سمير نشار لـ"العرب": إيران وحدها صاحبة القرار في دمشق

الجمعة 2014/06/13
سمير نشار: المعارضة السورية لم تستطع بعد تقديم نفسها إلى المجتمع الدولي على أنها موحدة

تشهد الأوضاع في سوريا العديد من التطورات، على وقع إصرار النظام الحالي على المُضي قدما في محاولاته المضنية لمغازلة المجتمع الدولي، في وقت تؤكّد فيه المعارضة السورية على سقوط شرعية النظام السوري بقيادة بشار الأسد.

في ظل هذا الوضع المعقّد، التقت “العرب”، مع سمير نشار، رئيس الأمانة العامة لإعلان دمشق وعضو المجلس الوطني والائتلاف لقوى الثورة والمعارضة السورية، للحديث حول العديد من الملفات الهامة والخطيرة في ما يتعلق بالأوضاع في سوريا.

في البداية، علّق سمير نشّار على استقالة المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا، علي صدر الدين البيانوني، من الائتلاف الوطني، قائلا إنّه “في الأيام القادمة سوف يكون هناك تأثير للصراع الإقليمي على التحالفات القائمـة في الائتــلاف”.

وحول إمكانية أن تؤدي تلك الاستقالة إلى ضعف الائتلاف وتمزقه، أو عدم تركيزه على مهام عمله المنوط به، استطرد قائلا: “كل الاحتمالات واردة”، في الوقت الذي أشار فيه إلى إمكانية تحول الائتلاف إلى مجرد “شكل”.


المعارضة السورية


أكد نشّار أنه من حيث المبدأ تحتاج المعارضة السورية (وهنا يعني الائتلاف على وجه التحديد) إلى التوافق في اتخاذ أغلب القرارات المهمة، بحيث تظهر أمام المجتمع الدولي على أنها موحدة ومتفقة على ما تعرضه من مواقف ورؤية سياسية واضحة بالنسبة إلى المرحلة القادمة في سوريا، خاصة بعد سقوط بشار الأسد أو تنحيه.

وتابع: “للأسف حتى الآن لم تستطع المعارضة تقديم نفسها إلى المجتمع الدولي على أنها موحدة، وهذا يعود حسب رأيي بشكل أساسي إلى بعض السوريين، الذين رهنوا القرار الوطني السوري، والتدخل الإقليمي الذي شهد صراعا بين محورين من ضمن مجموعة أصدقاء الشعب السوري، فالمعارضة اليوم بحاجة ماسة إلى استعادة القرار الوطني السوري المستقل”.

وأشار إلى أن جولات الائتلاف الوطني السوري برئاسة أحمد الجربا “لم تحقق شيئا باستثناء تكرار المطالبة بالأسلحة النوعية وإعادة شرح الوضع السوري المعروف من قبل الدول التي زارها وفد الائتلاف”، كما تعرّض وفد الائتلاف إلى النقد من قبل إحدى الدول الكبرى الداعمة، لدوره الضعيف وللعلاقة التي تربطه مع الثوار على الأرض، ولفقدانه للرؤية السياسية الواضحة.

وبيّن أنّ المواقف الدولية الخاصة بـ”أصدقاء الشعب السوري” تُصر على الحل السياسي كما نصت عليه مبادرة جنيف، رغم أن جولات جنيف الأولى والثانية أوضحت بشكل لا يقبل الشك أن النظام السوري والمتحالفين معه مصمّمون على الحسم العسكري، ويحاولون خداع مجموعة أصدقاء الشعب السوري (ونجحوا) بجدّيّتهم في إيجاد تسوية سياسية تنهي القتل وتؤدي إلى غياب بشار الأسد عن المشهد السياسي، والمفاجأة كانت أنّ الروس وهم رعاة للمبادرة رفقة الأميركان، أظهروا تنكرهم لتشكيل هيئة حكم انتقالية تقود المرحلة الانتقالية، وكما نصت عليه مبادرة جنيف، وكان هدفهم من جنيف بحث موضوع الإرهاب فقط.

المواقف الدولية تتغير على ضوء المصالح والظروف والمعطيات وتوازن القوى على الأرض

المواقف الدولية

استطرد رئيس الأمانة العامة لإعلان دمشق عضو المجلس الوطني والائتلاف لقوى الثورة والمعارضة، قائلا إن “المواقف الدولية تتغير على ضوء المصالح والظروف والمعطيات، وتوازن القوى على الأرض؛ لذلك أرى أن هناك بعض التغير في الموقف الدولي، وأقصد تحديدا الولايات المتحدة الأميركية، التي كانت تراقب ما يجري في سوريا، وتفوض بعض الدول الإقليمية الداعمة لإدارة الملف السوري، أما الآن وبعد إصرار محور النظام السوري (حزب الله، وإيران، وروسيا) على إنجاز الانتخابات الرئاسية في سوريا معروفة النتائج مسبقا، إضافة إلى تحقيق النظام بعض الإنجازات العسكرية، خاصة في ريف دمشق وحمص والقلمون، وزيادة عما سبق الظهور الواضح للمنظمات الإسلامية المتشددة المرفوضة من الجميع وخاصة أغلبية السوريين، على حساب القوى المعتدلة والجيش السوري الحر، كل ذلك أدى إلى إعادة تقييم الوضع السوري من قبل الولايات المتحدة”.

وتابع: “أعتقد أن هناك حاليا مقاربة جدية وجديدة للوضع السوري، بعد الانتقادات التي ظهرت للعلن من قبل بعض المسؤولين الأميركيين السابقين الذين كان لهم دور في الملف السوري مثل هيلاري كلينتون وروبرت فورد، للسياسة الأميركية تجاه المعارضة السورية، بما فيها إحجام الولايات المتحدة عن تسليح القوى المعتدلة، ورفع فيتو في وجه بعض الدول الإقليمية (السعودية) لكي لا تعمد إلى تسليح القوى المعتدلة بالأسلحة النوعية، التي تحتاجها، والآن هناك إحاطة أكبر بالملف السوري من جميع جوانبه، خاصة الجانب العسكري على ما يبدو، من قبل الولايات المتحدة الأميركية”.

وتحدث نشّار كذلك حول الموقفين الروسي والصيني من المشهد في سوريا، في معرض حديثه لـ”العرب”، قائلا: “لا أعتقد أن موقفهما سوف يشهد أي تغير جوهري قبل انتهاء مفاوضات 5+1 المتعلقة بالملف النووي الإيراني، ومن المناسب والضروري برأيي التوقف عند الموقف الإيراني من الأزمة السورية، لما له من أهمية، حيث يتقدم على الدورين الصيني والروسي، فاليوم إيران هي صاحبة القرار في دمشق، وقرارها يؤثر في مستقبل سوريا ومستقبل رئيسها، كما أن إيران، تمثّل الداعم الأكبر للنظام السوري على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وهذا الحضور الكثيف في دمشق يسلّط الضوء على الأهمية الكبيرة التي تعلقها إيران على موقع سوريا في الخارطة الإقليمية والنفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، وتكفي تصريحات بعض المسؤولين الإيرانيين للتدليل على تلك الأهمية، حيث أنّهم أوضحوا أن حدود إيران تمتد من البحر الأبيض المتوسط وجنوب لبنان إلى إيران”.

طرد المتطرفين من سوريا يقتضي استراتيجية حقيقيّة تدعم الجيش السوري الحر والقوى المعتدلة


الحاجة إلى مشروع عربي


وأوضح نشار أن “الموقف الإيراني مرتبط بالنتائج المتوقعة للمباحثات الجارية حاليا مع أميركا، والتي سوف تشمل حتما الوضع السوري؛ لأنه سوف تكون هناك صفقة إقليمية ودولية كبرى، إذا توصلوا إلى اتفاق على الملف النووي الإيراني، وإلا المزيد من المواجهة والتصعيد في أكثر من دولة ومنطقة، وأرى أن هذا مستبعدا على ضوء التسريبات التي ترشح التوصل إلى تفاهم واتفاق خلال الفترة الحالية، والتي ربما تمدد المفاوضات الجارية بضعة أشهر أخرى”.

واستطرد قائلا: “مواجهة الأطماع الإقليمية الإيرانية تتطلب وجود مشروع عربي يجمع الدول العربية في المنطقة، مدعوم شعبيا من دول الربيع العربي، إضافة إلى بعض الدول الصديقة التي لها مصالح حيوية مع الدول العربية، فحتى الآن لم تتوفر ملامح هكذا مشروع؛ لأن بعض الدول العربية تعيش مرحلة من اختلال التوازن الداخلي، نتيجة عدم الاستقرار التي حصلت بفعل الثورات العربية”.

وتطرق رئيس الأمانة العامة لإعلان دمشق وعضو المجلس الوطني والائتلاف لقوى الثورة والمعارضة، إلى شبح “تقسيم سوريا”، مؤكدا أنه حتى الآن ليس هناك مؤشرات تؤكد أن سيناريو التقسيم وارد في هذه المرحلة، فبشار الأسد لا يزال يعمل ويحاول استعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية، وربما يعدّ هذا من بين الأمور البعيدة جدا، حيث أنّه من شبه المستحيلات أن تتمّ العودة إلى الوضع السابق، خاصّة أن قوى الثورة ومهما لحق بها من تشوهات قادرة على الاستمرار في المقاومة. واستطرد: “وفي أغلب ظني فإنه لا يوجد توافق إقليمي أو دولي على سيناريو التقسيم، في هذه المرحلة على الأقل، فمصير سوريا ومستقبلها متوقّفان إلى حد كبير على التوافق أو الصفقة مع إيران، ويبقى سيناريو التقسيم خيارا أخيرا”.

الركام يغطي الشارع بعد غارة جوية للجيش النظامي السوري على مدينة حلب شمال البلاد


الحل السياسي قائم


أكد سمير نشار أنه “لا يزال هناك متسع لإيجاد حل سياسي”، لكن هذا الحل يجب أن يقوم على وحدة سوريا أرضا وشعبا، وعلى قيام نظام سياسي جديد، تشارك فيه جميع مكونات الشعب السوري بشكل حقيقي، ويحفظ التنوع والتعدد اللذين يمثلان النسيج الاجتماعي السوري، دون إقصاء أي مكون أو تهميش أية جماعة سياسية أو اجتماعية، وأن يحافظ على كيان الدولة السورية ومؤسساتها، وإجراء إصلاحات جذرية تدريجية على بعض المؤسسات، لكن أي حل سياسي يجب ألا يكون لبشار الأسد أو المجرمين الذين ارتكبوا أعمال القتل والتدمير أي دور فيه وفي مستقبل سوريا”.

وتحدث رئيس الأمانة العامة لإعلان دمشق وعضو المجلس الوطني والائتلاف لقوى الثورة والمعارضة، حول تحركات الأسد خلال إجراء الانتخابات الرئاسيّة في 3 يونيو الجاري، فضلا عن إصدار قانون “العفو”، واصفا أن كل تلك التحركات مجرد “محاولات إعلامية للتأثير النفسي داخليا وخارجيا، يمكنها أن توحي بأنه في طريقه لاستعادة زمام المبادرة والسيطرة، وأنه يحاول إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الثورة، ومحاولة خداع بعض قوى الثورة والمعارضة للعودة إلى حضن النظام، أو كما يزعم حضن الوطن، فضلا عن الإيحاء إلى الرأي العام داخليا وخارجيا أنه بصدد الانتصار على الإرهاب كما يصور الثورة السورية”.

كما تحدث نشّار حول تداعيات الوضع في سوريا على دول الجوار، خاصة لبنان، قائلا: “الوضع في سوريا لا شك أن له تداعيات خطيرة على دول الجوار، خاصة لبنان ذو البنية السياسية الهشة، لاسيما مع تحكم حزب الله واستفراده بجميع مظاهر القوة السياسية والعسكرية؛ فالدور الذي يقوم به حزب الله في سوريا وضع لبنان في حالة ترقب انفجار برميل البارود، وزاد الصراع الطائفي بين السنة والشيعة أكثر حدة واحتقانا، وجعله مرشحا للانفجار في أية لحظة.

حتى الآن ليست هنالك مؤشرات تؤكد أن سيناريو تقسيم سوريا وارد في هذه المرحلة


دول الجوار السوري


استكمل رئيس الأمانة العامة لإعلان دمشق وعضو المجلس الوطني والائتلاف لقوى الثورة والمعارضة حديثه قائلا: “بالتأكيد هناك مخاطر من تداعيات الوضع السوري على باقي دول الجوار، وأكثر هذه الدول بعد لبنان هي الأردن الذي تعوزه الموارد والإمكانيات، ولا يستطع الاستمرار في تحمل وصول آلاف اللاجئين السوريين بما يحملونه معهم من مسؤوليات تلقى على كاهل الأردن وتفوق طاقته، مما قد يؤدي إلى حساسيات اجتماعية بين السوريين والأردنيين، كما أن العراق أيضا يتأثر بما يجري في سوريا، وأهم هذه التأثيرات هو التواصل بين سوريا والعراق جغرافيا مما يمنح بعض المنظمات المتطرفة، خاصة “داعش”، عمقا استراتيجيا بما يخدم مشروعها في العراق وسوريا، كما أنه صحيح أن تركيا هي الأكثر تحصينا من تداعيات الأزمة السورية، ولكن لن ننسى أن الأمن القومي التركي أصبح مهددا، ليس فقط من قبل المنظمات المتطرفة مثل جبهة النصرة (التي وضعت منذ أيام على قائمة المنظمات الإرهابية)، أو “داعش” أيضا بما تحمله من أفكار تشكل خطورة على المدى البعيد على الأوضاع الداخلية في تركيا، كل ذلك ولم نتحدث عن الخطر الداهم الذي يمثله كيان كردي مستقل في الجزء الشمالي الشرقي من سوريا على وحدة تركيا، وهي التي تعاني من مشكلة مزمنة مع المكون الكردي، وتحاول إيجاد الحلول السياسية مع حزب العمال الكردستاني، ومع زعيمه المعتقل عبدالله أوجلان”.


برغماتية حماس


حول مواقف الدول العربية من الوضع في سوريا، أكد أن الدول العربية المؤيدة للثورة السورية تأتي في مقدمتها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت، أما النظام المصري الجديد برئاسة عبدالفتاح السيسي، لم يعبر بعد عن موقفه من الثورة السورية ولا من نظام بشار الأسد، ونأمل أن يكون متجانسا مع مواقف دول الخليج الداعمة الأساسية للنظام الجديد، كما أن “هناك دول عربية اتخذت مواقف سلبية من الثورة السورية مثل الجزائر والعراق، وهناك دول عديدة تقف في المنطقة الرمادية، بمعنى ليس لها مواقف واضحة، وتتخذ مواقفها بناء على توازنات مرحلية”.

وبشأن موقف حركة “حماس” الفلسطينية، ومحاولاتها الساعية إلى التقارب مع الجانب الإيراني، قال نشار: “من الأهمية بمكان أن نرى التغيرات الهامة جدا التي تجري بالمنطقة، خاصة في مصر وما يجري حاليا في ليبيا، فحماس وجماعة الإخوان المسلمين بحاجة إلى مراجعة دوريهما في المنطقة وفي بلدان الربيع العربي؛ لأنّ تجربة الإخوان في مصر وليبيا أثبتت أنّ أداءهم سلبي جدا.

وأكد رئيس الأمانة العامة لإعلان دمشق وعضو المجلس الوطني والائتلاف لقوى الثورة والمعارضة، أن تصريحات حماس، إضافة إلى عمليّة التوافق حول حكومة فلسطينية، جاءت على خلفية هذه التحولات التي تشهدها الساحة العربية والموقف من دور الإسلام السياسي الذي يمثله تيار الإخوان المسلمين بشكل أساسي، والخشية من الحصار السياسي الذي بدؤوا يشعرون به على صعيد المنطقة، وليس من المستغرب أن يفتحوا قناة سرية مع إيران من أجل بناء جسور جديدة معها على ضوء هذه التحولات.

12