سميح شقير: قوارب السوريين في أعالي بحار العالم تكتب أوديسا العصر

الخميس 2013/12/12
شقير: أخشى من أننا سنمر بما هو أشد إيلاما

باريس- الموسيقي الذي أطلق أولى أغاني الثورة السورية وأكثرها شهرة، كان قد حمل جراح وطنه بينما هو بعيد عنه آلاف الكيلومترات مواجها بأغنيته نظاما طالما صدح بحنجرته وموسيقاه ضدّه، واستمر في خط ثوري ملتزم اعتبره رديفا فنيا وثقافيا للمعارضة السياسية السورية التي تتعثر في الكثير من الخطوات التي تخطوها، ومن منفاه المؤقت أطلق فنان الثورة السورية سميح شقير أغنية تناول فيها أحدث فصول المأساة السورية المرتبطة بالهجرة والغرق في قيعان بحور العالم.

يعدّ سميح شقير أول الفنانين السوريين الذين سلطوا الضوء على مأساة المهاجرين السوريين الفارين عبر البحر نحو أوروبا للهرب من الموت والدمار أو بحثا عن حلم لم يتحقق في بلدهم، قال شقير عن تجربته هذه لصحيفة "العرب": "لقد أُتيحت لي الفرصة للاطلاع عن قرب على أوضاع هؤلاء اللاجئين ومتابعة أوضاعهم، وأنا مُتابع بشكل لصيق جدا لكل تفاصيل مآسيهم، وأبحث دوما عن الأشخاص والأحداث التي تدمي القلب لأعرف ما يحصل معهم وأحاول تقديم يد العون".


شعب يغرق وحيدا


وتحمل أغنية شقير الحديثة عنوان "قادر يا بحر" ويتناول فيها غربة السوريين ومآسيهم خلال هجراتهم القسرية، وخوضهم عباب البحار التي ابتلعت خلال الأشهر الأخيرة المئات منهم في رحلة بحثهم عن مأوى ومكان آمن بعيدا عن الحرب ومآسيها ليصبحوا هم بدورهم مآسي جديدة لهذه الحرب.

وحول ما إذا كانت هذه الأغنية صرخة حزن أم مشروعا لتحفيز الجانب الإنساني لدى المستمع وتحريضه على فعل شيء تجاة أزمة الشعب السوري، يقول شقير الذي يُطلق عليه السوريون لقب "فنان الثورة": "قمت بترجمة هذه الأغنية إلى اللغة الفرنسية، وهذه هي الأغنية الأولى التي ترجمت إلى اللغات الأجنبية، أردنا أن نتوجه من خلالها إلى الأوساط الغربية، آملين أن نحقق اختراقا ثقافيا، وهذا الأمر يعبّر عن رغبتي في إيصال حجم المأساة وفصولها لأوسع طيف من الناس، وتحميل الفن المعنى والقضية اللذين أريده أن يحملهما".

ويستذكر شقير في هذه الأغنية التي أدّاها باللهجة العامية مآلات السوريين ونهايتهم في بحار غريبة عنهم، ولا يصوّر فيها البحر القاتل بقدر ما يلتمس منه الرحمة والراحة والرأفة للضحايا، ويقول فيها "قادر يا بحر، موجك قادر، يكسر خاطر كل مهاجر، ما تعين الظالم يا بحر، لولا المظالم ما هاجر، وخليك حنيّن يا بحر"، ورغم بساطة الأغنية إلا أن العديد من النقاد اعتبروها مشروعا فنيا وإنسانيا بحدّ ذاته.

وتابع الفنان السوري توضيحه لظروف ظهور هذه الأغنية قائلا: "معروف عن الأغنية بشكل عام أنها حمالة مواضيع مختلفة، ويمكن لنا أن نُحمّلها ما نريد من أفكار تتعلق بأوضاعنا وقضايانا، وحرصت على تحميل هذه الأغنية قضية ضحايا البحر من اللاجئين السوريين، ولكني لم أرد لها أن تكون صرخة حزن فقط وإنما أبعد من ذلك، فقد أردت استخدام الفن لاستصراخ الضمائر علّ وعسى أن تصحو هذه الضمائر بعد أن رأينا قدرا كبيرا من الضمير الميت تجاه قضيتنا، إنها جرح إضافي للتنبيه إلى المأساة المتكررة التي تعاد فصولها بشكل مؤلم يوما بعد يوم وبدون توقف، وهي مأساة تدفع الإنسان للتساؤل حول أولئك الذين يركبون البحر هاربين من بلدهم بحثا عن ملجإ ليلقوا حتفهم في هذه البحور، رغم أنهم بالتأكيد قد سمعوا قبل مغامرتهم قصصا عن أولئك الذين سبقوهم لنفس المصير، فأيّ قدر أوصلهم إلى هذا المصير، وأي وضع إنساني مأساوي دفعهم لخوض التجربة؟ يدفعون كل ما يملكون لمهرّبيهم رغم معرفتهم بالاحتمال الكبير بأن البحر قد يبتلعهم، إنه في الحقيقة شيء أقوى من أن يُصدّق".

وشهد البحر المتوسط غرق المئات من اللاجئين السوريين الباحثين عن طريق لهم عبر البحر إلى أوروبا، في محاولة لالتماس مستقبل أفضل في بلد دمره الحل العسكري الذي انتهجه النظام ضدّ ثورة بدأت سلمية مطالبة بالحرية والكرامة وانتهت مسلحة بحرب ضروس تأكل الجميع.


الفن شعلة الثورة

كانت له منذ بداية الثورة السورية بصمات مهمة مؤثرة على الثورة، وقد ساهمت بشكل معقول في توجيه المنتفضين بشكل أو بآخر، وفي بث روح الحماسة في نفوسهم


وشقير الذي كانت له منذ بداية الثورة السورية بصمات مهمة مؤثرة على الثورة، وقد ساهمت بشكل معقول في توجيه المنتفضين بشكل أو بآخر، وفي بث روح الحماسة في نفوسهم، انتقد بشكل كبير إهمال المعارضة السياسية السورية للفن والثقافة على الرغم من الدور الكبير والحاسم الذي من المفترض أن يلعبه المثقفون والفنانون في الثورة، ونفى أن تكون المعارضة السورية قد قدّمت للفن الملتزم ما يستحقه، وأضاف: ’’لا يوجد أي أدنى التفاتة ولا أدنى محاولة للاستفادة من فني أو من الفن الملتزم الثوري في العموم، على الرغم من أنه قد توضّح عمليا ومنذ بداية الثورة، ومنذ أغنية "يا حيف" إمكانية أن تقوم الأغنية كفعل ثقافي بتحفيز الضمائر وتغيير السلوك والأقدار أحيانا للكثير من الناس، ومع ذلك، أن تمرّ سنة وراء سنة، وراء سنة.. دون أن تلتفت المعارضة السياسية السورية إلى ضرورة الاستفادة من هذا الفعل الفني الثوري الملتزم بأي شكل من الأشكال، ولو بلفتة معنوية أو رغبة في التعاون على عمل لتعميق هذا الخط، فإن هذا الغياب يحمل معنى كبيرا جدا وسلبيا جدا ويضيف للفشل السياسي فشلا في وعي المعارضة لدور الثقافة كسلاح أساسي في هذه الثورة‘‘. وشقير المعروف بأغانيه الوطنية الثورية التي كتب معظمها ولحنها جميعها، والذي حافظ على معارضته المستقلة للنظام السوري بعيدا عن الكيانات السياسية المعارضة القائمة، قدّم منذ انطلاق الثورة في آذار/ مارس 2011 العديد من الأغاني الإنسانية والثورية والسياسية، كان أشهرها وأولها أغنية "يا حيف" التي أطلقها بعد استخدام قوات النظام السلاح ضدّ أهالي مدينة درعا الجنوبية وسقوط مئات القتلى من المدنيين، وأصبحت هذه الأغنية في الأشهر الأولى للثورة السورية لازمة غنائية وموسيقية للثورة.


سنعود يوما


وحول مستوى التفاؤل لديه، وإن كان يتخيل نفسه داخل سوريا بعد انتصار الثورة ويغني للناس في الداخل للأمل بالمستقبل؛ قال: "اعتدنا أن نكون صناع أمل حتى في أشدّ الأوقات والظروف صعوبة، وأعتقد أن هذا الدور مطلوب منا، وجميل أن نقوم به حتى لو لم تتوفر كافة مقوماته، ورغم أننا في الحقيقة نعيش لحظة صعبة للغاية، والقفز فوق الواقع الدامي والبائس والمأساوي شكل من أشكال اللاأمل، ولا نرغب في أن نكون مجانين كثيرا في التفاؤل، إلا أنه ما من بديل عن التفاؤل، وأحلم كالكثيرين حلما استراتيجيا وهو العودة إلى سوريا، ولكن الوضع الحالي لا يُنبئ بذلك، فنحن ما زلنا في مرحلة المخاض في محاولة للوصول لحالة سياسية إلى جانب الواقع الحربي المتفجر في العمق".

وتابع "أنا لست متفائلا بالمدى القريب، لكني متفائل بحركة التاريخ، فحركة التاريخ تؤكد أنه كان في سوريا حراك حقيقي شعبي يمكن بكل جدارة أن نسميه ثورة، قامت وأوصلت رسالتها، على الرغم من اعترافنا بوجود مستوى من التشوه ألحقتها فيها مجموعة من الأطراف المحلية الدولية والنظام، فأصبحت الأمور تجري بقرار غير سوري، وهو شيء لا بدّ من الإقرار والاعتراف به وهو من دواعي ألمنا العميق، ونترقب الوقت الذي يبدأ فيه المنحى السياسي الحقيقي ـ وليس الإعلامي كما نرى الآن ـ بالتقدم، ومتى تتوقف أجندات الدول والقوى الإقليمية والدولية، وهي أسئلة كبيرة ومصيرية نبحث عنها ونواجهها اليوم بألم عميق، ولكن ما يدعونا إلى التفاؤل بالمستقبل هو حركة التاريخ، فعندما ترى شعبا يُعبّر وبشكل حقيقي وخلال أشهر طويلة عن إرادته بالتغيير، فإن ثورته منتصرة في النهاية وإن طال الأمد، لكني أخشى من أننا سنمرّ بما هو أشدّ إيلاما، وفي النهاية الانتصار لن يكون إلا لهذا الشعب الذي استطاع أن يتحدّى ويعبّر عن نفسه".

ويشار إلى أن لشقير أغاني بالفصحى، وهو الوجه الأدائي الأصلي له، وبالعامية، وهو الوجه الأكثر قربا لجمهوره السوري خصوصا، وخلال أكثر من أربعين عاما من العمل الفني الإبداعي، والمشاركة في عشرات المهرجانات الغنائية العربية والدولية، استطاع أن يحتاز موطئ قدم ثابتا ودائما في عالم الغناء العربي الملتزم.

14