سمير أمين في "ثورة مصر بعد 30 يونيو": حكومات متعاقبة وتوجه اقتصادي مستنسخ

الأربعاء 2015/03/04
ثورة الجماهير لن تهدأ إلاّ بحلول من يطرح مشروعها في الحرية والعدالة الاجتماعية

قامت الموجة الثورية في مصر، في الـ30 من يونيو سنة 2013، على رفض الإسلام السياسي والأوضاع الّتي آلت إليها البلاد من تردّ واستمرار لنهج اقتصادي سابق، يسميه المفكر الاقتصادي سمير أمين في كتابه “ثورة مصر بعد 30 يونيو”، الصادر عن دار العين، رأسمالية المحاسيب، فتم على إثر ذلك إحلال الكوادر الإخوانية مكان نظرائها بالحزب الوطني (الحاكم السابق). لذلك يعتبر أمين أنّ الإسلام السياسي ليس سوى جزء من بنية النظام السابق لا معارضا له.

يقدم كتاب “ثورة مصر بعد 30 يونيو” صورة كليّة عن الوضع الاقتصادي المصري عبر محطات تحولاته الكبرى، ويفكك وفق تحليل موضوعي البنية السياسية والاجتماعية للوضع المصري الراهن، من ثمّة يشرح أسباب فشل المشاريع النهضوية في تركيا وإيران ومصر، ليستعرض بالمقابل أسباب نجاح الصعود الصيني.

كما يقدّم أمين رؤية لكيفية تجاوز اللحظات الحرجة الّتي تمر بها مصر بعد 30 يونيو، مؤكدا ألاّ نجاح لأيّ مشروع نهضوي أو صعود اقتصادي من دون صمود المشروع الوطني المستقل أمام ضغوط المشروع الليبرالي.أربع دراسات يجمعها الكتاب، تسلّط الضوء على تساؤل رئيسي حول إمكانية تطوير بديل صحيح يحول دون التّورط في مأزق مزدوج الوجه؛ تمثّله في جانب أوّل الليبرالية الاقتصادية المنفلتة، ومن جانب ثان الانحباس في إملاءات الولايات المتحدة. وتتلخص هذه الإشكالية، وفق أمين، في “أنّ مدى النجاح في مشروع نهضوي وصعود اقتصادي ليس بقدر الخضوع للإملاءات الليبرالية. بل على النقيض بقدر صمود المشروع الوطني المستقل لضغوط المشروع الليبرالي”.

ومن أجل إثبات هذه المقولة يستعرض المثال الصيني، ليخلص إلى “أنّ الرأي السائد في مصر ينسب نجاح تجربة الصين إلى تبنيها مبادئ الليبرالية، بينما العكس هو أقرب إلى الصحيح”، ليقارن ذلك المثال بفشل الصّعود الاقتصادي في كلّ من مصر وتركيا وإيران، الراجع بالتحديد إلى “اللاانحياز لمبادئ الليبرالية من جانب هذه الدول”. من ثمة يسعى إلى توضيح بعض العناصر الملموسة التي يطرحها بديلا للوضع الراهن في مصر، ليؤكّد “أنّ إمكانية خروج مصر من مأزقها الاقتصادي ودخولها في مسيرة نهضة صحيحة قائمة”، لافتا إلى “أنّ هذا التطور المأمول يفترض انقلاب السياسة الحالية”.

مشروع وطني ديمقراطي هو حل الأزمة المجتمعية في مصر

الثابت عند سمير أمين أنّ الدراسات العديدة التي صدرت عقب ثورة يناير تجاهلت الإطار العالمي الأوسع، وفق هذا المنطلق يقول “إنّ إدراك مغزى ثورة مصر وتقييم احتمالات تطورها في اتجاهات متباينة يقتضي وضعها في الإطار العالمي الأوسع”، مشدّدا على أنّه “في غياب تلك الخطوة لن تحقق الثورة أهدافها الثلاثة المعلنة؛ العدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية واحترام حقوق المواطنة الديمقراطية”. فتطوير استراتيجية فعالة من أجل إنجاز الهدف، وفق رأيه، “يتطلب معرفة صائبة للمراهنات المطروحة على الصعيد العالمي، وكذلك للأهداف التي يسعى اللاعبون الأساسيون على المسرح السياسي العالمي إلى تحقيقها، والوسائل التي يستخدمونها لإنجاز تلك الأهداف”. ويرى أمين أنّ النهج الاقتصادي والاجتماعي الذي سارت عليه مصر بين عامي 1970 و2013 هو “نمط التنمية الرثة”، موضّحا “أنّ الوضع الاحتكاري كان يدعم رأسمالية المحاسيب وأحد وُجوهها تسهيل القروض المصرفية الكبرى لهم على حساب تمويل صغار ومتوسطي المنتجين الحقيقيين”.

ويُعرف أمين “التنمية الرثة” بـ”أنّها نموذج لأداء اقتصادي تفرضه احتكارات المراكز الإمبريالية على الدول الواقعة تحت سيطرتها أو تدور في فلكها دون أن يكون لجموع الشعب نصيب في ثمار التنمية”.

وأشار إلى “أنّ العام الذي حكمت فيه جماعة الإخوان المسلمين، لم يغير نهج رأسمالية المحاسيب، لذلك بقيت الدولة في ظلّ حكم الإخوان على حالها، دولة “كمبرادورية” تعبر عن مصالح رأسمالية المحاسيب”، لافتا إلى أنّ الوعي الشعبي كان مدركا لتلك الوضعية، وهو ما تشهد عليه الشعارات المكتوبة على جدران القاهرة والتي يقول أصحابها إنّ “الثورة لم تغير النظام ولكنها غيرت الشعب”.

ويؤكد أمين “أنّ الحكومات المتعاقبة منذ 25 يناير 2011، هي تنويعات مختلفة لنظام مبارك (على مستوى التوجهات الاقتصادية)، وهو ما يفسر رفض الجماهير الثائرة بوعيها التاريخي للنّخب الحاكمة المعبرة عن مصالح متشابكة لرجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال”، لافتا إلى “أنّ ثورة الجماهير لن تهدأ إلاّ بحلول من يمثلها في الحكم ويطرح مشروعها هي في الحرية والعدالة الاجتماعية”. ويشدد على أن الدعم الفعلي للإسلام السياسي أدى إلى تدمير قدرة المجتمع المصري على مواجهة تحديات العالم الحديث (مثل التدهور الكارثي في التعليم والبحث العلمي). ولجأت واشنطن إلى إدانات عرضية لانتهاكات الإسلام السياسي مثل الاعتداء على الأقباط كي تضفي شرعية على تدخلاتها العسكرية في إطار الحرب على الإرهاب التي انفردت بوضع قواعدها.

وكانت الإضرابات العمالية عام 2007 أقوى إضرابات في القارة الأفريقية على مدى الخمسين عاما الماضية، وبرزت حركات مقاومة من صغار الفلاحين المهددين بنزع أراضيهم لمصلحة الرأسمالية الزراعية كما تشكلت جماعات احتجاج ديمقراطية وسط الطبقات المتوسطة مثل حركتي كفاية و6 أبريل، وهو ما أنذر بالانفجار الحتمي الذي توقعه المصريون جميعا بينما شكل مفاجأة للمراقبين الأجانب.

ويخلص أمين إلى أنّ أي مخرج لهذه الأزمة المجتمعية لو لم يستطع ترجمة مطالب هذه الجماهير الثائرة، في مشروع وطني ديمقراطي وشعبي، فلن يكتب له النجاح.

6