سمية عسقلاني تصارع الحياة بصوت أنثوي حرّ

السبت 2015/02/14
نصوص عسقلاني تحمل بين تجليات صورها تأملات عميقة في تفاصيل الحياة زمن فوضاها

كما لو أنها لوحدها، تأتي الشاعرة المصرية سمية عسقلاني، في ديوانها “خارطة اللون.. قبعة السماء”، الصادر عن “دار الأدهم للنشر والتوزيع”، إلى منطقة الشعر قادمة من لحظة زمنية بعيدة جدا، يعود الشعر فيها إلى منابعه الأولى، حيث الصوت ولد عاريا حرا، لا تكبله القواعد، ليتجلى فيه الصوت الإنساني الأنثوي بكل حساسيته ورقته، في لحظة محسوسة بالنبض.

نصوص المجموعة جاءت مقسمة على ثمانية عناوين رئيسة: الزهرة، الشجرة، الجغرافيا، القصيدة، اللون، التاريخ، الحب، الزمن. وفي داخل كل عنوان رئيس هنالك عناوين فرعية تكتسب دلالاتها من تدرجات جنس العناوين الرئيسة. فعنوان الزهرة رقم 1 تتبعه صولو الريحان، قرنفلة الشتاء، سوناتا الياسمين، وهكذا.

لحظة مازالت -كما هي- على نداوتها قبل أن تكون مرئية، دون أن تكبلها أعباء وأحمال ثقيلة تكدّست على أصوات شعراء آخرين، وهذا ما تشير إليه عسقلاني في جملتها الأولى قبل أن ندخل عالمها “انتبهوا/ هنا عشبة لم تجف/ وشعاع يثقب غيمة”.

الشعر يعكس -عامة- تجربة الشاعر وذاتيته إزاء العالم الموضوعي، ويأتي النص محاولة من الشاعر لإيقاظ الوعي في ذات تجربته الشعورية، بعد أن كانت الذات قد خاضت إرهاصات تلك اللحظة. والشاعرة هنا، تمارس فعل الاكتشاف، لتعيد مرة أخرى اكتشاف الأشياء التي خَبَرتها، وفي نفس الوقت هي تعيش لحظة الإحساس بدهشة الحياة ساعة تتشكل بتفاصيل صغيرة تمرّ أمامها، فتستدعيها بذاكرتها الشعرية محيلة إيّاها إلى معان أخرى جديدة، وإن ليس هنالك من شبه بين الدلالات.

وبذلك هي تسعى إلى أن تفصح طاقة الشعر عن نفسها، بإعادة الروح إلى طاقته العضوية/ الفطرية، كما يسميها هربرت ريد في كتابه المعنون طبيعة الشعر “حين تتوافر للعمل الفني قوانينه الفطرية الخاصة به، وينبثق عن روحه الإبداعية الحقيقية ويدمج في كلّ واحد حيّ البنية والمحتوى، فالشكل الناتج مِن ثمّ يمكن أن يوصف بأنه عضوي”.

هذا المنحى الذي تتحرك فيه الشاعرة لا يتعارض مع الفعالية القصدية التي يتجوهر فيها عمل الشاعر طالما هو مدرك تماما أن كينونته الأسلوبية التي يتطلع بها ومن خلالها أن تكون خارج التصنيفات النقدية الجاهزة.

الشاعرة تمارس فعل اكتشاف الأشياء التي خبرتها، وفي نفس الوقت تعيش لحظة الإحساس بدهشة الحياة


تفاصيل الحياة


نصوص عسقلاني تحمل بين تجليات صورها، على ما تتسم به من سلاسة وتدفق وشفافية، تأملات عميقة في تفاصيل حياتية لم نعد قادرين ونحن في فوضى الحياة وأحزانها أن نحسن اكتشافها، لأننا قد أصبحنا فجأة حزانى على غير عهدنا، نسير بأجساد ميتة لا نبض فيها، لكثرة ما أتخمها الحزن فأحالها إلى سلّة مهملات تلقى فيها مشاعرنا كما تلقى السجائر في المنفضة، إلاّ أن عسقلاني تعيد صياغة الأشياء المستهلكة -فلسفيا- من جديد كما لو أنها ترنو أن تعيدها إلى دورتها الأولى.

الشاعرة عسقلاني تأتي جملها محمولة عبر صور حسية كثيفة في دلالاتها، وفي مجمل بنيتها الشعرية تعكس في سياقها العام صوتا أنثويا خاصا بها، لن نجد بين مفرداته صدى لأصوات أخرى قد تأتي متسللة إليه من نفس المكان الذي تقف فيه الشاعرة داخل مشهد شعري عربي، عادة ما تفصح معظم أصواته عن مشتركات عضوية لا يستطيع الشاعر العربي الفكاك منها، طالما كان مفهوم الشعر لديه بما هو شائع ومتداول -أفقيا وعموديا- مرهونا بما هو سياسي/ اجتماعي.

هذا الفهم الفني للتجربة لا يقتصر على الشعر الذي يكتب وفق المنظومة الكلاسيكية فقط، بل يتجاوزه إلى بقية الأشكال والتجارب الشعرية التي ابتعدت في بنيتها الفنية عن منظومة البناء الكلاسيكي، مثل قصيدة التفعيلة، أو قصيدة النثر، إلى غير ذلك من الأشكال، فتجدها هي الأخرى لا تستطيع إلا أن تحرّك مفرداتها داخل مناخات ما هو سياسي/ اجتماعي.

المفردة تحمل صفاءها وبراءتها

وكأن الشاعر بهذا الفَهم يعكس ازدواجيته، ذلك لأنه ظاهريا ونظريا يدّعي التمرد والتجاوز في رؤيته الفنية عن كل ما له صلة بالموروث، لكنه في نفس الوقت لا يستطيع، أو بالأصح يخشى أن يعبّر عن هذا التمرّد فنيا، أو الخلاص مما هو سياسي/ اجتماعي في معظم ما يكتبه من مفردات شعرية، وصولا إلى التعبير عن ذاته الإنسانية الخالصة، وعن فردانيته الإنسانية، إحساسا، وانطباعا، وصورا، ومفردات، وبذلك يبقى مناخه الشعري الذي يحلق فيه، هو نفس المناخ الذي ينتجه الشاعر الكلاسيكي، ويبقى الفرق قائما في إطار شكلاني فقط.

وقلّة هم أولئك الشعراء الذين يتصالحون مع ذواتهم الإنسانية -كما هي عسقلاني- دون أن يعيروا أهمية فيما لو نزعت عنهم صفة الشرعية الفنية التي تعني أن: يتطابق النص -شكلا ومحتوى- مع المشتركات العضوية التي تحدّد ملامح البيئة الاجتماعية/ الثقافية في المنطقة العربية توافقا وتصالحا وانسجاما.


تجليات الصورة


من هنا يأتي سرّ جمالية الصورة الشعرية لدى عسقلاني، في انسلاخها عن المشترك مع ما هو مكتوب قبلها، وما يجاورها، في ذات اللحظة الزمكانية التي يصدح فيه صوتها .

يبدو التلاقح الواعي مع طبيعة الشعر الأجنبي خارج المنطقة العربية -خاصة الشعر الأوروبي- واضح جدا في العالم الشعري الذي تتحرك فيه عسقلاني، فالمفردة لديها تحمل صفاءها وبراءتها، وكأنها مفردة تدخل إلى هذا العالم المتشنج -بما يبعثه من صخب- باستحياء أنثوي جميل، يعكس فطرتها ونقاوتها ونأيها عن كل ما يحيط بها من أصوات، وكأن الكلمات لديها تستَعمل لأول مرّة، ولم يقترب منها أحد قبلها، مع أنها قد انتهكت، لكثرة ما استعملت في ما هو شائع من أشعار، إلاّ أنَ عسقلاني تراها من زاوية غير مألوفة، لم تطرقها خطوات قبلها، مع أنها مألوفة في نفس الوقت.

16