سميح ساويرس ملياردير مصري يستثمر في السياحة الأوروبية

خبرة ساويرس في مجال السياحة تمكنه من رؤية الأحداث بصورة متبصرة، فهو يمتلك قرية الجونة السياحية على شاطئ البحر الأحمر في مصر وحولها إلى قبلة لمشاهير العالم.
الثلاثاء 2020/04/28
سميح ساويرس.. صاحب المفاجآت السارّة

رغم عضويته في نادي المليارديرات عالميا، إلا أن ”لعنة“ شقيقه الأكبر تطارده أحيانا، وإن بصورة إيجابية، حيث يعطي تزاوج البزنس مع السياسة للمليارديرات بريقا، وسميح ساويرس الملياردير المصري يرى أنه شخص مستقل، وقادر على تحقيق نجاحات لافتة تتجاوز الحدود المحلية.

مع أن شقيقه نجيب، الملياردير أيضا، تحت المجهر الاقتصادي والسياسي والاجتماعي على الدوام، إلا أن ذلك لم ينل من همة أسرة ساويرس، فكل فرد فيها له قصة نجاح مستقلة، في إطار يضيف لها الكثير من اللمعان، حيث يندرج أفرادها ضمن قائمة الأثرياء العرب، وفق التصنيف الشهير لمجلة فوربس الأميركية. فمنذ دخول العائلة نادي المليارديرات مع بداية الألفية الثالثة والأضواء تسلّط على الابن الأكبر في الأسرة، وتضم بالترتيب نجيب وسميح وناصف أنسي ساويرس. ربما يرجع ذلك إلى أن نجيب صاحب أول شركة للتليفون المحمول في مصر والتي انطلقت عام 1998 تحت اسم "موبينيل" وكان شعارها "المحمول في يد الجميع"، ما أحدث ثورة غير مسبوقة في المجتمع وقطاع الاتصالات المحلي وجعل شهرته تطغى على باقي أفراد الأسرة.

تواصلت شهرة نجيب وازداد الجدل حوله مع دخوله عالم السياسة بعد ثورة الـ25 من يناير 2011 في مصر ونجاحه في تأسيس حزب "المصريين الأحرار"، مع أنه ظل بعيدا عن العمل السياسي خلال فترة حكم الرئيس الأسبق حسنى مبارك، وكان يمنح أولوية لعمله الاستثماري، والذي تطلب علاقات سياسية متوازنة، صمم سميح ألا يقترب منها قبل ثورة يناير أو بعدها.

حرص سميح على العمل في هدوء، وامتلك شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والفنية، ولم يقترب من السياسة خوفا من أن تحرقه، كما كادت تحرق شقيقه نجيب، عندما اقترب منها بكثافة، وتصوّر أنها هواية يمكن أن تمنحه المزيد من التمدد. يملك منطقا مختلفا في العمل، يميل إلى ممارسة الحرية دون أن يضع لنفسه قيودا، لذلك اختار أن يعمل ما يحبه، وهو ما مكنه من تحقيق نجاحات سريعة، فالرجل أصبح يعرف بأنه "صاحب المفاجآت السارة"، ويخلق من كل محنة منحة.

ويرجع تناغم الأسرة “الساويرسية” إلى فلسفة الأب الذي راهن في بناء أسرته على التعليم، وأرسل نجيب للتعلّم في سويسر وسميح إلى ألمانيا، وناصف إلى الولايات المتحدة، ويقول أنسي ساويرس "نجيب وسميح وناصف فرسان ثلاثة يقومون بأدوار رائعة في خدمة بلدنا، وأراهم أفضل استثمار حققته في حياتي".

لذلك لا يرى سميح أن شقيقه نجيب يمثل له عقدة في حياته، بل يمثل حافزا جعله يسعى وراء النجاح بمفرده، ويرفض ضمنيا أن يكون ظلا فقط لأحد مهما كانت مكانته عنده، وهو ما جعل الكثير من المراقبين يرون أن سميح رفع مبكرا شعار "لن أعيش في جلباب أبي أو أخي"، وهذا من أهم مقومات نجاح آل ساويرس.

إمبراطورية سياحية

تناغم الأسرة "الساويرسية" يرجع إلى فلسفة أنسي ساويرس الأب الذي راهن في بناء عائلته على التعليم، فأرسل نجيب للدراسة في سويسرا، وسميح إلى ألمانيا، وناصف إلى الولايات المتحدة. واليوم يلقبهم بـ "الفرسان الثلاثة"
تناغم الأسرة "الساويرسية" يرجع إلى فلسفة أنسي ساويرس الأب الذي راهن في بناء عائلته على التعليم، فأرسل نجيب للدراسة في سويسرا، وسميح إلى ألمانيا، وناصف إلى الولايات المتحدة. واليوم يلقبهم بـ "الفرسان الثلاثة"

تناغم الأسرة جعل من الصعوبة الحديث عن أيّ فرد فيها دون الإشارة إلى باقي أفرادها، المعروف عنهم خفة الظل وحب الفكاهة مثل غالبية المصريين، لدرجة أن نجيب علّق على تصنيف مجلة "فوربس" الأخير حول ترتيب الأثرياء قائلا "أنا أفقر من أخي ناصف الصغير".

كشف تصنيف "فوربس" تصدر ناصف أصغر أبناء أنسي ساويرس قائمة الأثرياء المصريين بنحو 5 مليارات دولار، بينما بلغت ثروة نجيب ثلاثة مليارات دولار، وفي المرتبة الثالثة في العائلة جاء سميح بـ 1.5 مليار دولار.

ما يضع سميح الذي يعدّ بمنطق الأخ الأكبر أفقر أعضاء الأسرة تحت المجهر عالميا حاليا أنه حمل على عاتقه إنقاذ عملاق السياحة الألمانية "إف. تي. آي" بناء على طلب من الحكومة الألمانية، بعد أن أثقلتها ديون كوفيد - 19 وأوشكت على الإفلاس تأثرا بتفشي فايروس كورونا عالميا، والذي تسبب في توقف حركة السياحة.

ذاع صيت صفقة ساويرس مع الألمان. “إف.تي.آي” تعد ثالث أكبر شركة في أوروبا تحكما في مفاصل السياحة، والآن أصبحت حصة الملياردير المصري فيها 75.1 في المئة، ما يجعله قوة ضاربة في قطاع السياحة العالمية. تلك الصفقة تعكس أيضا حبا دفينا بين الملياردير المصري والبلد الذي درس وتعلم فيه الهندسة في جامعة برلين التقنية عام 1980، الأمر الذي دفعه للمجازفة وضخ أموال في صفقة تتزامن مع تعثر الاقتصاد العالمي وإغلاق غالبية الفنادق والمرافق جراء كورونا الذي شل الحركة الاقتصادية.

تعزز الصفقة الجديدة من إمبراطورية سميح السياحية، لأنه أيضا يمتلك 74.9 في المئة من مجموعة "رايفايزن" للسياحة التي تضم العلامة التجارية "أوتوريسلاند"، و"توماس كوك هولندا" و700 وكالة سفر خاصة. وقد ترتب على الواقع الجديد انتقال المئات من وكالات السفر إلى الملياردير المصري ليصبح واحدا من أكبر رواد أعمال السفر في ألمانيا وأوروبا بالكامل.

وتكشف الصفقة الألمانية، أيضاً، كيف يفكر الملياردير سميح، فقراءة الأحداث لديه دائما مختلفة، لأنه يجيد تحليل ما وراء الأزمات، ويتقن هذه الفنون ويرى الواقع بشكل مختلف، ولعل ذلك كان الدافع الرئيسي في الاستحواذ على حصة حاكمة في شركة اضطرت إلى إعادة نحو 65 ألف سائح لبلادهم وإيقاف جميع رحلاتها مع تصاعد أزمة كورونا.

يعلق ساويرس على تلك الخطوة بالقول "أبحث عن الأشياء المختلفة التي لا يفعلها الآخرون. دائما توجد في كل أزمة فرصة لا بد من اقتناصها". ويصف الصفقة بأنها استثمار أمثل، فالسياحة الأوروبية ستعود على الأرجح خلال الصيف، لكنها قد تتأخر في منطقة الشرق الأوسط لموسم الشتاء المقبل، وبمجرد الانتهاء من هذه الأزمة لا بد أن نكون جاهزين، وليس من المنطق ننتظر حتى انتهاء الأزمة ثم نبحث عن حلول.

خبرته في مجال السياحة تمكنه من رؤية الأحداث بصورة متبصرة، فهو يمتلك قرية الجونة السياحية على شاطئ البحر الأحمر في مصر وأسّسها عام 1990 وحوّلها إلى قبلة لمشاهير الفن ولاعبي كرة القدم والعديد من السياسيين على مستوى العالم.

ويتفرّد المنتجع إلى جانب الرفاهية والفخامة بأنه الوحيد في مصر الذي يمتلك مهبطا للطائرات الخاصة، وهي الأفكار غير التقليدية التي يبحث عنها سميح في مشروعاته. تلك الإمكانات الفريدة للمنتجع وعدد فنادقه الـ18 أهلته ليصبح واجهة عالمية سنويا للمشاهير من خلال مهرجان "الجونة" السينمائي الذي انطلقت دورته الأولى منذ ثلاث سنوات. ورغم أن سميح أسس المنتجع ووضعه على خارطة السياحة العالمية، إلا أن جاذبية نجيب خطفت الأضواء منه بوصفه رئيس المهرجان، رغم أنه يقام على منتجع سميح.

وسط أسرة ساويرس الأب تذوب المناوشات الشخصية، فالكل يعمل كي يصنع قصة نجاح، ورغم بريق نجيب إلا أن سميح استطاع أن يؤسس شركة تعرف بأنها عملاق التنمية السياحية في مصر وهى "أوراسكوم للتنمية" كشركة تطوير متكاملة للمدن السياحية. وتعمل شركاته وفق نموذج أعمال متكامل، حيث تتخصص في تطوير الوحدات السكنية والفندقية والمرافق الترفيهية وملاعب الغولف ومراسي اليخوت، ما يضمن نجاح مشروعاته ويجعلها محط أنظار الباحثين عن الرفاهية.

بنك للأراضي

سميح الذي يعد أفقر أعضاء الأسرة حمل على عاتقه إنقاذ عملاق السياحة الألمانية “إف.تي.آي” بناء على طلب من الحكومة في برلين، بعد أن أثقلت المؤسسة ديون كوفيد – 19 وتوقف حركة السياحة
سميح الذي يعد أفقر أعضاء الأسرة حمل على عاتقه إنقاذ عملاق السياحة الألمانية “إف.تي.آي” بناء على طلب من الحكومة في برلين، بعد أن أثقلت المؤسسة ديون كوفيد – 19 وتوقف حركة السياحة

يمتلك سميح بنك أراض يفوق مساحات دول، فرصيده الحالي في مصر يصل لنحو 49.9 مليون متر مربع، و23 فندقا، بإجمالي 4919 غرفة في أربع وجهات سياحية، في الجونة بمدينة الغردقة السياحية على ساحل البحر الأحمر، وطابا هايتس في شبه جزيرة سيناء، ومكادي هايتس في الغردقة أيضا، ومنتجع بيوم في محافظ الفيوم بجنوب غرب القاهرة.

تعد أوراسكوم للتنمية – مصر من أكبر الشركات التابعة لمجموعة أوراسكوم القابضة للتنمية، وهي المطور الرائد للمشروعات المتكاملة في مصر والإمارات وسلطنة عمان والمغرب، ومونتينغرو وسويسرا والمملكة المتحدة، وتدير المجموعة 32 فندقاً بسعة 7205 غرفة، وتمتلك حوالى 101 مليون متر مربع من الأراضي عالميا.

أحدثت استثمارات سميح ضجة كبيرة في سويسرا بعد قيامه بشراء امتياز "توماس كوك" واستطاع أن يصل بالوفود السياحية من خلال الامتياز الجديد إلى نفق قاعدة "غوتهارد". وضعت هذه الاستثمارات قرية "غوتهارد" القابعة على النفق والواقعة في وادي «أورسن» في جبال الألب السويسرية على خارطة السياحة العالمية، ما حدا بصحيفة "التليغراف" البريطانية إلى وصف الملياردير المصري بأنه "أعاد اختراع المنتجع السويسري".

رغم عشق سميح للمغامرة، غير أنه يؤمن طوال مسيرته العملية بعدم الاستعجال، لأن النجاح السريع الذي يحققه كثيرون ليس شرطا دامغا على تربّعهم على عرشه، فعلى الإنسان أن يبحث عن الأصعب والأبعد ليقلل المنافسة، فضلا عن عدم النظر لقيمة المال في الغد مباشرة بل يجب النظر إليه بعد سنوات، فالاستعجال يؤثّر على فرص النجاح. ويعلي من قيمة قوة العزيمة والإصرار، فعلى الإنسان أن يكون حريصا ومثابرا ولا ييأس، فهذه الصفات من أهم مقومات النجاح، ثم يتبقّى التوفيق من الله، ويرى أن 60 في المئة من النجاح في الحياة هبة وليس مجهودا.

تعلم العزيمة وعدم اليأس من حكمة والده الذي بدأ حياته من الصفر ثلاث مرات، بعد أن تعرّض للتأميم خلال حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وضاع معها مجهود 11 عاما، بعدها اضطر إلى ترك البلاد للعمل في ليبيا عام 1966، ثم عاد إلى مصر بعد الانفتاح الاقتصادي الذي أطلقه الرئيس محمد أنور السادات وبدأ ممارسة نشاطه مجددا.

التحسب من الإعصار

سميح رفع مبكرا شعار "لن أعيش في جلباب أبي أو أخي"
سميح رفع مبكرا شعار "لن أعيش في جلباب أبي أو أخي"

يرى أن الحكومات تتّخذ استعداداتها وتعلن حالة الطوارئ عند علمها بحدوث إعصار تجنبا للمخاطر، لكن على رجال الأعمال أن يتوقّعوا حدوث الإعصار كل في قطاعه والاستعداد لمواجهته قبل أن يضرب النشاط، وعلى المؤسسات الخاصة أن تكون مستعدة للتعامل دائما مع الأحداث ولا تفاجأ بها. بهذه المنهجية يتعامل مع الأزمات والتحولات الاقتصادية، وأهمية وجود خطط بديلة دائما لمواجهة الأزمات، خاصة في الأنشطة التي تواجه مطبات وتقلبات من آن إلى آخر، مثل السياحة، وأعطى هذا القطاع خبرات كبيرة لسميح مكنته من التعامل مع الأزمات بحرفية شديدة.

وهو يعتقد أن الغاية من الثروة تختلف حسب قيمتها، ففي البداية تبحث عن تأمين حياة كريمة لعائلتك وأولادك، وفي مرحلة تالية تبحث عن تحسين مستوى المحيطين بك، وممارسة الهوايات وتنويع الاهتمامات. ويؤمن أنه كلما زادت الثروة تغير مفهوم الإنسان عنها، وتعددت هواياته واهتماماته في الحياة، ففي كل حقبة زمنية تتغير الثروة فيها تتواكب معها الأهداف الجديدة في الحياة، لكن تبقى القناعة سلاحا قويا.

تكمن خلطة نجاح آل ساويرس في العمل بشكل جماعي، والابتعاد عن قيادة الشركات بشكل فردى، يحتاج ذلك إلى اختيار فريق قادر على العمل بشكل مؤسسي، واتخاذ القرارات، وتحقيق الأهداف.

هذا ما دأب عليه سميح وطبّقه فعلا على نفسه، وقال "عندما أدركت أنني كبرت ولن أستطيع قيادة الشركة بمفردي اخترت شخصا يعمل بشكل مؤسسي لقيادتها»، وهو يخاطب ناصحاً من يريد دخول البزنس بالقول «لا بد من معرفة إمكانياتك ولا تحاول القيام بكل شيء بنفسك، فلا يمكن لأيّ إنسان أن ينجح بمفرده".

ولأنه يؤمن بأن الأموال لا تستطيع صنع النجاح وحدها، قرر تخصيص عُشر ثروته لكل فرد من أفراد أسرته، فلديه خمسة أولاد وزوجتان، وباقي الثروة توجّه للمشروعات لمواصلة الأنشطة وخدمة المجتمع، وهو تحدّ يواجه به أفراد أسرته لحثهم على بذل الجهد وتشجيع  كل فرد فيها على صناعة قصة نجاح تضاف إلى قصص نجاح الأسرة.

13