سمير فرنجية سليل مجتمع محكوم بعلاقات عائلية عشائرية وأممية

السبت 2014/05/24
السياسي اللبناني رسم مراجعة نقدية لكامل تاريخ لبنان العنفي

بعد نهاية ما سمّي حرب السنتين والتي اتّسمت بمواجهات سياسية وطائفية، استقبل الشارع اللبناني بشيء من الفرحة الثورية هذه النهاية المؤقتة، سمير حميد فرنجية التقط بذور هذا الوعي الثوري وبدأ رسم مراجعة نقدية لكامل تاريخ لبنان العنفي مستفيداً من التجارب الخاصة والعامة.


ابن الأخ المختلف


فــ”سمير” ابن شقيق الرئيس اللبناني الرحل “سليمان فرنجية” من بلدة زغرتا (شمال لبنان) ولد في 4/ 12/ 1945 في منزل العائلة بمنطقة المتحف – بيروت، على الخط الوهمي وسط العاصمة، والذي ما لبث أن تحوّل إلى فاصلٍ بين شطريها زمنَ الحرب اللبنانية في أواسط السبعينات. هناك، وليس في زغرتا، بلد العائلة، ولد ونشأ في عائلة مكوّنة من أبٍ وأمٍ وستة إخوة، في قسمةٍ متساوية تماماً 3 بنات و3 صبيان، والده رجل الاستقلال حميد فرنجية.

تلقى مراحل تعليمه كلّها في «اليسوعية» (منظومة تعليميّة متكاملة من المرحلة الابتدائية حتى نهاية الدراسات الجامعية العليا)، ولأنّه كان تلميذاً مميزاً، (مشاغباً ومدخِّناً)، جوزيَ بالطرد في السنة الأخيرة من الدراسة الثانوية. فاضطر للسفر إلى باريس لنيل شهادة الفلسفة من هناك، لتتم معادلتها من ثَمّة بالثانوية الرسميّة في لبنان. وكانت عودته سنة 1964، وتابع تعلّم مادة الفلسفة في معهد الآداب العليا في جامعة القديس يوسف (اليسوعية).


علاقات عائلية – عشائرية


لا يمكن تحديد لحظة الوعي السياسي ضمن حياة سمير فرنجية، فعندما كان له من العمر 12 عاماً وقعت مجزرة «مزيارة» الشهيرة، وكانت السبب المباشر في ترك والده العمل في السياسة، في تلك الفترة من عام 1957، أُقيم حفل تدشين المدينة الرياضية أيّام رئاسة كميل شمعون، وقد دعا صديقه الملك حسين، عاهل الأردن، لحضور الاحتفال، فاصطحبت إدارة مدرسة (اليسوعية) الطلاب للمشاركة في الاحتفال، وعند انتهائه، ظهرت على المقاعد الحجرية أوراق الجرائد التي كان يبسطها المتفرجون للجلوس عليها. وإذ بإحداها، وهي جريدة «التلغراف» الفرنسية وتحمل هذا العنوان العريض على الصفحة الأولى “نقل حميد فرنجية إلى المستشفى”، “هكذا عرفت. كما عرفت أنّ مرضه جاء إثر مجزرة مزيارة".

أمّا الأهم، فكان جوّ تلك المرحلة، لأنّ الحياة السياسية وقتذاك كانت متخلفة وقائمة على زعامات سياسية وزبائنية، وكانت بوادر الشهابية بدأت بالظهور. والشهابية (نسبةً إلى رئيس الجمهورية اللبنانية اللواء فؤاد شهاب الذي كان قائد الجيش اللبناني في فترة حكم الرئيس شمعون والثورة التي قامت ضدّه)، فوالده يُعارض الرئيس كميل شمعون سياسياً، في الوقت وساهم في الحركة المناوئة ضدّه لأنّهم استشعروا أنّه كان يريد تمديد فترة رئاسته التي تنتهي في عام 1958. وكان هناك انقسام حاد تجاهه: فريقٌ معه وفريق ضدّه، واقتتل الفريقان فيما يُعرف باسم “ثورة 58″ التي توفّر لها دعم إقليمي من سوريا، ثمّ من الجمهورية العربيّة المتحدة التي جمعت كلًا من مصر وسوريا. حيث كانت محاولة تحديث من ضمن إطار الدولة، ثم لم تتحمّلها القيادات السياسية آنذاك. هذا فضلًا عن هزيمة حزيران 1967 التي نقلت لبنان إلى مواقع أكثر راديكالية، لدرجة اعتبار أن الحزب الشيوعي “يميني”، وهنا بالذات صار الاقتراب أكثر فأكثر من الثورة الفلسطينية. كانت شبه بديل عن التيّار الناصري، على سبيل المثال. كما أنّ اليسار نفسه سريعاً ما تزاوج مع المسألة القوميّة، وكان رئيس الحزب الشيوعي يومذاك نقولا الشاوي. وكان سمير مع مجموعة من الطلّاب ناقمين أشدّ النقمة على هذا الوضع، فوجدوا أنّ الحزب الشيوعي هو الأكثر تنظيماً في تلك الفترة من الناحية الراديكالية. يقول فرنجية: “انتسبتُ إلى الحزب الشيوعي لأقل من سنة واحدة، وخرجت على خلافٍ ولكن الصداقات بقيت".

في كتابه "رحلة إلى أقاصي العنف" الصادر عام 2012 بالفرنسية والذي ترجم إلى العربية يقول فرنجية "لم أكن أدرك في حينه البعد الخاص بالعنف إذ لم أكن أنظر إليه إلا بغايته السياسية وكونه أداة في خدمة مشروع كبير. مع ذلك كان ينتابني شعور غامض بأننا جميعا لعبنا دور السحرة الصغار، وقد بتنا عاجزين عن السيطرة على العنف الذي ساهمنا بإطلاقه في شكل من الأشكال"


بعد باريس


بعد عودته من فرنسا، حاملًا شهادة الفلسفة، وهناك، في باريس اكتشف اليسار من خارج السياق اللبناني الداخلي، وساعده على الاندفاع في هذا الاتجاه قراءات لكتّاب يساريين، مثل جان بول سارتر، فقد لعبت دوراً في هذا الاتجاه. أي أن نشأته السياسة كانت بعيدة، بل مغايرة لكل ذلك الصراع التقليدي المتجذر في زغرتا، وفي غيرها من المدن والمناطق اللبنانية وإن بدرجاتٍ متفاوتة. حيث أسّس مع مجموعة كبيرة من الأصدقاء «حركة شباب زغرتا»، وكانت محاولة لتحديث العلاقة فيها، ودخل كلّ أعضاء تلك الحركة إلى الحزب الشيوعي.


جنبلاط والنظام السوري


تعرف سمير فرنجية على كمال جنبلاط من خلال رفاق له في الجامعة، شماليين، كانوا في الحزب التقدمي الاشتراكي، هم من عرفوه إليه، ويذكر فرنجية “بأن اللقاء الأول كان ودياً جداً، خصوصاً تجاهي، لأنّه في الانتخابات الرئاسية عام 1952، كان كمال جنبلاط مؤيداً لكميل شمعون، ويذكر أنه اعترف له: “أنا أخطأت يومها في تأييدي لكميل شمعون، أخطأت تجاه والدك، ثم التقينا في جبهة المعارضة في 1957 التي كنت فيها مع والدك”. وكان والدي أمين سر الجبهة. واستمرت صداقتنا الودّية حتى اغتياله”. ويضيف ” أذكر أنني سألته قبل اغتياله بيوم واحد عمّا يفعله، قال لي إنّه يقوم بترجمة كتاب، وجلسنا نتناقش فيه. وكانت المرة الأخيرة التي رأيته فيها".

"كان وقع الخبر كالصدمة عليّ. وما زلت أذكر تفاصيل، منها أنني كنت أقود سيارتي وسمعت الخبر من خلال الإذاعة، كنت بين قصر بشارة الخوري وبرج المر في وسط بيروت. موقفي من النظام السوري أعيده إلى هذا الحدث. كيف تجرأ السوريون وقتلوه؟ خصوصاً أن لا أحد حامت حوله أية شكوك في اغتياله سوى السوريين، وهذه الصدمة هي التي جعلتني أتساءل:”ماذا بعد؟".


السوريون يدعموننا ويقتلوننا


يمكن فهم علاقة سمير التكتيكية مع جوني عبدو الرجل استثناء أيّام الحرب، فبعد وضع حزب “القوّات” اللبنانية سيارة مفخخة بالقرب من الجامعة العربية في منطقة بيروت الغربية، قُتل حينها حوالي 100 شهيد، بعدها بوقت قليل، وضعت سيارة مفخخة أخرى في منطقة بيروت الشرقية، في سوبر ماركت “ملكي”. اتصل بجوني عبدو وكان مدير المخابرات في ذاك الوقت، وقال له: “إذا كان بشير الجميّل مستفيداً من تلك اللعبة فليكمل بها”، فأجابه عبدو: “إسأل الفلسطينيين أن يكملوا هم أيضاً إن كانوا مستفيدين".

يرى سمير فرنجية أن "حزب الله" وبالرغم من يقينه بأن الوضع السوري وصل إلى نهايته لجهة السقوط الحتمي لنظام الأسد، مازال يربط نفسه ومصيره بهذا الأخير بسبب انغماسه في استراتيجية إقليمية لم يشارك أساسا في صياغتها، معتبرا أن الحزب الشيعي المسلح وتحت عنوان الممانعة والمقاومة يساهم مباشرة في قمع الشعب السوري، في محاولة لقمع الثورة السورية أو لجرها إلى مفاوضات ومن ثمة إلى حل سلمي أو إلى تسوية سياسية وهو ما لن يحصل

فاقترح عليه أن يجمعهما معاً. واستطاع ذلك عام 1981 أمن فتح وأمن القوات بسريّة تامة لئلا يعرف السوريون. ويذكر فرنجية حتّى تفاصيل السيارات التي كان الطرفان ينوينان تفخيخها: مرسيدس لفّ وبيجو 504، واتفق الفريقان بعد سلسلة اجتماعات أن يوقفوا مسلسل التفجيرات. وكان جوني عبدو لاعباً أساساً فيها. بعد توقف التفجيرات اقترح على جوني عبدو أن نوقف الاجتماعات، فرفض وقال إنها الطريقة الوحيدة التي يمكن بها أن نحمي لبنان بلقائهما وجمعهما، واستمرت الاجتماعات من عام 1981 حتى 4 يونيو 1982، عندما ضرب الطيران الإسرائيلي المدينة الرياضية في بيروت، ثم انسحب أبو عمّار بحراً، وحاصرت “إسرائيل” بيروت.

كما أفتى سمير فرنجيّة في مقابلة نُشرت بالفرنسيّة بما يأتي: إنّ 70 بالمئة من أسباب الحرب الأهليّة في لبنان تعود إلى النظام السوري وتدخّلاته، فيما لا يتحمّل اللبنانيّون إلا المسؤوليّة عن 30 بالمئة من أسباب الحرب.

وبعد اتفاق الطائف، الذي شارك فيه، حاول التركيز على إنهاء الحرب، واستخلاص العِبر منها، والتأسيس لمرحلة جديدة في تاريخ البلد، مع وجود الاحتلال السوري… وهذه التجربة ساهمت بتأسيس لقاء “قرنة شهوان” والذي بدوره أسّس لمرحلة مهمّة في الانفتاح والمصالحة مع المسلمين والوصول إلى النهار التاريخي «14 آذار 2005». هذه المرحلة هي الأغنى من التي تلتها، أي النيابة، والسبب كما يفسره هو ” لأنهم لم يستطيعوا إنجاز ما هو مطلوب، كونها بقيت ثورة غير مكتملة، وبتقديري الخاص كانت أوّل إشارة للربيع العربي، انطلقت في 14 آذار 2005، أمّا السؤال المطروح فهو كيف نجدّد الربيع اللبنانيّ”.


حزب الله وانغماسه في الإقليمية


اليوم يرى سمير فرنجية أن «حزب الله» وبالرغم من يقينه بأن الوضع السوري وصل إلى نهايته لجهة السقوط الحتمي لنظام الأسد، مازال يربط نفسه ومصيره بهذا الأخير بسبب انغماسه في استراتيجية إقليمية لم يشارك أساسا في صياغتها، معتبرا بالتالي أن «حزب الله» وتحت عنوان الممانعة والمقاومة يساهم مباشرة في قمع الشعب السوري، في محاولة لقمع الثورة السورية أو لجرها إلى مفاوضات ومن ثمة إلى حل سلمي أو إلى تسوية سياسية وهو ما لن يحصل، مشيرا من جهة ثانية إلى أن كلا من «حزب الله» والعماد عون يعيشان أزمة النظام السوري بكل ما للعبارة من معنى، وهو ما يفسر أسباب التوتر في خطابهما وتحديدا في مخاطبة العماد عون لقوى “14 آذار".

ففي كتابه ”رحلة إلى أقاصي العنف” الصادر عام 2012 يقول فرنجية: ” لم أكن أدرك في حينه البعد الخاص بالعنف إذ لم أكن أنظر إليه إلاّ بغايته السياسية وكونه أداة في خدمة مشروع كبير. مع ذلك كان ينتابني شعور غامض بأننا جميعاً لعبنا دور السحرة الصغار، وقد بتنا عاجزين عن السيطرة على العنف الذي ساهمنا بإطلاقه في شكل من الأشكال، وصار المطلوب الآن الحدّ من الخسائر. كيف؟ بالتحاور مع الخصم”.

13