سمير جعجع: حتى يصبح المسيحيون رقما صعبا

يستغرب أفراد في القوات اللبنانية الريبة التي صاحبت ترشيح سمير جعجع، رئيس حزب القوات، لميشال عون، بينما تم القبول بترشيح سعد الحريري لسليمان فرنجية؛ رغم انتمائهما نظريا لقوى الثامن من آذار. وردّ جعجع على ما يتردّد عن خلافات بينه وبين تيار المستقبل بأن حلف القوات مع المستقبل استراتيجي، أما بالنسبة لحزب الله فلا مانع من فتح قنوات التحاور معه لكن يحول دون ذلك الدور العسكري الذي يلعبه الحزب، الذي يرشح بدوره ميشيل عون لانتخابات الرئاسة اللبنانية.
الثلاثاء 2016/04/05
تنامي شعبية سمير جعجع لدى السنّة في لبنان الذين اعتبروه حليفا حقيقيا صلبا

بيروت- ربما تفاجأ أركان تحالف 14 آذار من الأنباء التي تحدّثت قبل أشهر (وقبل أن يصبح الأمر علنيا) عن تواصل بين الرئيس سعد الحريري والوزير سليمان فرنجية يمهّد لترشيح الأخير لرئاسة الجمهورية في لبنان. لكن الأكيد أن نفس الأركان صعقوا من قرار الدكتور سمير جعجع ترشيح خصمه الجنرال ميشال عون لنفس المنصب، ذلك أن ما بين الرجلين والتيارين تاريخ دموي دراماتيكي وراهن من الخصومة والتنافس داخل الصفّ المسيحي.

شخصيتان عملتا بأناة وصبر على بناء “الصرح المسيحي” الجديد من خلال التوصل إلى “ورقة تفاهم”(أطلق عليها إسم "إعلان النوايا") بين التيار الوطني والقوات اللبنانية: إبراهيم كنعان وملحم رياشي. في ثنايا المداولات ما قد يشي أن مشروع التفاهم/التحالف هو، ربما، وليد إيمانهما الشخصي في إنتاجه، حيث عملا بهمّة على إنضاجه وتسويقه داخل “معسكريهما”. وفي تعبير “الورقة” و”التفاهم” ما يذكّر بتلك التي خرج بها الجنرال ميشال عون والسيّد حسن نصرالله (6 فبراير 2006)، وكأن “تفاهم” هذه الأيام يروم الإنقلاب على “تفاهم” تلك الأيام.

لن يبذل الطرفان جهدا كثيرا لتبرير تفاهم اليوم ومدى تناقضه/اتّساقه مع تفاهم الأمس. هكذا هو تعريف السياسة بالنهاية، من حيث أنها إدارة للمنافع والمصالح، وفي اتفاق الطرفين حصاد يُقطف وفق أجندات قد تختلف وتتباين. على أن المشترك في دوائر الطرفين غاية هدفها تعظيم الرقم المسيحي في لبنان ليصبح عصيّا على الاختراق والتلاعب من قبل “الحلفاء” المسلمين قبل الخصوم. في ذلك نزوع نحو إطفاء “الحرتقات” المسيحية المسيحية، وتصديرها، ربما، إلى خارج الفضاء المسيحي.

هي ثنائية مسيحية شبيهة بالثنائية الشيعية على ما ينتقدها د. فارس سعيد، المنسق العام لقوى 14 آذار، وهو يعتبر أنها “إنشاء لقبيلة مسيحية مقابل القبيلة المسلمة”، فيما الوزير السابق مروان حمادة، أحد أركان “الحلف السيادي”، يقول لي إنه “لا يتفهم ولا يقبل ترشيح 14 آذار لمرشحين من 8 آذار”. ويغمز وليد جنبلاط من قناة سمير جعجع ويعتبره خارج اصطفاف 14 آذار، ويقول لي “جعجع لا يُصنّف”؛ أما بقية المكوِّنات المسيحية، لا سيما حزب الكتائب، فلا يمكنها أن تنظر بعين ودّية إلى تحالف الكبار الذي قد تتسرّب منه إقصائية كامنة.

ورقة "إعلان النوايا"

يدافع القوّاتيون عن خيارهم بأن عدّة العرس في معراب مرّت بـ”معمودية” النقاط العشر التي نقلت الجنرال وفريقه نحو الضفة السيادية التي ما فتئ الحكيم يدافع عنها ويعتبرها من ثوابت أدائه السياسي؛ وهذه النقاط هي:

1- الإيمان بلبنان وطنا نهائيا حرا وبالعيش المشترك وبالمبادئ التأسيسية التي وردت في مقدمة الدستور.

2- الالتزام بوثيقة الوفاق الوطني التي أقرت في الطائف واحترام أحكام الدستور من دون انتقائية وبعيدا عن الاعتبارات السياسية والتفسيرات الخاطئة.

3- اعتماد المبادئ السيادية في مقاربة المواضيع المرتبطة بالقضايا الإقليمية والدولية.

4- تعزيز مؤسسات الدولة وثقافة الاحتكام إلى القانون وعدم اللجوء إلى السلاح والعنف أيا كانت الهواجس.

5- دعم الجيش معنويا وماديا وتمكينه وسائر القوى الأمنية الشرعية من التعامل مع الحالات الأمنية كافة على كل الأراضي اللبنانية بهدف بسط سلطة الدولة وحدها على كامل الأراضي اللبنانية.

6- ضرورة التزام سياسة خارجية مستقلة بما يضمن مصلحة لبنان ويحترم القانون الدولي وذلك بنسج علاقات تعاون وصداقة مع جميع الدول لا سيما العربية منها، بما يحصن الوضع الداخلي اللبناني سياسياً وأمنياً ويساعد على استقرار الأوضاع. كذلك اعتبار إسرائيل دولة عدوة والتمسك بحق الفلسطينيين بالعودة إلى أرضهم ورفض التوطين واعتماد حل الدولتين ومبادرة بيروت 2002.

7- ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانية السورية وبالاتجاهين وعدم السماح باستعمال لبنان مقراً أو منطلقاً لتهريب السلاح أو المسلحين.

8- احترام قرارات الشرعية الدولية كافة والالتزام بمواثيق الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية.

9- العمل على تنفيذ القرارات التي تم التوافق عليها في طاولة الحوار الوطني.

10- ضرورة إقرار قانون جديد للانتخابات يراعي المناصفة الفعلية وصحة التمثيل بما يحفظ قواعد العيش المشترك ويشكل المدخل الأساسي لإعادة التوازن إلى مؤسسات الدولة.

تستغربُ أوساط “القوات اللبنانية” تلك الريبة من ترشيحها لميشال عون، فيما تمّ هضم ترشيح سعد الحريري لسليمان فرنجية. المرشحان ينتميان نظريا لقوى الثامن من آذار، قد يكون في ذلك “إثم”، لكن القوّاتيين يعتبرون أن في مقارنة الشخصيتين والتجربتين ما يحملُ ماء إلى طاحونة ذلك “التفاهم” القوّاتي العوني. تذكر أوساط مقربة من “الحكيم” أن سليمان فرنجية هو على يمين 8 آذار ومن أركانه الأساسيين ومن قواه الضاربة ومن صلب النظام السياسي الأمني الذي كان يحكم لبنان في لحظة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

تذكّر تلك الأوساط أن “الجنرال” لم يكن موجودا في مظاهرة الثامن من آذار، وكان ما زال في منفاه الفرنسي، فيما فرنجية كان حاضرا بقوة وعزم داخل التشكّل الجديد الذي قام بعد أسابيع فقط على حدث الاغتيال. بمعنى آخر تعتبرُ الأوساط القوّاتية أن فرنجية أصل في ذلك التحالف، فيما عون متحالف من خارج هذا الاصطفاف.

اتفاق معراب

يدافعُ القوّاتيون عن خيارهم بأن عدّة العرس في معراب (حيث تم الاحتفال بالتفاهم والترشح) مرّت بـ”معمودية” النقاط العشر التي نقلت الجنرال وفريقه نحو الضفة السيادية التي ما فتئ “الحكيم” يدافع عنها ويعتبرها من ثوابت أدائه السياسي. وحين تسألهم عن أهمية “الورقة” ومدى إمكانية تحوّل مضمونها إلى حبر على ورق في حال توفّر لعون الولوج لقصر بعبدا، يأتيك ردّ واثق ينهلُ، للمفارقة، من ثقة بتحوّلات كبرى داخل الصف العوني، كما بمحدودية خيارات عون، حتى وهو في بعبدا رئيسا.

لكن مراقبين يرصدون “التفاهم” بدقّة، يعتبرون أن الاتفاق القواتي العوني ليس مقامرة انفعالية وليدة خيارات الرئيس سعد الحريري في زغرتا (مسقط رأس فرنجية)، بل إنها ثمرة حسابات دقيقة وفطنة واستشراف حاذق. يرى العارفون بالجوّ المسيحي أن الكتلة الاجتماعية العونية مرتبطة بزعامة شخص ميشال عون دون غيره، وأن الانتخابات الأخيرة داخل التيار الوطني الحرّ أفرجت عن تصدّعات خبيثة لا تواريها إلا زعامة الجنرال وحضوره، وأن أي غياب للزعيم، لأي سبب من الأسباب، يفتح مجال قطف ثمار تلك الكتلة داخل الحدائق القوّاتية، وأن إعلان التحالف بين التيارين بمباركة الزعيمين يجعل من تماهي القواعد، في موسم الانتخابات البلدية هذه الأيام، يسيرا سلسا يتجاوز بسهولة الذاكرة الدراماتيكية المشتركة. حتى أن أغنية “أوعا خيّك” التي يجري إعدادها وترويجها هذه الأيام تتحدث عن “سمير وبشير وعون”، ستعزز ذاكرة جماعية تغرف من تاريخ مسيحي مشترك في حقبة معينة، تدعم مفهوم “وحدة الحال” عند أنصار التيارين.

في الحسابات أيضا ما رآه واحد من متأملي السياسة في لبنان، من أن “الحكيم” رابح في حال انتخب عون رئيسا، كونه الحليف الأول له داخل الصف المسيحي، وهو رابح أيضا في حال انتخب فرنجية، كونه سيتحوّل إلى معارض قوي للرئيس الجديد من خلال تحالفه مع عون. بيد أن في تلك الحسابات المسيحية المسيحية ما يقلق المتخوفين من عودة الاصطفافات الطائفية بين مسلمين ومسيحيين. فارس سعيد يخبرني أنه “يخشى حربا طائفية باردة يسهلُ تسخينها”، فيما الوزير السابق مروان حمادة يستبعد الاصطفاف الطائفي معوّلا على “لا طائفية سعد الحريري ومذاق التحالف مع المسلمين الذي تمتع به جعجع منذ عام 2005”. هنا لا بد من الإشارة إلى ظاهرة لافتة في تنامي شعبية سمير جعجع لدى السنّة في لبنان الذين اعتبروه حليفا حقيقيا صلبا، وحتى معبّرا عن مواقف قد لا يجدونها أحيانا داخل تيار المستقبل.

بين القوات والمستقبل

تجاوز جمهور “الحريرية” بشكل جذري ذاكرة الحرب الأهلية وأعادوا تأهيل “الحكيم” في أذهانهم، حتى أن بعض المبشّرين بذلك، يتحدثون عن أن الحكيم كان بإمكانه قطف أنصار مسلمين في مناطق إسلامية دون عناء.

قد يكون في الأمر مبالغة وقد لا يكون، ذلك أن خلفية “القوات” تستند على خطاب مسيحي يشتغل على الخصوصية المسيحية، وإن كانت تجربة التحالف مع “المستقبل” أوجدت لدى القواتيين وعيا جماعيا جديدا يتمسك بالشراكة بين المسلمين والمسيحيين.

فرنجية من صلب 8 آذار وعون حليف طارئ عليه، والحريري كان يعرف موقف جعجع برفض ترشيح فرنجية

تحدثني إحدى الشخصيات المقربة من “الحكيم” عن تنامي أعداد المسلمين في صفوف القوات، وحين أسأله عن مدى فلكلورية الأمر مقابل دفاع “القوات” عن حقوق المسيحيين، يجييني “نحن ندافع عن المسيحيين بصفتهم لبنانيين وندافع عن حقوق أي مواطن”. ومع ذلك لا يبدو حتى الآن، في الخطاب القواتي، ما سيتبدل كثيرا من خلال حقن الحزب بجرعات من الأنصار المسلمين. بشأن برودة ما أصابت تحالف “القوات” و”المستقبل”، تؤكد أوساط القوات أن سمير جعجع كان أبلغ سعد الحريري رفض ترشيح سليمان فرنجية، وأن مضيّ الحريري بخياره تداعى ربما على متانة التحالف، وحتى على مبدأ وتعريف التحالف، أي تحالف. ولا شكّ أن المراقب قد لاحظ تدهور علاقات الطرفين لساعات إثر ملاحظة الحريري في خطاب البيال حول المصالحة المسيحية، ما استدعى زيارة للحريري إلى معراب ومسارعة الزعيمين إلى تدارك الأمر.

سيأتي من يقول إن مبادرة الحريري إزاء فرنجية عابرة للطوائف، فيما مبادرة جعجع إزاء عون تقفل الحدود بين الطوائف. يعرب لي الرئيس اللبناني ميشال سليمان عن خشيته من التحالفات الطائفية، فيما تؤكد أوساط القوات الإيمان بالشراكة الكاملة بين المسيحيين والمسلمين، ويسرّ لي مقرّب من زعيم القوات أن “الحكيم” بات مؤمن بأن المسلمين حريصون على لبنان حرص مسيحييه، وأن الحلف مع تيار المستقبل استراتيجي، ذلك أن التيار الأزرق “نقيض داعش والتطرف”.

تفخر أوساط القوات أن تفاهمها مع العونية جذب الجنرال نحو “الطائف”، بالتالي نقله نحو خيارات مبدئية ما برحت تدافع عنها في الإيمان بالدولة والقانون والدستور. يريد الحكيم انفتاحا على كل الأطراف في لبنان. أسأل محدثي حتى مع حزب الله؟ نعم حتى مع حزب الله، يجيب، “مستعدون للحوار مع حزب الله، لكن الحزب غير جاهز بعد ومتمسك بدوره العسكري خارج الشرعية”. الحزب “غير جاهز”، فيما للمفارقة، اعتبر السيد حسن نصرالله منذ أسابيع أن الأمور “غير ناضجة” لقيام مثل هذا الحوار مع القوات. الأمر إذا ما زال دونه “جهوزية” و”نضج”. لا يبدو أن علاقات الحكيم مع الرياض تأثّرت بتحالفه الجديد من الجنرال. تعرف القوات أن فيتو سعودي يغلق أبواب بعبدا أمام ميشال عون، ومع ذلك فإن علاقة جعجع بالسعودية ممتازة، على حد تعبير محدثي، “ذلك أن المملكة تحترم خياراتنا”. في ذلك يبدو سمير جعجع رشيقا في حركته الداخلية متمتعا بعمق إقليمي ومظلة ما تؤمنها الرياض.

يتحالف جعجع مع عون كي يصبح المسيحيون رقما صعبا لا يمكن تجاوزه. لكن منتقدي الجنرال طالما اعتبروا أن رفعه لواء الدفاع عن حقوق المسيحيين يمر بما يشبه “الذمية السياسية” في العلاقة مع حزب الله، فيما يجوز لجعجع أن يفخر أن دفاعه عن المسيحيين في الماضي وفي الحاضر جاء من موقع الاستقلالية والندية، ذلك أن تحالفه مع تيار المستقبل لم يحيله متظللا بالخيمة الزرقاء، لا بل طالما اشتكت أوساط سعد الحريري من أن جعجع لم يؤمن الغطاء الذي وفّره عون لحليفه (حزب الله). على أن تأملا لحدث التحالف بين جعجع وعون يقود إلى ملاحظة “ضربة معلم” لا تخفي أوساط حزب الله ريبة منها خصوصا وأن موقف الحزب في عدم المضي بترئيس مرشحهم ميشال عون ينفخ رياحا مجانية في طاحونة سيّد معراب.

كاتب سياسي لبناني

7