سمير الرفاعي سليل نخبة رسمت الحياة الاقتصادية الأردنية

السبت 2016/02/13
واجه لعنة الاشتباك مع الشارع التي تلاحق عائلته

عمّان - ثلاثة أحداث تاريخية في الأردن، وقعت ما بين عام 1963-2011، شكلت علامات فارقة بين النظام السياسي والشارع الأردني. وفي هذه المناسبات الثلاث، كان على عائلة الرفاعي الأردنية أن تدفع فيها الثمن. في الأولى أُسقطَ الجد، وفي الثانية الأب، وفي الثالثة الابن.

عناوين كثيرة دفعت المجلس النيابي السابع عام 1963 إلى الاصطدام مع الحكومة المشكّلة حينها، واندلعت أزمة سياسية في البلاد أفضت في نهاية المطاف إلى إعلان القصر إلغاء الأحكام العرفية في البلاد فسقط رئيس الوزراء آنذاك (سمير الرفاعي الجد). هذا عن الجد فماذا عن الأب؟ كانت الأزمة التي اندلعت عام 1989 منعطفاً ثانياً في تاريخ الأردن، عاد القصر منها إلى إلغاء الأحكام العرفية مجددا، فسقط مرة أخرى (الرفاعي الأب).

هل انتهت اللعنة السياسية التي تلاحق الرفاعية؟ لا لم تنته. فقد كان على العائلة انتظار موعد مع العام 2011 عند اندلاع مظاهرات احتجاجية ضد سياسات حكومة سمير الرفاعي الاقتصادية. بالإضافة إلى المطالبة بالإصلاح السياسي، ولتندلع حقبة تاريخية لم تطح به فقط، بل أطاحت بالعديد من الأنظمة العربية.

ضد الإرهاب

كتب سمير الرفاعي مقالة ضد الإرهاب، نشرت في جريدة الرأي الأردنية تحت عنوان “حتى لا تصبح أجيالنا القادمة بقيّة داعش والنصرة”، قال فيها “هل وصلنا إلى مرحلة نفاضل فيها بين السيء والأسوأ، وهل نترحم على دكتاتوريّات حكمت، فوحّدت الناس، ولم تميّز حتى في استبدادها بين فريق وآخر، ومذهب وملة، مع تنظيمات ظلامية، تسود اليوم وتنتشر، فتبث الكراهية والتفرقة والتفتيت، وعلى أسس مذهبيّة وعرقيّة ومناطقيّة”.

من المؤكد أن موقف الرفاعي محسوم من قضية الإرهاب. لكنه لا يغادر الالتباس السائد حول الديمقراطية والحرية التي تطمح لها شعوب المنطقة.

يمثل سمير الرفاعي الابن السياسي المستنير، الذي يقف ضد الإرهاب والرجعية، ويدعو إلى سياسات أكثر تقدمية. بينما ترى مواقفه إبان توليه رئاسة الحكومة متوجّسا من الإجراءات السياسية والدستورية التي من شأنها أن تعمق الديمقراطية، كالموقف من قانون الانتخاب، وقانون الأحزاب، وحرية الصحافة، والحريات العامة عموما.

وبينما يرفع شعارات التنوير والتحديث تراه يعتمد في تشكيلته الحكومية على وزراء وشركاء لوالده في حكومات الثمانينات من القرن الماضي. هو التباس آخر يمتد إلى الفكر الاقتصادي للرجل. فنراه يستحضر رجائي المعشر الاقتصادي القوي وشريك والده زيد الرفاعي، في حكومات مرّ على تشكيلها أكثر من ثلاثين عاما. فيقلده منصب نائب الرئيس ويعهد إليه بالملفات الاقتصادية.

14 من أصل 75

ينتمي سمير زيد سمير الرفاعي إلى عائلة سياسية كان لها حضورها القوي في التاريخ السياسي الأردني. فلقد شكلت هذه العائلة نحو أربع عشرة حكومة أردنية من مجموع الحكومات الأردنية، الذي بلغ نحو خمس وسبعين حكومة على مدى التاريخ الأردني المعاصر، منذ تشكيل إمارة شرق الأردن إلى هذه اللحظة.

المحك الحقيقي للعائلة السياسية الرفاعية يتجسد في حقل الاقتصاد حيث بلغت الأزمات في أواخر الثمانينات مبلغا لم تبلغه من قبل، حين تعرض الأردن إلى أزمة اقتصادية ومالية خانقة.

عمل جده مع الأمير عبدالله بن الحسين، الذي أصبح لاحقا ملك المملكة الأردنية الهاشمية المؤسس. وعمل والده مع الراحل الملك الحسين، بينما عمل هو مع الملك عبدالله الثاني في عدة مواقع مهمة، كان أبرزها اعتلاؤه سدة رئاسة الوزراء.

ملفات هامة

هو حفيد الرفاعي الجد، الذي انضم إلى العمل في جهاز الدولة الأردنية منذ تأسيس الإمارة، وصار أول رئيس لوزراء المملكة الأردنية الهاشمية المستقلة، وهو أول رئيس وزراء أشرف على انتخاب أول مجلس أمّة مكوّن من الغرفتين التشريعيتين، مجلس النواب ومجلس الأعيان، كما شكل الجد ست حكومات في فترة بدأت أولاها عام 1944 وانتهت آخر حكوماته عام 1963، ولما تبلغ من عمرها 23 يوما فقط.

كما أن والده زيد الرفاعي شكل أربع حكومات، في فترات تاريخية هي من أعقد الفترات التاريخية الأردنية، وفيها شكّل أربع حكومات امتازت بطول عمرها، فمنذ مطلع الستينات حتى أواخر الثمانينات وهو يتناوب مع غريمه وشريكه مضر بدران على تشكيل الحكومات.

سمير الرفاعي الابن يمثل السياسي المستنير، الذي يقف ضد الإرهاب والرجعية، ويدعو إلى سياسات أكثر تقدمية، بينما يبدو إبان توليه رئاسة الحكومة متوجسا من الإجراءات السياسية والدستورية التي من شأنها أن تعمق الديمقراطية، كالموقف من قانون الانتخاب، وقانون الأحزاب، وحرية الصحافة

هو تناوبٌ أدى إلى تحمل هذين القطبين -في ما بعد- وزر مشاكل السياسة الأردنية. وعقدها الكأداء وعلى رأسها “المديونية”، وهذا ما فطنت إليه حكومة زيد بن شاكر، فكُلف المالي باسل جردانة بدراستها، وحينها نشأت نزاعات التنصل من تحمل المسؤوليات عبر نقاش “من يتحمل عواقب وعقابيل المديونيات؟ من وقّع اتفاقياتها؟ أم من تسلّمها وأدارها، أم أنهما الاثنان معا؟”.

خلصت نتائج الدراسة لتوزيع مسؤولية المديونية بين رئيسي الحكومة اللذين كانا يتداولان على السلطة؛ مضر بدران وزيد الرفاعي. واللذين حكما فيما بينهما نحو 15 سنة في السبعينات والثمانينات من خلال أربع حكومات لكل منهما.

هي سياسات نتجت عنها هبة نيسان التي أطاحت بحكومة الأب عام 1989م، وليس ذلك بأمر نادر. في الحقيقة هي عقدة تطارد الرفاعية كلما تسلم أحد منهم رئاسة الوزراء. فما جرى للحفيد سبق وجرى قبله للجد، وسيحدث لاحقا مع الأب عام 1989.

الاقتصاد

المحك الحقيقي للعائلة السياسية الرفاعية كان في عام 1989 حيث بلغت الأزمات مبلغا لم تبلغه من قبل، وفي العودة إلى تلك الأيام، نجد أن الأردن تعرض إلى أزمة اقتصادية ومالية خانقة، كان من أهم مؤشراتها ارتفاع عجز الموازنة قبل المساعدات إلى أكثر من 20 بالمئة من الناتج الاجمالي، وتفاقم المديونية، لتصل إلى أكثر من 190 بالمئة من الناتج الإجمالي للدخل القومي. وعجزت الحكومة عن تسديد مستحقات المديونية، بل توقفت عن التسديد تماما.

رافق كل ذلك ارتفاع كبير في معدل التضخم ليبلغ 25.7 بالمئة، وانهار سعر صرف الدينار الأردني مقابل الدولار الأميركي من 2.96 دولار عام 1987 إلى 1.47 دولار عام 1991، وحدث تدهور كبير في احتياطيات البنك المركزي الأردني من العملات الأجنبية، وحدث انكماش في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بأكثر من 13 بالمئة، فارتفع معدل البطالة إلى حوالي 20 بالمئة، ومعدل الفقر من 3 بالمئة عام 1987 إلى 14 بالمئة عام1992، حسب الإحصاءات الرسمية.

نتيجة لهذه الأزمة اضطرت الحكومة الأردنية، آنذاك، إلى اللجوء لصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. والتوقيع على برامج استقرار وتصحيح هيكلي اقتصادي، من أجل الحصول على تمويل سريع لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار.

كفاءة وعلم واحتراف للسياسة

ما يميز العائلة هو العلم والكفاءة. فسمير الجد خريج الجامعة الأميركية في بيروت. بدأ حياته العملية كموظف في فلسطين إبان الانتداب البريطاني، لكن لاحقا استقطبته الإمارة الناشئة شرقي النهر ليشغل مناصب إدارية أخذت طابع التأسيس لدوائر الدولة الأردنية. وليعهد إليه، فيما بعد، تشكيل ست حكومات لم يبلغ عمر أيّ منها السنة، بل إن آخر تلك الحكومات لم تدم إلا نحو ثلاثة وعشرين يوما، وذلك لطبيعة المرحلة القلقة، كمرحلة تأسيس تعتورها مثيرات القلق وإعادة النظر بعد كل خطوة خوفا من التعثر.

ليتبعه شقيقه الشاعر عبدالمنعم على الطريق ذاتها، وهو من ألّف قصيدة السلام الملكي في الثلاثينات من القرن الماضي، فيشكل حكومة. ومن ثم ابنه زيد الذي درس في جامعة هارفارد فشكل أربع حكومات، ربما هي من أطول الحكومات عمرا، تخللها الكثير من القلاقل، وكان معروفا بقدرته على تلطيف الأجواء وترطيبها مع الجار حافظ الأسد.

أما سمير زيد الرفاعي، فرغم أنه يستند إلى المدرسة الرفاعية ذاتها، ورغم أنه تأسس على تقاليدها السياسية، ودرس في جامعة هارفارد الأميركية وكمبردج البريطانية، إلا أنه يحاول الامتياز بالتجديد.

هو وبعد أن تدرج في المناصب الحكومية إلى أن صار وزيرا للبلاط، اتجه إلى القطاع الخاص، وترأس إدارات العديد من الشركات، ليجرّب الإدارة من دفتها الثانية غير البيروقراطية.

طوال فترة تسلم النسور رئاسة الوزراء ينشط سمير الرفاعي على تويتر، ومن خلال مقالات وندوات وزيارات، تثبت حضوره الاجتماعي القوي كمعارض.

شكّل الرفاعي الحفيد حكومته الأولى بلمسات واضحة من الوالد الذي تعتّقت خبرته. لكنه لا يلبث أن يعاني مساوئ التوريث، فيُنظر إليه من خلال سيرة العائلة الساكنة للخيال الشعبي، التي بدأت مع الجدّ سمير، وهتافات الأردنيين ضد “سنين القحط” التي سادتها من نوع “سنة سمير، لا قمح ولا شعير”.

بطبيعة الحال، ليست ببعيدة عن ذلك مشاهد هبة نيسان الأثيرة والهتافات العالية المطالبة بتنحية حكومة زيد الرفاعي. إنها ذكريات للمعارضين وللمنافسين معا، كمأخذ على أسرة الرفاعية، وذكريات مؤلمة لأصحاب الذكريات.

على وقع الاحتجاجات يضطر سمير الرفاعي إلى تقديم استقالته عام 2012، وعلى صفحته الرسمية على التويتر، حذف لقب “رئيس وزراء الأردن” وكتب “مواطن أردني فخور”، إيذانا بعدم الاستسلام، والعودة كرّة أخرى. فلا زال أمامه الكثير ليفعله.

معارك سياسية

كانت ثمة أجواء من الخصومة والتنافس بين سمير الجد وتوفيق أبو الهدى وإبراهيم هاشم، وكذلك نشأت خصومة حامية الوطيس بين الأب زيد ومضر بدران، شريكه في خمس عشرة سنة من التناوب على الحكم.

لكن المعركة القريبة كانت وما زالت مع الخصم اللدود، رئيس الوزراء الحالي الدكتور عبدالله النسور، فلم يزل صوته القوي في الانتخابات البرلمانية عام 1989 في الذاكرة، حين قال لأهل السلط “احملوني إلى عمّان لأحاسب الفاسدين” في إشارة لمحاسبة الحقبة الرفاعية.

لكن الأسلحة هذه المرة تطورت. فزيد الرفاعي، وهو المتسلح بالخبرة والحنكة، هو من رشّح لصاحب القرار عبد الله النسور لمنصب رئيس الوزراء، ربما ليذيقه مرارة الكأس ذاتها.

طوال فترة تسلّم النسور رئاسة الوزراء سينشط رئيس الوزراء السابق (الحفيد) على تويتر، ومن خلال مقالات يطلّ بها بين الحين والآخر. أو من خلال ندوات وزيارات، تثبت حضوره الاجتماعي القوي. لكن الخطاب المعارض لا يؤهله لدور المعارض، وهو المتبوع بكل ذلك الإرث، إرث مرصود لأكثر عائلة تربّعت في قمرة القيادة، مارست من خلالها السلطة، واتخذت القرارات الملموسة نتائج سياساتها بين الناس اليوم.

12