سمير فؤاد.. تشكيلي يرصد دراما البشر

تحتل تجربة التشكيلي سمير فؤاد (74 عاما) موقعا متميزا في المشهد الفني المصري، لما تحمله من خصوبة وخصوصية وتنوع وانفتاح على حقول موسيقية ودرامية. وفي معرضه الجديد بقاعة “أفق” بمتحف محمود خليل بالقاهرة (21 يناير-9 فبراير 2018)، يقدم الفنان مجموعة من أعماله الأخيرة التي أبدعها، بدءا من العام 2002 حتى اللحظة الراهنة.
الأحد 2018/01/28
طفولة متأخرة

تصرخ ألوان سمير فؤاد المائية والزيتية على الورق والكانفاس محملة بقضايا المجتمع (المرأة على وجه الخصوص) وأنات الآدميين، أينما كانوا، وتتجاوز اللوحات حدود أطرها متحركة بسرعة ضربات فرشاته البرقية، ومستدعية دراما البشر فوق مسرح الزمن برؤية تتسع للذاتي والجمعي والمشترك الإنساني في آن.

مثل رقصات الطيور المذبوحة من الألم، يستحضر الفنان دوامات السقوط التي تقود المقهورين والمعذبين إلى الدوران حول الذات والتهاوي في بئر سحيقة، حيث تبدو المتغيرات الحضارية والسلوكية قد جرّفت الشخصية المصرية واستقطعت الكثير من أصالتها، وأكسبتها نزعتها الاستهلاكية، وهو ما يصوره الفنان بغياب الملامح وسط متاهة الإعلانات التجارية وعناصر التسليع المنثورة في لوحاته الأحدث.

وفوق الأحصنة الخشبية، وعلى حصان طروادة أيضا، يمضي الإنسان، ذو الخلفيات التاريخية المتعددة، ساعيا للوصول إلى مدينته المحاصرة وذاته المفقودة، لكنه يصطدم عادة بلافتة مكتوب عليها “ممنوع الدخول” في رحلة العبث المأساوية حينا والكوميدية في حين آخر.

ومن فانتازيا الطرح الأسطوري، ينتقل الفنان إلى واقعه المباشر في مشاهد أخرى، حيث عالم المرأة الأكثر حساسية وقدرة على ترجمة ذبذبات الوجع والفقدان والتهميش والاغتراب، والانعزال في خيمة أو خلف حجاب، وهنا يختصر ملامح الوجوه المحددة إلى شفرات وطرطشات بلا فواصل تحكي تاريخا من الاسوداد والوجع، فوق جغرافيا تتعامل مع الأنثى بوصفها كيانا مهملا.

متلقي لوحات سمير فؤاد إيجابي يشارك في استكمال الصياغة وفق تصوراته الذاتية وتأويلاته المنفردة

انفتاحات روحية

مثلما يطلق التشكيلي سمير فؤاد الألوان الصارخة إلى فضاءات الدراما التشخيصية، الحركية، فإنه يتمادى في فتح نوافذه الروحية عالية الطاقة، محررا الجسد من أغلاله الفيزيائية، ليكون كتلة من لهب أو شعلة من أنغام موسيقية.

يتحدى الفنان قوانين الزمن أيضا مؤطرا لإيقاعاته المتتالية في تناغمها وحركيتها، وتتلاقى هذه الإزاحات والانفتاحات جميعها في منظومة واحدة. الهندسة الكلية هنا قوامها تراتبية اللقطات التي يصورها الفنان، ففي اللوحة الواحدة هناك شخوص وحبكة وسرد ومكان وزمان، وهناك أيضا موسيقى ورقص وحركة وتفاعلات وحالة متنامية تترصدها ضربات الفرشاة.

في الوقت نفسه الذي يلاحق فيه الفنان كائناته وعناصره مسجلا تحركاتها في اللوحة، هناك تراتبية أخرى تتحقق من خلال تجاور اللوحات، التي تتحاور بعضها مع البعض، في إطار مشهد أعمّ يتكون من أكثر من ستين لوحة في هذا المعرض، ناقلا رؤية متسعة لروح الفنان وروح العالم معا، المتماهيتين في تمثلهما العجائبي وتشظيهما البركاني المبهر وسلوكهما المضطرب.

الأمثولات الذهنية كذلك حاضرة بقوة في المشهد، جنبا إلى جنب مع الثقافة المعرفية واطلاع الفنان على التراث الفني، الفرعوني والإسلامي والعالمي، واستلهام الكنوز الشعبية المصرية؛ ليس فقط على صعيد التشكيل، بل أيضا الإنشاد الديني وحلقات الذكر والموالد والموسيقى والإيقاعات البدائية والرقص الشعبي.

وتحضر الأفكار عادة لدى الفنان في ثوب من التأمل الشفيف، مغسول بالطاقة الروحية المتوثبة المشعة، يما يمنح الفنان الفرصة لاختراق أسطح الأشياء والظواهر، واصطياد الجوهر، وبلوغ مكمن الحياة وسر الخليقة في الموجودات جميعا التي يصورها، من إنسان وحيوان ونبات وجماد.

فلسفة الصورة

سمة أخرى في أعمال التشكيلي سمير فؤاد، هي تشبعها بالزخم الفلسفي، فاللوحات كتاب بصري من العيار الثقيل، تتسع صفحاته للتفكك والتشظي على سائر المستويات، فالوجوه تتحلل والملامح تذوب، واللحم البشري يتحول إلى ذبيحة معلقة أو قطع من اللحم المذبوح احتجاجا على تعذيب الإنسان وانتهاك كرامته، والأراجيح تقود إلى غيبوبة بلا بهجة، وعازفو الآلات النحاسية مثقلون بالنفخ والضجر، وموسيقاهم أنات حائرة كغمامات تائهة.

أفراح الفقراء وتبديد القلق

وتمثل الصرخة أعلى درجات النسق اللغوي واللوني لدى الفنان، فهي التعبير الذي تلتقي فيه وحدة المعرفة ووحدة الوجود ووحدة المصير الإنساني، وتمثل الصرخة مراتب العذاب المتعددة، بين الألم الفردي والمعاناة المجتمعية التي تذيب الأجساد المتلاحمة وتصهرها معا، والشقاء الوجودي الذي يكوي ويطهّر ويمحو.

متلقي لوحات سمير فؤاد هو بالضرورة إيجابي، مشارك في استكمال صياغة التجربة، وفق تصوراته الذاتية وتأويلاته الخاصة. الانخطاف المباغت بفعل الدوامات اللونية والحركية، والنزعة السوريالية للوحات، لا يجب أن تكون عوامل عازلة تحجب قدرة المشاهد على التأويل، وهنا تكون مفاتيح كثيرة بيد “اللاوعي” إذا استغلقت أبواب أمام الوعي وأبجديات المنطق.

يطلق التشكيلي سمير فؤاد، الدارس للهندسة والحسابات والقياسات، متجهاته اللانهائية في الفضاء بتلقائية، على أن العين البصيرة تجد أن الفوضى في تجربة الفنان مشروطة، والعبث محكوم بقوانين، والإحساس مصبوب في قوالب مصوغة بعناية، بقدر المراد، دون زيادة ولا نقصان. هنا تكمن خصوصية الفنان، في ذلك الحرص المهووس على القبض على كل شيء، حتى الريح في عنفوانها، وفيوضات الانفعالات في فورانها.

هذا المزج بين النقائض، متحقق كذلك لدى الفنان في دمجه سمات الأصالة والمعاصرة، الكلاسيكية والحداثة، الفحولة الاستعراضية والبراءة الخطّاءة. هو فنان جداريات بالمقام الأول وإن كان يشكل جداريته من خلال وحدات صغيرة تتجاور وتتكامل فتنتج ملمحتها الكبرى.

أصابع سمير فؤاد التي تصنع أسطورته، هي أصابع الجموح، وألوانه شفافة طيارة، سريعة الجريان، لكنه قادر على تطويعها وتحميلها بالصخب، فهي صوت الاستغاثة، وبصمة الإنسان الأخيرة على حوائط الفناء.

كاتب من مصر

12