سمير قصير وعقد على اغتيال القلم في بيروت

الأحد 2014/06/15
سمير قصير يغتال بسبب مواقفه من احتلال لبنان

لم يفكر سمير قصير بالموت وهو ينادي للحرية، للعقل، للحب، للخيال، وبأن التحرّر من التبعيّة يؤدّي إلى حياة أفضل. وأن التحرّر من هذه التبعية يصبح ممكناً إذا توافر الفكر القادر على فهم المجتمع والإضاءة على النقاط التي يمكن تنميتها من أجل دفعه إلى التطوّر والتحرّر، والفكر القادر على تحديد الخطى الممكنة عملياً من أجل التقدّم وزرع أسباب الممانعة والمقاومة الحقيقية. بعيداً عن الذين يدمرون، و ينتقمون. ويحاصرون الأرض و البحر و السماء. وينتصرون للموت.

فقد ظل وحتى يوم الثلاثاء 2005/6/2 (تاريخ اغتياله على يد النظام السوري و حلفائه في لبنان) يفكر بوثوقية المثقف، وهو يجادل نظاما عسكريا محتلا لبلده، فرَد مستخدماً لغات ومفاهيم أخرى، إحداها عبوة ناسفة زرعت تحت سيارة سمير قصير.


حرب قصير بالكلمات


ولد سمير قصير عام 1960 في بيروت، من والد سوري من اللاذقية وأم فلسطينية من يافا. تنقل في منابر صحافية وثقافية وأكاديمية تخللتها فترة هجرة إلى باريس، قبل أن يعود إلى لبنان لينخرط في الحياة العامة، عبر تفرغه للكتابة وانضمامه إلى حركة اليسار الديمقراطي، ومن خلالها إلى المعارضة. تلقى علومه في بيروت، ودرس المرحلة الثانوية في مدرسة الليسيه الفرنسية قبل أن ينتقل إلى جامعة باريس الأولى حيث درس الفلسفة، ثم التاريخ في جامعة باريس الرابعة “السوربون”وحاز شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر.

بدأ قصير حياته الصحافية في العام 1977، وعاش في باريس بعيد اندلاع الحرب الأهلية مع عائلته، حيث عمل في مجلة”اليوم السابع″، قبل أن يعود إلى بيروت مطلع التسعينات، ليعين في العام 1994 مديراً لـ”دار النهار للنشر”.

تفرغ بعدها للعمل الصحافي ككاتب عمود في الصفحة الأولى في صحيفة “النهار”اللبنانية.

وكان قصير عضواً في هيئة تحرير مجلة “الدراسات الفلسطينية” الصادرة باللغة الفرنسية بين عامي 1986 و1994، كما أنه كان يكتب بصورة دورية في صحيفة “لوموند ديبلوماتيك” من العام 1981 إلى العام 2000.

ودأب قصير على الكتابة في الصفحة الأولى من "النهار"، منتقداً الوصاية الأجنبية على لبنان والنظام الأمني اللبناني المدعوم من سوريا. وتعرض لمضايقات عدة، كان أبرزها حين أوقف العام 2000 في مطار بيروت أثناء عودته من الأردن حيث كان يغطي أعمال القمة العربية هناك، وصودر جواز سفره للتحقيق في صحته، ولوحق من الأمن العام على مدى أسابيع. ولم يفلح تدخل رئيس الحكومة آنذاك رفيق الحريري في وقف الملاحقة ضده على رغم محاولته تأمين الحماية له.

نشر قصير كتابه "تأملات في شقاء العرب" بالفرنسية الذي ترجم إلى العربية والإنكليزية، وفيه تحليل مكثّف لأسباب إجهاض النهضة العربية في أواخر القرن التاسع عشر، ورفض لمنطق التأريخ التبسيطي الحاكم على العرب بالانحطاط، واعتبار أن شقاءهم الحالي هو نتاج جغرافيتهم أكثر منه نتاج تاريخهم


تاريخ بيروت


نشر سمير كتابه الثالث بالفرنسية "تاريخ بيروت" (وصدرت ترجمته العربية عام 2007)، وفيه يروي تاريخ المدينة وعائلاتها وثقافتها واقتصادها وتطوّرها العمراني والمديني والاجتماعي ويوثّق لعلاقتها بسائر المناطق اللبنانية وبالحواضر العربية والمتوسّطية

وأتبع سمير هذا الكتاب الأساسي في مسيرته الفكرية بكتابين بالعربية صدرا عام 2004، “ديمقراطية سوريا واستقلال لبنان” و”عسكر على مين”، وفيهما مجموعة من مقالاته المنشورة في “النهار” والمركّزة على الترابط بين قضية التغيير الديمقراطي في سوريا والاستقلال في لبنان من جهة وعلى التنافر بين قضايا الحرية وقيم الجمهورية وسلطة العسكر من جهة ثانية، ثم نشر قصير كتاباً جديداً بالفرنسية عنوانه “تأملات في شقاء العرب” (وقد ترجم إلى العربية والإنكليزية)، وفيه تحليل مكثّف لأسباب إجهاض النهضة العربية في أواخر القرن التاسع عشر، ورفض لمنطق التأريخ التبسيطي الحاكم على العرب بالانحطاط، واعتبار أن شقاءهم الحالي هو نتاج جغرافيتهم أكثر منه نتاج تاريخهم.

ثم شارك ابتداء من العام 2003 في تأسيس “حركة اليسار الديمقراطي”، وانتُخب في مؤتمرها التأسيسي في تشرين الأول-أكتوبر 2004 عضواً في المكتب التنفيذي.

في مقاله الأخير في “النهار” يوم الجمعة السابق لاغتياله بعنوان “الخطأ بعد الخطأ” انتقد قصير “استمرار القمع″ في سوريا، مشيراً إلى اعتقال أعضاء منتدى الأتاسي.

وكان يردد: “قد يكون إخواننا السوريون، من عمال ورجال أعمال ومثقفين، جفلوا لحظة مما خالوه عدائية موجهة ضدهم فيما هي ثمرة الاستبداد الذي يخنقهم هم واللبنانيين، لكنهم سيعودون أهلاً لأنهم يعرفون أكثر من غيرهم أن ربيع العرب حين يزهر في بيروت، إنما يعلن أوان الورد في دمشق”.

كتب سمير قصير أن ربيع العرب حين يزهر في بيروت، إنما يعلن أوان الورد في دمشق وظل حتى يوم اغتياله على يد النظام السوري وحلفائه في لبنان يفكر بوثوقية المثقف، وهو يجادل نظاما عسكريا محتلا لبلده، فردوا عليه بعبوة ناسفة زرعت تحت سيارته


واحد من أجمل العشاق


كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش في رثاء سمير قصير “كلما التقيت باسمه، أصغيت إلى أغنية صغيرة تمجد قران الفتوة والوعي، واقتران الرأي بالشجاعة… ثم حزنت، لا لأن عمر الورد قصير، بل لأن تلك الوردة لم تكمل تفتحها الساطع على سياج يحترق، كان سمير مهووساً بالسباق على طريق الغد، ليبقى الفتى الأول. وكان له ما أراد: فإن من سبقنا إلى الغياب لن يكبر مثلنا. هناك، حول صورته، سيجد الزمن نفسه، كعربي معاصر، عاطلاً عن العمل”.


تأملات في شقاء العرب


الموت أضفى طابع الوصية على نص أراده صاحبه تأسيسياً. وهنا تقع مفارقة العلاقة بين كتابة التاريخ وصناعته. سمير قصير كان يبحث عن بداية تواصل الفكر التنويري الذي صنعته النهضة العربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فقاده الشقاء العربي إلى نهايته المأساوية. إنها مفارقة الانتقال من الديكتاتورية إلى الديمقراطية، التي يمر بها المشرق العربي وسط تعقيدات كبرى، وبحار من الدم والمآسي، تمتد من فلسطين إلى العراق، مروراً بلبنان وسوريا.

يحمل هذا الكتاب- البيان، قوة الوصية ورؤيوية البداية. في هذا المزاج التراجيدي بين النهاية الفردية والبداية الجماعية، يلخص سمير قصير مقتربه لنهضة عربية جديدة، تدافع عن الحداثة وتعيد قراءة الثقافة العربية المعاصرة بروح نقدية جديدة. يمكن تحديد هذا المتقرب بثلاث عناصر:

أولاً: إعادة تقويم عصر النهضة العربية، عبر وضعه في سياق بحث العالم العربي الخارج من الهيمنة العثمانية الطويلة، عن الاستقلال والحداثة والحرية. هذه القيم الثلاث صنعت نهضة لغوية وفكرية، ميزتها الانفتاح على عصر الأنوار الأوروبي من جهة، وإعادة النظر في الموروث الثقافي العربي من جهة ثانية.

ثانياً: تحليل الشقاء العربي في وصفه ابنا للعجز.

ثالثاً: رفض ثقافة الموت والدعوة إلى ثقافة الحياة، عبر تعددية ثقافية وسياسية تشكل بداية الرد على الشقاء. ترتبط هذه التعددية بفكرة الحداثة. فالشقاء ليس نتيجة الحداثة بل نتيجة إجهاضها. الحداثة العربية التي أحدثت انقلاباً كبيراً في الحياة والثقافة كانت وليدة الفكر النهضوي. أما النكوص الذي تجلّى في هزيمة الخامس من حزيران 1967، فقاد إلى استفحال الديكتاتورية، وتجذر وجهها الآخر المتمثل في المشروع الأصولي.

على الرغم مما في بعدي الوصية والبداية من تناقض ظاهري فإنهما يؤشران إلى اللحظة السياسية والفكرية المعقدة التي يعيشها العالم العربي اليوم. الوصية، التي تعيد رسم صورة المثقف في وصفه ضميراً متحرراً من كل التزام سوى التزام الحرية والدفاع عن الحقيقة مثلما يراها.

منذ العام 2006 أطلق الاتحاد الأوروبي وبالتعاون مع مؤسسة سمير قصير جائزة تكرم صحفيين من الشرق الأوسط وتمنح الجائزة عن فئات: أفضل مقال رأي، أفضل تحقيق صحفي، أفضل تحقيق سمعي وبصري. وتتألف لجنة التحكيم من سبعة أعضاء مصوتين من وسائل إعلام عربية وأوروبية، وعضو مراقب واحد يمثل الاتحاد الأوروبي

وبشكل عام ينتمي هذا الكتاب إلى سلالة الكتابة النهضوية العربية، التي جمعت العمل الصحافي إلى الكتابة العلمية، وقدمت صورة لمثقف يعي دروس التاريخ، ويعمل من أجل التغيير، ويمارس إلى جانب دوره الفكري، دور القائد الميداني يوم انطلاق أكبر تظاهرة شعبية في تاريخ بيروت في الرابع عشر من آذار 2005.

لذا يشعر القارئ أنه أمام صرخة من أجل الحرية والديمقراطية، يطلقها صحافي يعيش الحدث، ويبلورها مؤرخ يصنع الذاكرة. وفي هذا الجمع يعلن سمير قصير فرادة مرتبطة بعمق انتمائه إلى بيروت، التي لم تكن فقط مركز التحدي في مشروع الحداثة العربية، بل هي المدينة التي قاومت الحصار الإسرائيلي وصنعت أفق حريتها في مواجهته.

في الفصل الخامس من هذا الكتاب، وفي إطار تحليله لمحاولات إجهاض الحداثة العربية، أشار قصير إلى انكفاء بيروت بعد الحصار الإسرائيلي عام 1982، متبنياً مقولة بعض الأدباء “في اعتباره الحد الذي انتهت عنده مغامرة النهضة”.

كان من الطبيعي للمثقف الذي يسعى إلى استعادة روح النهضة والحداثة، أن ينخرط في النضال الكبير الذي صنعته بيروت في انتفاضتها الاستقلالية التي اندلعت بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري.

غير أن المفكر الذي رفض أيديولوجيا الضحية في الثقافة العربية، وناضل كي تصنع بيروت حريتها وفرحها، واجه قدر الضحية، وقتل في انفجار إرهابي أراد إخراس صوته، وإطفاء بريق الحياة في عينيه.


جائزة سمير قصير لحرية الصحافة


منذ العام 2006 أطلق الاتحاد الأوروبي وبالتعاون مع مؤسسة سمير قصير جائزة تكرم صحفيين من الشرق الأوسط وتمنح الجائزة عن فئات: أفضل مقال رأي، أفضل تحقيق صحفي، أفضل تحقيق سمعي وبصري. وتتألف لجنة التحكيم من سبعة أعضاء مصوتين من وسائل إعلام عربية وأوروبية، وعضو مراقب واحد يمثل الاتحاد الأوروبي. وتعلن أسماء أعضاء اللجنة في يوم حفل توزيع الجوائز الذي يقام في بيروت في 2 يونيو من كل عام. فالثورة ليست لفظاً أو تجريداً. إنها طمي الأرض لا يعرفها من يخاف على يديه من الوحل، رحل سمير تاركاً وراءه حلم الحرية المقيم فينا، في الجميع.

10