سميح القاسم جملة إخبارية في شريط دموي

الجمعة 2014/09/12
سميح القاسم شاعر هزم المرض ولم يتركه يتسرب إلى إرادة الحياة

القناة العربية الوحيدة التي تبث في هذا الصقع البعيد، المتاخم لذهول البوذا لحظة الاكتشاف الأليم، الذي صادف أنني موجود فيه. ووسط زحمة الأخبار والمجازر المذاعة في أشرطة القناة الخاصة بالعرب دون غيرهم من الأمم ليس لغة فحسب وإنما مضمون ودلالة، حتى تلك المنعوتة بالتخلف، التي على ما يبدو تخففت من ثقل هكذا مذابح وشرور وأنظمة وأحزاب أوغلت في الجرائم والاستباحات حتى صارت هي علة كينونتها ووجودها، بغيرها تتحطم وتتلاشى في مزابل التاريخ.

وسط زحمة هذه الأخبار الدموية التي تتلفع بمناخات الفنتازيا واللامعقول، واستباحة “غزة” كاستمرار لاستباحات متكررة، تمرّر القناة العتيدة خبر “وفاة الشاعر الكبير سميح القاسم”.

هكذا، ينتهي شريط حياة الشاعر الصاخب المرح المقاوم وقبله كان كما هو معروف رحيل صديقه محمود درويش. الاثنان ارتبطا بأكثر من رباط مشترك واقترنا به، وإن اختلفا في التعبير الشعري، عمقه وطرائقه. وحملا قدر التراجيديا الفلسطينية العاتي مثل سفينة لا تكاد تبحر على حال إلا وتأخذها العواصف والأعاصير في دوامتها العنيفة الجارفة من جديد.


رسائل متبادلة


أتذكر فترة وجودي في باريس تلك الرسائل المتبادلة بين الشاعرين الفلسطينيين على صفحات مجلة “اليوم السابع”، درويش الذي كان يقيم في العاصمة الفرنسية بعد تصدّع إقامات وشتات أماكن، والقاسم الذي كان في أرض ولادته بالجليل الأعلى. تلك الرسائل والصفحات التي شكلت أجمل ما كتب الشاعران من نثر ومن أجمل ما كتَب الشعراء العرب في السياق الخارج، على حصر المدونة الشعرية وتصنيفها، وعلى هوامشها وفيوضها التي تذهب أحيانا إلى مناطق أعمق وأبهى من المدونة نفسها.

أتذكر سميح القاسم بوجهه البشوش الضاحك دائما على نحو من حزن خبيء يشرق في الضحك والدعابة ويدفع بهما إلى الاسترسال والمواصلة، من الضاحية الباريسية حيث ترجم له الصديق المشترك عبداللطيف اللعبي أول كتاب له بالفرنسية، وأقيم احتفال في تلك الضاحية التي لم أعد أتذكر اسمها، هل هي “كرتي” حيث يسكن اللعبي منذ خروجه من المغرب أم غيرها؟

حتى جلسات الحي اللاتيني حيث يُرجئ سميح المقابلات الصحفية حين يطلب منه أصحاب المهنة ذلك، لكنه في الجلسة نفسها يتحدث بما يفيض على مقابلة صحفية، ويشير عبداللطيف اللعبي إلى الصحفيين أن يسجلوا، حيث يظفرون بما هو مطلوب وأكثر.

أخذته التراجيديا الفلسطينية كسفينة في الأعاصير


مرارة وحزن


أتذكر سميح القاسم ووجهه مشرق أكثر هذه المرة بمرارة وحزن لا يستطيع إخفاءهما خلف قناع المرح والسخرية، حين زار سلطنة عُمان بدعوة خاصة من وزارة الثقافة والتراث القومي وكنت معه في معظم أوقات إقامته في العاصمة العُمانية حيث طقس الشتاء يجمل اللقاءات والمناسبات.

كان يدخن بوتيرة كثيفة، ملامحه لم تتغير كثيرا، هناك بريق من دونجوانية يعبرها ثقل الزمن تاركة مطارحها للتأمل في ما مضى وانصرم من أماكن ووجوه وأصدقاء ونساء كثيرات موزعات في بقاع كثيرة من العالم. لكن في جلِ حديثه كان مأخوذا بأمّ محمد وأولاده وعائلته، بفلسطين والأصدقاء الذين غيّبهم الموت، بمحمود درويش الذي عرفت منه أنه يكبره سنا، لكنه رحل قبله.


تحدي المرض


لم يقل إنه يشكو من مرض ما، عدا التفاصيل التي تداهم الإنسان وهو في السبعينات من العمر، وقد عاش على نحو كثيف وحافل. لاحظت أنه يزهد في السهر ويخلد إلى النوم باكرا.. التدخين هو العلامة الأكثر ألقا وحضورا، التدخين والشعر والذاكرة المتشظية في الأنحاء والفضاءات، المدن الثاوية في النوم وتلك التي تنقضّ كالوحوش المحتدمة بمخلوقاتها وجراحها في مخيّلة الشاعر.

في تلك الفترة أهداني ديوانه الأخير “كولاج” قال لي حاول أن تقرأه وحين قرأته وجدته مفارقا لسياقه الشعري النضالي المعهود، وإن لم يفارقه هاجسا ومنطلقا. كان ثمة تجريب وهذيان مفتوح على آفاق التعبير لم يعهده قارئه من قبل.

أتذكر سميح القاسم بوجهه البشوش الضاحك دائما

مرة، قبل عودته من مسقط، سألته عن كيفية إرسال كتاب بالبريد أو رسالة وعلى أيّ عنوان؟ قال لي وكنت أظن أنه يمزح: اكتب سميح القاسم، الجليل الأعلى، “الرامة”. وحين غادرنا إلى فلسطين بالفعل أرسلت له طردا بعد فترة ليست بالطويلة هاتفني بأن الرسالة وصلت، ولم يذكر شيئا عن مرضه، حتى سمعت لاحقا بأيام بسيطة بأن المرض القاسي قد أصابه، وعلى ما يبدو أنه اكتشف على نحو مباغت. اتصلت به قال: “صحيح، لكنه تحت السيطرة، وسأهزمه لن أتركه ينفذ إلى إرادة الحياة، ثمة بضع كلمات أريد قولها للحياة والتاريخ قبل أن أغادر”. لن يتركه يتسرب إلى تلك الإرادة التي خبرت من المواقف والسنين والغيابات الشيء الكثير.

رحل محمود درويش ورحل سميح القاسم ورحل الكثيرون، والكثيرون، وبقيت الكلمات تردّدها الأرض الفلسطينية والعربية المحتلة من أكثر من عدوّ وأكثر من صهيوني معاد للحياة وللإنسان.

جملة قصيرة في شريط الأخبار الدموي الطويل، تفصح عن موت الشاعر، جملة تسقط مما تبقى من جمال العالم، ورقة من شجرة الحياة الآخذة في الهرم والذبول.

14