سمير درويش يرفع الغطاء عن أحوال الثقافة والمثقفين في مصر

الثلاثاء 2014/09/09
سمير درويش: يجب أن نستفيد من جهود كل الناس

يحضر سمير درويش في الحركة الثقافية المصرية والعربية، ليس فقط لكونه شاعرا قدّم أحد عشر ديوانا شعريّا، حقق فيها خصوصية وفرادة قصيدته، لغة ورؤية وتقنية، ولكن أيضا بصفته مثقفا مستنيرا وواعيا، يتابع عن كثب حركة الثقافة والإبداع، ويشارك في فعالياتها وأنشطتها المحلية والدولية، ويكتب في شؤونها وهمومها.

كشف الشاعر سمير درويش منذ توليه رئاسة مجلس تحرير مجلة الثقافة الجديدة عن وعي خاص بقضايا الثقافة وتفاعلاتها مع مجريات الأمور على الساحة المصرية ففتح الكثير من القضايا الشائكة للحوار دون أن يغفل متابعة إبداعات الكتاب، ليحقق بشهادة الحركة الثقافية نجاحا كبيرا للمجلة التي كانت قد أشرفت على الموت. في هذا الحوار معه نخوض مع الشاعر في قضايا الحركة الثقافية، وما تشهده من تطورات سواء إيجابية أو سلبية.


الواقع الثقافي


بداية يؤكد سمير درويش أن الواقع الثقافي في مصر عشوائي، شأنه شأن كل شيء فيها، فلا خطط ولا هدف ولا مشروع يلتف حوله المثقفون ولا برامج ولا توقيتات، كل شخص -من الوزير إلى المدير- يهدم ويبني حسبما يرى، ويأتي الذي بعده فيهدم.. إلخ.

لذلك يعتبر أن ما يفعله ويقوله جابر عصفور ليس غريبا ولا ناتئا ولا نشازا، بالعكس، هو متسق مع الفوضى التي نحياها، بل إنه صانعها الأساسي، باعتباره الرجل القوي بوزارة الثقافة في ربع القرن الأخير، وما يفعله الآن ربما تصحيح لما فعله قبل ذلك، أو تجريب لطريقة جديدة، أو تبييض وجه.. أو كل ذلك. في مصر مؤسسات ثقافية شكلانية: مواقع قصور وبيوت الثقافة منتشرة في كل قرى ونجوع مصر، لكنها مغلقة، أو مفتوحة دون معنى.

ويرى درويش أن مصر لا تمتلك مسؤولا سياسيا مثقفا، ويؤكد قائلا: “فاقد الشيء لا يعطيه، لذلك يتعاملون مع الثقافة والمثقفين بلا اكتراث، ويرونهم مجموعة من المختلفين الذين يطيلون شعورهم، ويطلقون لحاهم، ويدخنون بشراهة ويشربون الخمر.

ويحلل الشاعر المشهد الإبداعي والدور النقدي، فيقول «لدينا مشهد إبداعي مهم كما أدعي، لكن مع الأسف -ورغم وجود أسماء مهمة في مجال النقد- فليس ثمة متابعة نقدية جيدة، ربما لكثرة الإصدارات بما يفوق قدرة أي أحد على المتابعة، وربما لأن الكثير الرديء، يغطي على القليل الجيد، وربما لأن المساحات المتاحة للنشر قليلة أمام النقاد الذين يهربون إلى المجلات الخليجية، لأنها تدفع أكثر.

الواقع الثقافي في مصر عشوائي، شأنه شأن كل شيء فيها، فلا خطط ولا هدف ولا مشروع يلتف حوله المثقفون

وبالتالي يهتمون بالكتابة عن الخليجيين أكثر، وربما لكل ذلك ولغيره أيضا. شخصيّا كرئيس تحرير لمجلة ثقافية شهرية، “الثقافة الجديدة” لا أعاني من قلة الكتابات عن أعمالي، بالعكس، ما كتب عني من أسماء مهمة في المشهد النقدي يرضيني، إذا قورن بما يكتب عن أقراني، لكن أقل القليل هو الذي ينفذ إلى صلب العمل، ويحاول استنباط أسئلته ومحاولة مساءلتها».

يأسف درويش من أن «مئات من أساتذة الأدب يعملون مدرسين تقليديين، لا يخرجون من قاعات الدرس إلى معمعة الوسط الأدبي وتجلياته، لذلك يدرّسون نماذج قديمة لطلابهم، لأنهم لا يعرفون عن الشعر سوى شوقي، وعن الرواية سوى محفوظ، وعن المسرح سوى الحكيم.


اجتياز الكبوة


ويرى سمير درويش أن المصالح هي من يقسم المثقفين حول المجريات الحالية في مصر، هذا في أسوإ الفروض، وفي أفضلها اختلاف الرؤى حول الحاضر والمستقبل، وحول تقييم الماضي، وبالمجمل كل ذلك موجود ومتجاور في مشهد غني بتجلياته وإبداعاته ومبدعيه.

هذا منطقي ومفهوم وإنساني جدّا، في رأيه، لكن من غير المنطقي وغير الإنساني ألا تحاول الدولة تنظيم هذا الخلاف لمصلحتها، من ناحية ترضي جميع الأطياف والمذاهب والانتماءات، ومن ناحية ثانية تقلل خسائر التطاحن والتكالب على المصالح الشخصية، والأهم أن تستفيد من جهود كل الناس، كل فيما يخصه، لكي تبني وطنا يليق بمكانته وتاريخه وثقافته.

يفرق الشاعر بين إنتاج الأدب والفكر، وبين استغلاله في إحداث النهضة، وفي ذلك يوضح قائلا: «لدينا أدباء وكتاب ومثقفون ومفكرون في كل المجالات، ينتجون مواد راقية ويضيفون للنوع، خذ مثلا اجتهادات جابر عصفور ومحمد عبدالمطلب وغيرهما في حقل اللسانيات، وعشرات النقاد الآخرين من أجيال مختلفة في الجامعات وخارجها، وفي الرواية لدينا في مصر روايتان ضمن أفضل مئة رواية في التاريخ الإنساني، وفي الشعر أتصور أننا ساءلنا “قصيدة النثر” كنوع أدبي مستورد، وأضفنا إليه معارفنا وحمولاتنا الثقافية والجمالية والواقعية كذلك، وهناك اجتهادات لا بأس بها في القصة والمسرح والدراما».

أساتذة الأدب يعملون مدرسين تقليديين، لا يخرجون من قاعات الدرس إلى معمعة الوسط الأدبي وتجلياته

يضيف قوله: «ربما لاقت تلك الأعمال بعض النجاح لأنها أعمال فردية، لا تحتاج إلى معاونة الدولة ولا أموالها، لكن ما ينقصنا هو وجود مشروع نهضوي جامع شامل، يوظف هذه الكفاءات، ويروج تلك الكتابات من خلال اتفاقيات للترجمة المتبادلة، وللترويج الإعلامي والبعثات والتبادل الثقافي والسياحة الثقافية، هذه أمور مهمة أتصور أنها مجال عمل أي مسؤول ثقافي، لكنهم لا يفعلون ذلك. كنت أتصوّر أن تلعب الثقافة دور الرافعة التي تساعد الدولة والشعب على اجتياز الكبوة التي خلّفها الحراك الثوري وتداعياته، لكن للأسف نزل المثقفون أنفسهم إلى المستنقع».

وحول إمكانية خلق دور فاعل للثقافة والمثقفين يشارك في صنع مستقبل الوطن، يقتبس درويش ما قاله د.عبدالغفار مكاوي، رحمه الله، في رأيه عن المشهد المصري من جميع جوانبه: السياسة والثقافة والاقتصاد والاجتماع، إذ يعتبر أن لدى مصر كل شيء جيّد وحده، والمشكلة أنه ليس لديها نسق عام ينتظم فيه كل هذا معا في بوتقة واحدة، تصب خيرها في صالح الوطن.

وما ينقص، في رأي الشاعر، هو أن يقتنع وزير الثقافة في مصر -جابر عصفور أو غيره- أنه يمتلك كنزا حقيقيّا من الإبداع والتراث والمعرفة ومن المثقفين والأدباء، وأن دوره هو إيجاد صيغة ما،: مشروع أو خطة أو رسالة، لكي يعمل الجميع لخدمتها.

14