بسبب الصعوبات التي ستواجهه في مجال الاستدانة من المصارف العالمية. أي أنه سيدفع فوائد اكبر على أية أموال يقترضها. وعندما تتحمل الدول هذه الاعباء الاضافية على ديونها سيكون ايضا امرا سلبيا على كل مناحي الحياة الاخرى من الشركات الى الافراد.

كل ذلك يستدعي وقفة تأمل قبل استخدام المصطلحات والتصنيفات التي تأتينا مغلفة بسمومها وأغراضها الخفية.


إعلامية في سي.أن.بي.سي عربية

11