"سمّيعة" أم كلثوم لا يعترفون بالزمن

كوكب الشرق وسيدة الغناء العربي ينحسر جمهورها اليوم، ولكنها تحتفظ بنخبة مخلصة من عشاقها والذين وصلت الحالة ببعض منهم إلى تقديسها.
الاثنين 2018/04/30
سمّيعتها لا يعترفون بسطوة الزمن المجبر

لا أحد من أجيالنا لم يجلس يوما ما، مسترخيا على تخت المقهى مستمعا للغناء، وهو يردّد مع نفسه مقاطع باللهجة المصرية لكلمات محبّبة على لسانه، مصغيا لهدير الصوت الساحر وتطويحاته العالية، وتلك القدرة الصوتية لكوكب الشرق تخلخل عاطفته ليسقط كلمات الأغاني على وضعه الشخصي. تلك هي السيدة المبجلة التي فُتن بها الشباب العربي على مدى نصف قرن من الزمان. لماذا أم كلثوم إذن؟

من المؤكد أن الإنسان العربي في القرن العشرين، عاش في فضاء من المشاكل النفسية والقيود الجبارة والضغط السياسي والفقر المدقع والاستلاب، ذلك ما أجبره للبحث عن حلول سيكولوجية تعدُّ معادلا موضوعيا في التنفيس عمّا يعتمل في دواخله من اضطرابات جمة، يحاول بها أن يسرق من الوقت ساعة الاستماع المقدسة لدى مجتمع السميعة، فهذا الوقت المستقطع من حياته يصبح ضرورة قصوى. فبعد الارتكان على تخت المقهى طلبا للخدر المحبب والتماهي مع هذا الصوت الساحر لسيدة النغم العربي الأولى، وتلك هي القصة في فلسفة الخدر والكسل التي هيمنت بقوة على أجيال من العرب. وبالرغم من كل ما قيل ويقال عن تدنّي الشعر في أغانيها لكن عذوبة الصوت واللحن الشجي قد عوّض عن هزل تلك الشاعرية البسيطة والمسطحة بعكس قصائد الشعر العظيمة.

استطاعت تلك السيدة المحتشمة والخارجة من عائلة فلاحية متدينة، أن تسخّر عشرات النصوص والقصائد وعشرات الملحنين والشعراء بصياغة فنية تكاملية في ثالوث الأغنية العربية، مما جعلها تتسيد ببراعة على كرسي النجومية لعشرات السنين، بالرغم من منافسة شرسة لها من مجموعة غنائية أخرى في جيل العملاقة وثالوثها فريد وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ. استطاعت أن تخلق لها الجمهور المليوني من المعجبين جيل ما يسمى بـ”عظمة على عظمة”، حتى قيل عنها إنها لامست بقوة الوجدان العربي ودغدغت بشغف العاطفة العربية، وقد لعبت على حس السلطنة بروح من الفنية العالية والقدرات الصوتية الهائلة.

العرب بطبيعتهم السيكولوجية والسوسيولوجية ميالون إلى الكسل، فلم نعثر في الجهة المقابلة في الغرب المتحضر على مطرب غربي يقف على المسرح لساعتين أو أكثر ويعيد المقاطع الطويلة لأكثر من مرة وجمهور يطوح بالرؤوس يمينا وشمالا ليتماهى طربا مع هذا الكوكب السحري، إنه بحق جيل من السميعة الذي ذاب مع حركة العصر الحديث.

القضية تكمن في المفارقة التي نعيشها في يومنا المعاصر هذا، هل انهارت المكانة النجومية لكوكب الشرق الآن؟ هل من سميعة ومريدين لهذا الصوت؟ بالرغم من تراجع واضح في شعر الأغنية وتدني المستوى، وعدم تطابقه الواقعي مع حيثيات العصر. من الضروري أن عصر مطولات الأغنية العربية والإعادة والتكرار في المقاطع والألحان الميلودية البطيئة، لا تتناسب مع حركة العصر والسرعة، ولكني متأكد إلى غاية هذه الساعة أنها ما زالت تحتفظ لها بجمهور الذائقة الكلثومية، وخاصية السماع هي استعادة لذكريات اللحظات المنسية من خلال استرجاع الذاكرة الهاربة ليس إلا.

 لقد غادر زمن الخدر الطويل لساعات طوال على تخت المقهى، لم يعد زمنا طبيعيا ملائما، مثلما كان في القرن العشرين، لم يعد يطرب الأجيال الجديدة الصوت والتطويحات والتلوينات في صوت أم كلثوم مع خصائص صوتية أخرى يعرفها المختصون في فنون الموسيقى. كوكب الشرق وسيدة الغناء العربي ينحسر جمهورها اليوم، ولكنها تحتفظ بنخبة مخلصة من عشاقها والذين وصلت الحالة ببعض منهم إلى تقديسها من خلال التماثيل والصور والاحتفاظ بأسطوانات لها. سمّيعتها لا يعترفون بسطوة الزمن المجبر، فهم يقاومونه بالاستكانة لساعات للاستمتاع بمقدمة “لسة فاكر” أو “رق الحبيب”. إنه الحنين للماضي، وإسقاط للذكريات بهذا الصوت ليس إلاّ.

14