سميرة إسلام طبيبة سعودية تسللت خلف من حاربوا تعليم المرأة بشراسة

السبت 2015/01/17
سميرة إسلام خلية النحل السعودية التي لا تعرف الهدوء

تعد قضية المرأة أكبر محرك للصراعات على مختلف المستويات داخل السعودية، اجتماعيا ودينيا، بل وحتى سياسيا، وهي تجعل الكثير من السعوديين في موقف يعتبر الصامتون فيه كثرا، من يتحدث عن تلك القضايا وفق منظور أحقيتها بما يناله الرجال في المملكة، تطاله الانتقادات، ولكن هذا كله كان في الماضي.

أما اليوم، فمن يتحدث عن تلك الحقوق، فهو في مسيرة الحضارة التي غيّرت كثيرا من وجه السعودية منذ تدفق النفط، لكنه لن يسلم من مجابهات أخرى تحرك معها الصامتون والمناهضون لحقوق النساء في السعودية.


الخطاب الديني والمرأة


الوعي الجديد تشكل بفعل حضور كبير على مستوى قنوات الإعلام الجديدة، وقبلها تراكمات من كلمات وكتب شتى كسّرت النمطية إلى حد ما للقبول بمزاحمة الناس في أروقة الحياة الرجالية المسيطرة في المملكة، ورغم أن بعض الطرح الإعلامي كان سلبيا في تناول حقوق المرأة، تحت وقـع الخطاب الديني المحلي، لكن الواقع السعودي اليوم يختلف كثيرا عن الأمس، بفعل قرارات سياسية كبرى يرضخ لها المجتمع السعودي دوما.

في ذلك الإطار، كانت قضية تعليم المرأة تأخذ حيّزا مهما منذ أكثر من نصف قرن، وهو عمر بداية التعليم المؤسسي للفتاة السعودية، حيث استلمت المؤسسة الدينية الرسمية هذا الملف حتى تطمئن النفوس المجتمعية وأسر كانت ترى أن خروج المرأة من بيتها هو فسوق وانحلال.

وباختلاف المناطق السعودية نجد ذلك الفرق، فقد ترافقت الطفرة الاقتصادية مع اتجاه أسر سعودية إلى تجربة أشياء كانت في حكم المحرّم، وهو ما يعد منظورا جديدا لدخول حالة تمدن غيّرت في بعض الوعي العام.

في الشرقية والحجاز، تختلف البيئة المجتمعية عن باقي مناطق المملكة، ما قبل النفط وبعده، فكانت الأسر الحجازية وعلى نطاق غير ضيق تعتبر أن للفتاة حقاً في التعليم، لذلك عمد بعضها إلى إرسال البنات إلى كتاتيب يدرسهن فيها رجال ونسوة قليلات.

الملكة عفت الفيصل عرفت بإيمانها بدور المرأة، وكانت ممن وضعوا ثقتهم في سميرة إسلام حين كلفتها بتأسيس كلية عفت، وهي أول جامعة خاصة في السعودية


امرأة من بيوت جدة


بين تلك الصفوف المتحاربة حول تعليم المرأة، بدأت فتاة في شق طرق نبوغها، تاركة خلفها كل الأحاديث والرؤى والفتاوى التحريمية، لتتخذ مقعد علم في بلادها وخارجها، كانت رحلتها طويلة محفوفة بالتحديات، خطت أول حروفها قبل تأسيس المدارس النظامية في بلادها.

كانت عروس المدن السعودية جدة، مكانها الأول حيث تتلمذت على يد معلمين في “كُتّاب” وهو مجمع تعليمي بدائي يقوم عليه شخص يعلّم القراءة والكتابة وبعض الأمور الدينية ومعارف أخرى، هناك تتعلم صباحا، ولعلاقات والــدها المميزة، علّمها مساء بعض أساتذة مدارس تحضير البعثات التي كانت تتخذ من الطائف مقرا لها.

اتجهت الفتاة إلى مصر، بعد أن تعلّمت بعض شيء من كل شيء، وتحديدا إلى الإسكندرية، متخصصة في مجال الصيدلة وعلوم الأدوية، تخرجت منها ثم التحقت بكلية طب سانت ماري في جامعة لندن، حيث واصلت أبحاثها حتى حصلت في العام 1970 على شهادة الدكتوراه في علم الأدوية، ببحثها عن “التصنيف الجيني للمجتمع السعودي”.


العودة إلى السعودية


أوائل السبعينات عادت الفتاة مزيّنة اسمها بدرجة الدكتوراه، لتجعله محرضا داخليا يحرص على الوصول إلى قمة البحث ومنتهاه، عادت إلى منبر نبوغها المكاني في جدة، كانت الأبواب مفتوحة لها، استقبلتها جامعة الملك عبدالعزيز التي لم يمض على افتتاحها سوى أربعة أعوام، وهي من السعوديات الأوائل اللاتي اعتلين منابر التعليم العالي، حيث عملت رئيسة لوحدة قياس ومراقبة الأدوية في مركز الملك فهد للبحوث الطبية بالجامعة منذ قدومها وحتى العام 2003.

سميرة إسلام المرأة العربية الأولى التي تولت في التسعينات منصب مستشارة إقليمية في منظمة الصحة العالمية لعامين متتاليين

بعـد عشــرة أعـــوام تقريبا، منذ تسلمها مهام مركز البحوث الطبية بالجامعة، أنهت الفتاة الحالمة والمرأة النابغة مسمّيات الشهادات والدرجات العلمية، لتكون أول سعودية تعتلي هرم الأستاذية (البروفيسورة) ليعرفها السعوديون بـ“العالمة سميرة إبراهيم إسلام”. كان للعالمة سميرة إسلام، فضل إنشاء الكثير من برامج التعليم الحديث العلمية بعدد من أقسام وكليات جامعة الملك عبدالعزيز، حيث قامت بتأسيس أقسام جديدة للطالبات في الكيمياء والفيزياء والأحياء والرياضيات بكلية التربية، وأشرفت على إنشاء مختبرات خاصة بالكليات النسائية في غضون عامين من التحاقها بالجامعة.

واصلت سميرة إسلام شق طرق وعرة في مسيرة تعليم الفتاة الجامعية، فشاركت في العام 1975 في تأسيس واختيار أعضاء هيئة التدريس واستحداث البرامج الأكاديمية لكلية الطب والعلوم الطبية إضافة إلى المستشفى الجامعي، وكانت أول وكيلة لكليات الطب، بل والسعودية الأولى التي تنال هذا المسمى الوظيفي.

أغرى صنيعها وجودة برامجها التأسيسية عددا من القطاعات السعودية التي بدأت تتشكل في سبعينات القرن الماضي، فكانت من مؤسسي “معهد العلوم الصحية للبنات” التابع لوزارة الدفاع والطيران آنذاك، وعملت على إعداد جيل من فنيات العلوم الطبية والتمريض والمختبرات، وذلك خلال العام 1978.

ولأنها من مختبرات الأدوية عاشت وتفتحت، قامت في العام 1982 بإنشاء وحدة لقياس الأدوية من مالها الخاص، وبتعاون مع مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، التي تعد حتى اليوم الجهة الأولى حكوميا في دعم الأبحاث وتمويل المخترعين والمبتكرين في المملكة.


في منظمة الصحة العالمية


في العام 1996 تبوأت سميرة إسلام، منصب مستشارة إقليمية في منظمة الصحة العالمية لعامين، وهي أول سعودية وثاني شخصية من المملكة تنال تمثيل بلادها في المنظمة، وخلال فترة عملها هناك، اختارتها الملكة عفّت الثنيان (زوجة العاهل السعودي الأسبق الملك فيصل) لتأسيس كلية عفّت، وهي أول كلية أهلية في المملكة.

المنطقة الشرقية والحجاز، تختلف فيهما البيئة المجتمعية عن باقي مناطق السعودية، ما قبل النفط وبعده، فقد كانت الأسر الحجازية وعلى نطاق غير ضيق تعتبر أن للفتاة حقاً في التعليم غير قابل للنقاش

وتم في العام 2000 اختيارها من منظمة اليونسكو لتكون من بين 32 عالمة نسائية في مجال المرأة والعلوم، محققة ذلك الإنجاز كأول عربية في هذا المجال، وهو ما يعد تلخيصا لمسيرة مهنية وعلمية وأكاديمية مثمرة.

استكملت سميرة إسلام مهمة البحوث والتعليم، ودخل اسمها ضمن أهم 20 امرأة الأكثر نفوذا في مجال العلوم وتأثيرا في العالم الإسلامي، وفقا لاختيار مجلة “مسلم ساينس” ومقرها بريطانيا، وهي مجلة مختصة في العلوم والتكنولوجيا وريادة الأعمال في العالم الإسلامي ومن خلال مجلس خبراء دولي عالي المكانة العلمية.

سعوديا، لم تكرّم إلا من خلال وزير التربية والتعليم الأمير خالد الفيصل إبان إمارته على منطقة مكة المكرمة وذلك في العام 2009 بجائزة مكة للتميّز في حقل التميز العلمي والتقني.

ورغم أن سميرة إسلام بلغت من العمر الكثير، لكنها في حيوية الشباب معطاءة في مختبراتها وإشرافها على شطر الكليات العلمية للبنات بمنطقة مكة، طامحة للمزيد، عملها يشرق على علم بلادها في كل محفل ويسبقها ذكرها وإنجازاتها قبل حضورها المشتعل.

إرث لم تكترث كثيرا إلى كونه في خضم صراعات الحداثة والمرأة السعودية، بل نهضت بعملها وبمن منع أن تكون للنساء كلمة في حقل التعليم، لتتخرج على يدها طبيبات وخبيرات فـــــي المجــــال الصحي وبعض القطـــــاعـــات العلمية الأخرى، ولتنسج رواية من طرف واحد أن للمرأة حضورا، وتبني ما تريد، رغم كل شيء.

14