سمير التريكي تونسي يبحث في الهندسة العربية عن منظومات خفية

السبت 2017/03/25
مناهج البحث ضرورية في الفنون كما العلوم

تونس - في محاضراته التي كان يلقيها على طلبة الدراسات العليا في المعهد العالي للفنون التشكيلية بتونس، كان الفنان سمير التريكي يحث طلابه على أمرين؛ فلكيْ تكون باحثا عليك أن تشتبك مع فرضية للبحث جديدة وغير متوقعة حتى تصل إلى نتيجة مرجوة ومتوقعة. الجدّة والإضافة هما عماد البحث وضرورته. كما يجب على الباحث أن يضع على طاولته قاموساً أو معجماً، إذ لا معرفة صائبة من دون ضبط دقيق للمصطلحات والمفاهيم، للكلمات والمعاني، سواء تعلق الأمر بالفن أو بالعلم أو بشتى صور الفكر.

لطالما تساءل التريكي باستغراب عن أسباب فقر المكتبة العربية من الكتب والمصادر التاريخية والجمالية التي تبحث في العمارة والفنون وجماليات التراث العربي الإسلامي، ومن قبل كتاب وباحثين عرب في مقابل وفرة المصادر ومراجع المستشرقين عن التراث ذاته.

ذلك ما يجعلنا ننظر،غالبا، إلى تراثنا بعيون أولئك المستشرقين. مع أن التريكي يثني على جهود أولئك الباحثين الأجانب ويرى أنه لولاهم لكنا في وضع أسوأ، ولكن ثمة ضرورة حضارية وإنسانية تدعونا إلى أن نعتمد على لغة منتجة من داخل النظام المعرفي العربي وليس من خارجه.

يسأل التريكي كيف لنا، على سبيل المثال، أن نسلّم بمصطلح ” آربيسك” الذي تداولته مدونة الاستشراق الغربي في وصف التراث الجمالي العربي، ما يشير إلى مفارقة كبيرة لا يمكن فهمها وهو لا يتعلق بعجز “لغة في ثراء اللغة العربية وبلاغتها عن إفراز المصطلح الدقيق والمفهوم المناسب للتعبير عن ماهية فن حضارتها” والاكتفاء بقبول تعريف المستشرقين له بكونه فنا يتألف من “خطوط وحروف وأوراق متشابكة”.

ذلك ما يعتبره شكلا من أشكال الفصام الثقافي الذي يتقدم بقدر تطور نظرة الغرب إلى الفنون العربية الإسلامية، لذا يعتقد “أن كل لغة لا بد أن تعبّر عن مقومات حضارتها بنفسها”. إن المعنى يبقى حقيقيا حينما يكون قائما في بيئته.

ولد التريكي في مدينة صفاقس في العام 1950، وكان توجهه للفن قد تعزز بانخراطه في دار الشباب في مدينته بإشراف أستاذه الفنان التونسي خليل علولو. كانت تلك الدور الشبابية من إنجازات المسار البورقيبي في تونس الذي كان يهيّئ الممكنات الثقافية والتعليمية لجيل ما بعد الاستقلال ودفعهم للمشاركة في بناء دولة بمقومات عصرية.

مبادئ محددة ينطلق منها الفن العربي والإسلامي حسب التريكي وتعتبر من خصائصه المكرسة القائمة على مبدأ الإزاحة، وتعني الانتقال عبر محور أفقي أو عمودي ومبدأ الدوران ومبدأ الانعكاس والتناظر، وعندما يتكرر الشكل باعتباره محورا في الفضاء الفني المنجز سواء في العمارة أو في الفنون الجميلة المختلفة

تخرج عام 1976 في المعهد التكنولوجي للفنون والهندسة المعمارية والتعمير بتونس الذي سيتغير اسمه لاحقا إلى “المعهد العالي للفنون التشكيلية”. وتحصل على شهادة الدكتوراه في جامعة السوربون في باريس، والتي أعدها تحت إشراف الباحث الفرنسي في الفنون العربية الإسلامية ألكسندر بابلودي بولو.

كانت أطروحته تتعلق بدخول شكل المسجد إلى أفريقيا وكيف تطوّر على مدى خمسة قرون من الفتح الإسلامي حتى القرن الرابع الهجري (11 ميلادي)، حيث درس خلالها أهم المعالم الإسلامية في المدن التونسية “القيروان، الزيتونة، سوسة، صفاقس”، وكيفية تطور شكل المساجد فيها على ضوء التحولات المعمارية وعناصرها البنائية والجمالية.

بحثه ذاك كان استكمالا لتخصصه في الجماليات وتحصله على دبلوم الدراسات المعمقة عن بحثه المعنون “العنصر الزخرفي في الجامع الكبير بصفاقس”. عاد إلى تونس لينخرط في التدريس الجامعي. شغل منصب رئيس وحدة بحث في الممارسات الفنية الحديثة بتونس بالمعهد العالي للفنون الجميلة، ومديرا لمدرسة الدكتوراه فيه، ومديرا لذات المعهد العالي. كما شغل عدة مهام جامعية كان خلالها مساهما، كذلك، في الحياة الثقافية والجمعياتية كالاضطلاع بمهام أمين عام اتحاد الفنانين التونسيين، والمشاركات العديدة في ملتقيات علمية وأكاديمية داخل تونس وخارجها. كتب النقد في تجارب زملائه من الفنانين وأشرف على بحوث جامعية مضمنا في دروسه التي يلقيها في مرحلة الدراسات العليا مسائل تتعلق بالفنون التشكيلية العربية وجمالياتها الحديثة.

سحر التراث

منذ بداية الثمانينات من القرن العشرين، وبعد عودته من باريس، انخرط التريكي في الحراك الفني والثقافي الذي شهدته تونس في تلك السنوات، في ذات الوقت الذي كان خلاله يسعى إلى تحديث أداته البحثية ذات المنزع التراثي، باحثا في المادة الجمالية التراثية في بعدها النظري والتصويري بوصفها مرجعا معرفيا ومبحثا ذاتيا له بموازاة الاهتمام بأطروحات الحداثة وقضايا المعاصرة.

لم يكن ذا إنتاج غزير في الرسم كما حال جيله من الفنانين من أمثال خالد الأصرم والحبيب بيدة وعادل مقديش ونورالدين الهاني وناصر بن الشيخ والصادق قمش وغيرهم.

مفارقة كبيرة لا يمكن فهمها يتوقف عندها التريكي وتتعلق بعجز (لغة في ثراء اللغة العربية وبلاغتها عن إفراز المصطلح الدقيق والمفهوم المناسب للتعبير عن ماهية فن حضارتها) الآرابيسك على سبيل المثال، والاكتفاء بقبول تعريف المستشرقين له بكونه فنا يتألف من "خطوط وحروف وأوراق متشابكة"

كانت لحظة انغماره التام في الرسم حين اكتشافه المفردة الزخرفية وتوسم إيقاعيتها بعد انقطاعات متعددة جراء انشغالات بحثية وبيداغوجية. يذكر عن تلك اللحظة “لولا اكتشافي للمفردات ولإيقاعاتها الرياضية في الفن الإسلامي خلال سنوات البحث الميداني لتابعت انقطاعي عن التصوير”.

مثل هذا الخيار الجمالي سيولد لديه علاقة لجوجة للمفردة الزخرفية مع السطح التصويري والبدء منها في النظر والتفكر في العمل الفني ومعاينة تجربته من خلال هذه الوحدة الأصيلة، مواظبا على اهتماماته التحديثية بالأطروحة الفنية في متنها المكتوب أو في أثرها التصويري المتوفر في بيئته المحلية.

منظوماته المبتكرة

يحتفظ التريكي بتصور مفهومي عن المبادئ والعناصر التشكيلية للفن العربي الإسلامي، ومعاينا هذا الإرث بكونه غاية جمالية في ذاته. ثمة مبادئ ينطلق منها هذا الفن وتعتبر من خصائصه المكرّسة القائمة على مبدأ الإزاحة، وتعني الانتقال عبر محور أفقي أو عمودي ومبدأ الدوران ومبدأ الانعكاس والتناظر وعندما يتكرر الشكل باعتباره محورا في الفضاء الفني المنجز سواء في العمارة أو في الفنون الجميلة المختلفة.

من صلب هذا الفهم يبتكر التريكي منظومته التصويرية زخرفية الطابع بهندسية تتسم بالصرامة والرصانة عبر بناء تشكيلي معقلن. وبصيغة أشكال منظومة تولّد بعضها بعضا وتعيد وجودها حينا في نسق لولبي وحينا مائلا أو حركيا، وكأنها تحاكي الطبيعة في توالد أشكالها ووجودها الخلاق وفيضها المتحول ونظامها الذي يكتفي بوجوده المتجدد من خلال صيرورته.

يصف الفنان والباحث التونسي الحبيب بيدة تجربة الفنان التريكي بكونها “تظهر مفردات منتظمة في أنساق خطية تتجاور وتتداخل متشابكة في كل الاتجاهات الكونية، عمودا متوازنا وأفقا مستقرا أو مائلا حركيا وهو في هذا الحال تشبيه بالمتصوفة في نشودهم نشيد الحقيقة”.

الحدس المعرفي

تجربته قائمة على حدس معرفي تتجلى في طاقة تصويرية متجددة تخضع لها الأشكال والوحدات الزخرفية المبتكرة في لوحاته والتي لا تتردد في الإشارة إلى مرجعياتها كما الانتقال بهيئتها على شكل مربع أو مثلث أو معيني. لا شك أن هذه الممارسة جاءت جراء فهم عميق للعلاقات الرياضية وأبعادها التي تسكن النسق الزخرفي في الفن العربي وتراكيبه المتواشجة في نسيج العمارة العربية الإسلامية المتوسطية منها تحديدا.

هندسة تتسم بالصرامة

يستمد الفنان التريكي بناء وحداته التشكيلية وطبيعة تمثّلها على السطح الصوري للوحاته من مبدأ رياضي يدعى بمنظومة أو مجموعة الاعتدال، أي بتكوين مفردات قابلة على ابتكار تكويناتها الفنية انطلاقا من وحدة تشكيلية معينة تتوزع باعتدال في مساحات الفضاء البصري ككل، وفي صيغة حضور خاضع للتنوع والإيقاع والتناغم، وعبر هذا التوالد يتحقق مثال التفرد وتميز الشيء عن أصله الذي يأتي منه. وهو الإجراء الذي لطالما تمت الاستفادة من تطبيقاته في العمارة والتشكيل والفنون الحرفية.

تزخر لوحات سمير بتناغم لوني قائم على المجاورة في علاقة بصرية تميل إلى تحقيق قدر من التوافق قائم على توزيع

منتظم ومماثل للدرجات اللونية التي تبتعد جراء تقشفها عن التضاد اللوني والانعكاسات البصرية الحادة. حيث تتردد الدرجات اللونية بانتقالات هادئة، متناغمة، مرة وهي تشغل فضاء السطح التصويري للوحة ومرة أخرى وهي تعيّن شكل الوحدة الزخرفية وهيئتها المبتكرة في انتظام إيقاعي قائم على الانعكاس والتناظر والتنوع ما يمنح لوحاته تنوعا لونيا يؤثر حيوية بصرية لافتة، كاشفا ضمن هذا الفضاء الحاشد بالانتظام مماثلة الظاهر والباطن، الإفصاح والكتمان، الشكل والجوهر.

عبر هذا التأصيل الجمالي والشكلي الذي لم يتخلّ عن تحديث وجوده تندرج تجربة التريكي كما يذكر الباحث فاتح بن عامر باعتبارها “نموذجاً عن البحث التشكيلي المتواصل تواصل الحياة والمسترسل كمتواليات عددية أو متواليات هندسية منوالا أتاه العرب القدامى وتنفسته فئة قليلة من الوارثين”.

لطاما نظر التريكي إلى نفسه بكونه فاعلا في الفن وفي البحث وفاعلا في المجتمع الأكاديمي والمدني، وحسب الطريقة والظروف والصدف. هو ذاته في ممارسة العمل الفني أو في التفكير في الفن أو في الكتابة على ورقة بيضاء. وكل إضافة ممكنة لديه لا تتأتّى إلا من خلال الجدل والتفكر والتأمل والاختلاف. له الحق في أن يعمل أو ينجز لنفسه، شرط عدم التطاول على حق الآخر، لذا هو غير مطالب كفنان بأن يتفاوض من أجل فنه. تجربته النظرية والجمالية مسكنه الذاتي وفصول سيرته كما أن الفن والفكر لديه ممارسة للوجود وللحرية في بعدها الخلاق ومن دون تحديد أو تصنيف.

14