سميح القاسم بين إنصاف النقاد وغضب الشعوب

الأحد 2014/08/24
سميح القاسم أحد ينابيع المقاومة الحيّ منها والذي جف منذ زمن

انكسر ضلع من أضلاع ما عرف في الذاكرة العربية الحديثة بـ”أدب المقاومة” برحيل الشاعر الفلسطيني الكبير سميح القاسم، الذي كان قد بدأ حياته مع رفاقه في حركة “ركح” الإسرائيلية ثم الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي ضمّه مع محمود درويش أيام صبا الاثنين خلف الحدود التي رسمتها إسرائيل لتفصلها عن الفضاء العربي.

لم يكن سميح القاسم مثل شعراء العواصم العربية المتناثرين في مختبرات التجريب الإبداعي لقصائدهم، بل هو لم يترك لقصيدته المجال لتعيش خارج القالب الذي صبّه مع صحبه في الماضي، لتبقى تتحرك في مكانها، متأثرة بالحدث والمشاعر، أكثر من تأثرها بحركة تطور القصيدة، على النقيض من درويش الذي ذهب بعيداً في الشغل على نصّه، وعلى عوالمه، وحين يقال عن سميح القاسم إنه شاعر الخطابة فلا يجانب هذا الحق والدقة، ولكن الخطابة التي نعتت بها قصيدة القاسم، وحدها كفيلة بأن تهوي بنصه إلى مصاف شعراء خطابيين آخرين لم يخوضوا ويعايشوا تجربة الشعر المقاوم.


مقاومتان


من سوء حظ سميح القاسم أنه كان قريناً لشاعر أنيق حتى في مقاومته ونضاله، محمود درويش الذي لم يكن ليقبل بأقلّ من المواقف الحادة ضد كل ما يمكن أن يخدش نبل رسالته، فكانت له مقاومته، ولسميح القاسم مقاومة أخرى، قد يكون اختارها بنفسه ليختلف بها عن صاحبه وصديق عمره درويش، فلم يتردد كثيرون في رجم القاسم، بعد أن صمتوا دهراً بانتظار مواقفه الجديدة مما يحصل من حوله في العالم العربي، فالأمة التي غنّى لها القاسم، تنتفض لتولد من جديد، بمخاض صعب شهد الكثير من المجازر والدماء والاغتصابات والقصف والتدمير، ولم تنته أوراق ذلك السفر الطويل بعد، ولكن القاسم آثر أن يطبق فمه عن الكلام المباح بحق الاستبداد وشخوصه، سيما أولئك الذين توسّم فيهم خيراً بطريقة أو بأخرى ذات مجزرة في السبعينات، حين وقعت خمس وخمسون ألف قذيفة فوق مخيم حاصره حافظ الأسد وحلفاؤه من الموارنة المتطرفين، كان اسمه “تل الزعتر” أزهقت فيه أرواح أكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني ولبناني لائذ بين الفلسطينيين، قبل أن تسوّي الجرافات البيوت الفقيرة بالأرض وتمحو آثارها من الوجود خالطة العظام واللحم بالتراب اللبناني.

لم يعرف الدروز في سوريا ولبنان والأردن، مواقف مثل موقف سميح القاسم الدرزي، صحيح أن وليد جنبلاط سارع إلى الذهاب إلى دمشق بعد أربعين يوماً على اغتيال والده الشهيد الكبير المعلّم كمال جنبلاط،

رغم معرفته بأن الأمر قد صدر عن حافظ الأسد شخصياً بالتخلص من القائد المدني لثورة لبنان والشام وقتها، ذهب جنبلاط إلى دمشق ليحفظ الطائفة ويمنع انزلاقه في الدماء والمجازر الثأرية، وليحفظ لبنان بحليف عربي في شطرنج معقّد للغاية، ولكن ذهاب سميح القاسم إلى دمشق لم يكن له أي مبرر، ذهب ليمنح للسفاح شرعية جريمته بحق الثورة المدنية الفلسطينية، ذات الوجه الناصع وقتها، وكان لذهابه طعم الطعنة الباردة في خاصرة درويش الذي غنى نشيداً طويلاً لتل الزعتر، وقال: “وأعدّ أضلاعي فيهرب من يدي بردى، وتتركني ضفاف النيل مبتعدا، وأبحث عن حدود أصابعي فأرى العواصم كلها زبدا”.

وفي حين رأى محمود درويش أن العواصم العربية كلها زبد، فارغ كاذب مزور، كان سميح القاسم قد قرّر المضي في الاتجاه المعاكس، ليصافح الطغاة ويغفر لهم.

تولى سميح القاسم رئاسة تحرير مجلة "هاعولام هازيه" اليسارية التي أصدرها في تل أبيب في العام 1966 المعارض الإسرائيلي المعروف يوري أفنيري، فكان شاهدا ومغنيا وحكواتيا


قائد للتمرد الدرزي الفلسطيني


وكان سميح محمد قاسم حسين أبو محمد آل حسين (القاسم) قد ولد في 11 مايو ـ أيار من العام 1939 في الزرقاء الأردنية ودرس وعاش في الرامة شمال فلسطين ثم في الناصرة، ورفض الانخراط في التجنيد العسكري الإجباري الذي فرضته إسرائيل على دروز فلسطين، فكان أول شاب درزي يرفض الالتحاق بالجيش الإسرائيلي ومثّل نموذجاً تبعه كثيرون من أبناء طائفته، وخاض نضاله السياسي ضد الاحتلال، وتم اعتقاله أكثر من مرة، وطرد من وظيفته لأسباب سياسية وتعرّض للتهديد بالتصفية.

ولا يرى القاسم فارقاً في أن يولد في فلسطين أو في غيرها: “أنا ابن هذه الأمة العربية من مضيق جبل طارق إلى مضيق عمان، تتوزع جذوري بين جزيرة العرب حيث قدم جدي ليقاتل مع صلاح الدين الأيوبي ليستقر على سفح جبل حيدر، إلى سوريا ولبنان والأردن حيث يتوزع أقاربي”.

والده كان ضابطاً أردنياً في قوات حرس الحدود، وحين ولد عاد به والداه بالقطار من الأردن إلى فلسطين، أخذ يبكي فخاف الركّاب أن يسمع الطيارون الألمان بكاءه فيقصفوا القطار، فأراد بعض الرعاع أن يخنقوه، فدافع عنه والده بمسدسه، وفي سن التاسعة اندلعت حرب العام 1948، وأعلنت إسرائيل وجودها وأصيب العرب بالنكبة، كما سمّوها، فقصفت بلدته الرامة بالطائرات، فهرب مع أهله إلى الجبال، وبقوا أياماً متوارين في العراء، لتبدأ رحلته مع صراع الهوية ليعمل معلماً في المدارس وصحفياً في جريدة الاتحاد وعاملاً في المنطقة الصناعية في حيفا، ثم مفتشاً في دائرة التنظيم المدني في الناصرة، ثم استقال احتجاجاً على مصادرة الأراضي العربية، تقلّب كثيراً عبر سنوات عمره التي امتدت حتى منتصف العقد الثامن، وكان يرى كلّ مرة المشهد ذاته، لحظة النكبة، فكرّس ذلك في شعره، وفي إحدى قصائده التي كتبها عن طفولة العام 1948 قال سميح القاسم:


“كوَمٌ من السمك المقدّد في الأزقة، في الزوايا

تلهو بما ترك التتار الإنكليز من البقايا

أُنبوبةٌ.. وحطام طائرةٍ.. وناقلةٌ هشيمه

ومدافع محروقة.. وثياب جنديٍّ قديمه

وقنابل مشلولة.. وقنابل صارت شظايا”.


فكان التصوير عند سميح القاسم، أبلغ من طاقة الكلمات، ولكنه كان يرسم صوراً عما حدث في تلك السنوات العاتية.

ولد سميح القاسم في الزرقاء الأردنية ودرس وعاش في الرامة شمال فلسطين ثم في الناصرة، ورفض الانخراط في التجنيد العسكري الإجباري الذي فرضته إسرائيل على دروز فلسطين، فكان أول شاب درزي يرفض الالتحاق بالجيش الإسرائيلي ومثّل نموذجا تبعه كثيرون من أبناء طائفته


على قناة الميادين


قبل أربعة أشهر من وفاته، ظهر سميح القاسم (أبو وطن) على قناة الميادين التي تتبع لإيران وحزب الله من الناصرة، قال سميح القاسم بصراحة ما كنت لأقدم على الكتابة، لو لم يكن لديّ إحساس بأنني سأقدّم إضافة على الشعرية العربية، الشاعر يبدع فحسب، ولا تصدقوا أن هناك من يخطط لكل قصيدة أو لكل كلمة يكتبها”.

تحدث بغطرسة عن أنه قرّر منذ طفولته أن يضع المتنبي جانباً ويتحدّاه، أما عن محمود درويش والخلاف معه فقال القاسم: “أنا ومحمود درويش ظاهرة وثنائية لم نصنعها نحن، بل صنعها الآخرون، لدرجة أن الناس كانت تخلط بيننا، كنا شقيقين ورفيقين وصديقين، ولم نكن دائماً على توافق في الآراء، وأعتقد أن التناقض بين شخصيتي وشخصية محمود هو ما أوجد هذه الثنائية الغريبة، كنا نختلف في السياسة والشعر والحياة، أرجو ألاّ يحاول البعض في محاولة تشويه تلك الظاهرة”.

هرب سميح القاسم إلى لبنان، ويقول: “أنا لم أهرب إلى لبنان، حاولت ثم عدت بضغط من الأهل والأصدقاء، هناك نظرية تقول إن الخروج إلى العواصم العربية يساعد في تحديث القصيدة، وهذا موقف سخيف، لأن حيفا لا تقلّ حداثة عن أي مدينة عربية”.

قال سميح القاسم إن “القصيدة عندي أهم من الوطن، ولم أفهم على نحو صحيح، قلت إن الشاعر يجب أن يكرّس كالراهب، ويجب أن يكون أهم شيء في حياة الشاعر هو قصيدته، أن تكون القصيدة أهم من الوطن في عملية الإبداع والخلق، ولا يجوز للشاعر أن يفكّر في شيء غير الشعر”.

قال سميح القاسم في قصيدته جيل المأساة:


“هنا.. حفرت كهفها الفاجعهْ

هنا.. في قرارتنا الجائعهْ

هنا.. في محاجرنا الدامعهْ

هنا.. في معالمنا الدارساتِ

وأشلاء رايتنا الضائعهْ

نَبوخَذُ نصّرُ و الفاتحون”.

قبل أربعة أشهر من وفاته، ظهر سميح القاسم على قناة الميادين التي تتبع لإيران وحزب الله من الناصرة، ليقول بغطرسة: "بصراحة ما كنت لأقدم على الكتابة، لو لم يكن لدي إحساس بأنني سأقدم إضافة على الشعرية العربية"



الانتماء


يقول سميح القاسم: “نحن ننتمي إلى الحضارة العربية والإسلامية الرائعة” متحدثاً عن عرب العام 1948 رافضاً أن يزايد عليه أحدٌ في العروبة والإسلام، مؤكداً أن بقاء مئة وخمسين ألف فلسطيني على أرضهم ومقاومتهم للترحيل كان أقوى من جيوش الدول العربية مجتمعة، صاروا اليوم مليوناً ونصف المليون، تعتبرهم إسرائيل همّها الأول والقنبلة الديموغرافية السرطانية في جسد الدولة العبرية، رغم أن القاسم تولى رئاسة تحرير مجلة “هاعولام هازيه” اليسارية التي أصدرها في تل أبيب في العام 1966 المعارض الإسرائيلي المعروف يوري أفنيري، كان سميح القاسم إلى ذلك كلّه شاهداً ومغنياً وحكواتياً، ربما لم يحتمل ظهره ثقل القضية كما فعل درويش حين وزّع قضيته ذاتها على أنحاء الأرض لتصبح قضية عالمية إنسانية، كان حكواتياً صادقاً في صوابه وخطله:


” أحكي للعالم أحكي له

عن بيت كسروا قنديله

عن فأس قتلت زنبقة

وحريق أوْدى بجديلة

أحكي عن شاة لم تحلب

عن عجنة أمّ ما خبزت

عن سقف طينيّ أعشب

أحكي للعالم أحكي له

يا بنت الجار المنسية

الدمية عندي محمية

الدمية عندي فتعالي

في باص الريح الشرقية

حنا لا أذكر قسماتك

لكني أشقى كي أذكر

في قلبي خفقة خطواتك

عصفور يدرج أو ينقر

كنّا ما أجمل ما كنا

يا بنت الجار و يا حنا”.



لا يختصر بقصيدة


هل يمكن اختصار الشاعر بقصيدة؟ ربّما يمكن للناقد أن يميّز بين الإنسان والنص، فيرمي جانباً مساراً شخصياً لا ينسجم مع مبادئ العدالة التي أعلنها شاعر مثل سميح القاسم، ليتجه إلى نصّه وحده فينكبّ عليه باحثاً دارساً، ولكن المشكلة تكون أكبر إن كان ذلك المسار المناقض قد أنتج قصائد مناقضة أيضاً، لا يمكن حينها لمن يقرأ شعر القاسم أن يغمض عينيه عنها، ويطمسها من سيرته، وهو لم يتخلّ عنها يوماً.

كتب سميح القاسم مرثية لحافظ الأسد، وكانت أبياتها خالية من صنعة الثورة، لابسة رداء شاعر البلاط، قال له الأسد في لقائه معه: “رغم الغمامة التي شابت علاقتك معنا، إلا أننا لم نتوقف عن تدريس شعرك في المناهج المدرسية في سوريا”، ووصف سميح القاسم حافظ الأسد بأسد العروبة، وألقى أمسية شعرية في ما يسمى بمكتبة “الأسد” في دمشق، ثم زار سوريا للقاء بشار الأسد في يوم 19 نوفمبرـ تشرين الثاني من العام 2000.

حصل سميح القاسم على جوائز ودروع كثيرة فنال جائزة “غار الشعر” من إسبانيا، و جائزتين من فرنسا عن مختاراته التي ترجمها إلى الفرنسية الشاعر والكاتب المغربي عبداللطيف اللعبي، وحصل على جائزة البابطين، وحصل مرّتين على “وسام القدس للثقافة” من الرئيس ياسر عرفات، وحصل على جائزة نجيب محفوظ من مصر وجائزة “الشعر” الفلسطينية.

مات سميح القاسم، طاوياً عهد مقاومة اختار لها هو أن تكون هكذا، بهذا الشكل وهذا الحجم، شابها ما شاب المقاومة العسكرية العربية على أكثر من جبهة، لكن تراثه الشعري (الصنعة واللغة والصور) سيبقى حاضراً لا تطويه سلطة الشاعر على ذاته وحياته ومواقفه، ظلّ يمشي كما قال عن نفسه أو كما حلم لها وبها أو توهّمها: “منتصب القامة أمشي.. مرفوع الهامة أمشي.. في كفي قصفة زيتون.. وعلى كتفي نعشي وأنا أمشي وأنا أمشي”.

10