سنار منارة إسلامية في السودان تنتظر إنقاذها من الإهمال

تعاني المواقع الأثرية في البلدان العربية والإسلامية في غالبيتها من الإهمال رغم محاولات البحث والتنقيب على الإرث الحضاري لهذه البلدان، فمدينة سنار السودانية ذائعة الصيت في التاريخ مهددة بالاندثار إن لم تتدخل الجهات المعنية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه والبحث عمّا يمكن ترميمه.
الأربعاء 2016/02/17
شامخ رغم أهوال الزمن

الخرطوم - لم يكن اختيار منظمة التعاون الإسلامي لمدينة سنّار السودانية عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2017 مجرد صدفة، بل لأهمية المدينة التاريخية، ولما تزخر به من تراث عربي إسلامي، ويوافق هذا الاختيار مناسبة مرور خمسمئة عام على إنشاءِ سلطنة سنَّار.

وتقع المدينة جنوب شرق الخرطوم على بعد 300 كيلومتر وهي من المدن التاريخية التي عانت من الإهمال حتى انتهى تقريبا وجود المباني القديمة فيها.

وتتميز سنار بأنها أول مملكة إسلامية أقيمت في أفريقيا، وذلك عقب سقوط الأندلس مباشرة، حيث استمر حكم الدولة السنارية آنذاك أكثر من 360 عاما، انتشرت خلالها الثقافة الإسلامية، فكانت قبلة لكل العلماء من المغرب العربي، الجزيرة العربية، وشمال وغرب أفريقيا، ومن بين المزايا الأساسية للدولة السنارية أنها أسهمت في تكوين الشخصية القومية السودانية الحالية بمقوماتها الأفروعربية، من خلال التفاعل والتمازج بين الأصول الأفريقية والعربية.

وتزخر سنار بالعديد من الآثار مثل قصر السلطان والمسجد الكبير وحوش الحريم، والعديد من آثار المملكة القديمة، لكن هذه المواقع التاريخية لم تصمد كثيرا نتيجة العوامل الطبيعية والمواد الهشة التي بنيت بها كالطين الأخضر، إضافة إلى عوامل أخرى منها الأودية الطبيعية والأمطار الغزيرة، وحركة العرب الرحل، والقنوات الصناعية لري المشاريع الزراعية.

العوامل الطبيعية لم تكن وحدها التي تسببت في اندثار المواقع الأثرية الهامة في المدينة بل إن الاستعمار سعى إلى محو هذه الهوية، لتواصل بعده السلطات السودانية إهمال القيمة التاريخية والحضارية لهذه المدينة.

رحالة: سنار مدينة كبيرة تقطنها وتتردد عليها مجموعات من كل الأجناس والأديان دون أي صعوبة

ويرى خبراء الآثار أن المدينة تحتاج الآن إلى التنقيب، وذلك للتأكد من مواقع القصر والجامع والسوق ولمعرفة التخطيط العام للمدينة، ما يدفع المختصين إلى تصور التخطيط العام للمدينة وربما يقع إحياؤها من جديد وفق تصورات عمرانية قريبة من النمط القديم.

ويقول الأمين العام لتظاهرة سنار عاصمة للثقافة الإسلامية 2017 أحمد عبدالغني حمدون “يتواجد بسنار 99 مزارا دينيا، ولهذا فمن أولوياتنا ترميم هذه الآثار وبناء أماكن مماثلة للمعالم التي اندثرت وفقا للوصف التاريخي الموجود في الدراسات والمخطوطات القديمة”، متوقعا رصد مبلغ حوالي 300 مليون دولار لمشروع إحياء المدينة وإبراز معالمها التاريخية. وأصبحت سنار بموقعِها الجغرافي في صدر السودان وبتركيبتِها السكانية التي استوعبت جل الأعراق السودانية، مركزا مهما للإشعاعِ الثقافي والإسلامي في أفريقيا، كما جسدت التمازج العرقي والثقافي، فهي مثال للتسامح الإسلامي وتصالحه مع الثقافات المحلية.

ويقول الرحالة الألماني كرمب “وليعلم القارئ أن سنَّار أقرب لأن تكون أعظم مدينة تجارية في أفريقيا فإن القوافل التجارية ترد إليها من القاهرة ودنقلا ودارفور وبرنو وبلاد النوبة ومن وراء البحر الأحمر ومن الهند وإثيوبيا وغيرها. فهي مدينة كبيرة تقطنها وتتردد عليها مجموعات من كل الأجناس والأديان دون أي صعوبة، وتأتي بعد القاهرة من حيث كثافة السكان، وفيها سوق كبير يفتح أبوابه على مدار أيام الأسبوع في ميدان المدينة، وتباع فيه أنواع البضائع والأواني والأقمشة وسن الفيل والإبل والخيل والحمير والحطب والبصل والتمر وغيرها من السلع”.

وقد اقترح في فجر استقلال السودان اسم سنَّار للدلالة على السودان الوليد، إلا أن الرئيس إسماعيل الأزهري فضل اسم السودان الذي عرفت به البلاد منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

وقدم المشرفون على تظاهرة سنار عاصمة للثقافة الإسلامية 2017 خطة عمل لإحياء معالم المدينة وإعادة طبع الكثير من الكتب، وتحقيق الآثار التاريخية القديمة، وجمع التراث السوداني من المكتبات العالمية في باريس، ولندن وإسطنبول.

وهناك تصور لإقامة مدينة نموذجية على نمط سنار القديمة أو ما يعرف بالقرية التراثية لإنعاش الحياة السياحية والاقتصادية، بحيث تكون هذه القرية مقصدا للزوار والسياح من كل أنحاء العالم، من خلال إعادة تصنيع المنتجات اليدوية التي اشتهرت بها الدولة السنارية، والمنتجة من الطين الصيني، الألياف النباتية، نسيج الكتان والأحجار الكريمة.

20