سنا الأتاسي فنانة سورية تعيد عبر جماليات الأنوثة بناء ذاكرة جديدة للمكان

الفنانة السورية تشكّل بالجمال الأنثوي وطنا بديلا لآلام السوريين.
الخميس 2020/01/23
لوحات تتشح بالسواد

عبر أربع وعشرين لوحة متشحة بسواد أنيق وأعين حزينة، تعبّر الفنانة التشكيلية السورية سنا الأتاسي في معرضها الأول المقام حاليا في قاعة المعارض بدار الأسد للثقافة والفنون بدمشق، عن الأنثى بكل تفاصيلها المرحة وأيضا الكئيبة منها، رحلة نحو تسع سنوات مضت عانت فيها المرأة السورية الإهمال والتنكيل خلال حرب لم ترحمها، لتأتي الأتاسي فتُنصفها عبر معرضها المنتصر للمرأة في كل تجلياتها.

دمشق – سنا الأتاسي فنانة تشكيلية سورية، درست فن الإعلان وهي خريجة دبلوم العلوم السينمائية وفنونها الذي تقيمه المؤسسة العامة للسينما بدمشق، تعمل في مجال الرسوم المتحركة، وقد ساهمت في العديد من المعارض الفنية مع فنانين آخرين في سوريا وخارجها.

وهي تشارك حاليا في معرضين بدمشق وبيروت، وتقدّم من خلال معرضها الفردي الأول باكورة نشاطها التشكيلي عبر إقامة معرض متكامل خاص بها بعد جهد متواصل لأكثر من عام، وهي من الوجوه الشابة التي تقدّم في الحياة التشكيلية السورية نكهة مختلفة تتميّز بحساسية خاصة تحديدا في تناول موضوع المرأة التي تعمل عليه بشكل فعّال.

سنا الأتاسي: ما بداخلي كثير وعميق قد تضيق به مساحة اللوحة أحيانا
سنا الأتاسي: ما بداخلي كثير وعميق قد تضيق به مساحة اللوحة أحيانا

افتتح المعرض في الرابع عشر من يناير الجاري في قاعة المعارض بدار الأسد للثقافة والفنون بدمشق، قدّمت فيه التشكيلية السورية اللوحات بأجواء أنثوية خالصة، فمن خلال أربع وعشرين لوحة فنية استعرضت سنا الأتاسي عوالم أنثوية تضج بمعاني الحياة ومتاعبها وردود الأفعال حولها، حالات إنسانية مختلفة تجلت في رسوم تظهر القلق والانتظار والحزن والفرح والملل والتسلية وغير ذلك. في المعرض تكوينات إنسانية عميقة تتناول وضعيات مختلفة تحمل إشارات عن مراحل زمنية متعدّدة شهدتها صاحبة المعرض في مسار حياتها الشخصية التي عاشت فيها منعطفات حادة وحاسمة.

عن انغلاق المعرض على موضوعة واحدة، هي المرأة، تقول سنا الأتاسي “المعرض ليس تعبيرا عن نساء متعددات، هنّ لسن أربعا وعشرين امرأة كما يبدو للعيان، بل امرأة واحدة تشكلت في أربع وعشرين حالة، والمرأة هي أنا. ما قدّمته في المعرض هو مجموعة من الحالات الإنسانية المختلفة التي عشتها بحلوها ومرّها، في المنعطفات التي دخلتها وصنعت فيّ شيئا ما، فتركته ألوانا وأشكالا على هذه اللوحات”.

وتؤكّد الأتاسي في حديثها لـ”العرب” أنها تعمل بمبدأ المرآة التي تجسّد من خلالها ما يجول بخاطرها من مشاعر، مضيفة “لذلك يمكن القول إنها أربع وعشرون وجها لشخص واحد، تجسّد مجموعة من اللحظات الهاربة من حياتي والتي أحببت أن أثبتها على هذه اللوحات، إنها ببساطة عصارة حياتي بآلامي وأحلامي وكل مشاعري”.

اعتمدت سنا في معرضها على تقنية الرسم بالأكريليك، كما مالت إلى استخدام الألوان الهادئة وقد وصلت أحيانا إلى استعمال اللونين الأبيض والأسود فقط، بحيث بدا اللون في المعرض حالة خاصة من الناحية التشكيلية. وفي ذلك تقول “أحب العمل بالأكريليك، أرى أنه يقدّم أجواء فنية جميلة وآفاقا كبرى، إنه يمنحني بساطة في تقنية التعامل مع عملية الرسم، اعتمدت على الألوان البسيطة لكوني لا أميل إلى التعقيد بل أحبّذ البساطة في تكوين وخلق الفكرة، لست مع فكرة وجود حالات أحادية في اللون ولا في موضوع الكولاج أو التقنيات التي تعتمد أحيانا في الرسم وتذهب باللوحة إلى آفاق غريبة أحسّ أنها تضع المتلقي في أجواء مشوّشة وتشكل عائقا أمام وصول الفكرة بوضوح”.

حاولت الفنانة في لوحاتها خلق توازن ناعم وهادئ فيه “هارموني” وانسيابية معينة، فهي لا تبحث عن الإبهار بقدر اهتمامها بالوصول نحو عوالم هادئة وعميقة.

وتقول “لذلك تجد أن كل فكرة محددة تحمل معنى إنسانيا عميقا مرّ بي،أعبّر عنها بشكل أفضل بعيدا عن تعدّد الألوان، فأذهب نحو اللونين الأبيض والأسود، وهذا ما حدث فعلا، ومن هناك بدت الألوان متراجعة في لوحاتي لمصلحة هذين اللونين فحسب. اللون بالنسبة لي هو مكمن الشرح أو تقديم فكرة في حد ذاتها، وهو يحضر أو يغيب بحسب منطوق الفكرة”.

عوالم أنثوية تضج بمعاني الحياة ومتاعبها
عوالم أنثوية تضج بمعاني الحياة ومتاعبها

أتت جل لوحات المعرض بأحجام متوسطة وأخرى كبيرة وصل بعضها إلى حجم الجدارية، وهو ما يذهب باللوحات إلى فضاءات بعيدة تبقى في ذهن المتلقي بشكل مختلف، لوحات توقف عندها بعض زوار المعرض طويلا، ورأوا فيها شكلا فنيا مختلفا يذهب بحساسية التلقي نحو أماكن بعيدة.

عن هذا الاختيار تقول سنا الأتاسي “عندما أرسم أشعر أنني أفرغ طاقة تعيش فيّ وتبحث عن وسيلة ما للخروج، فتتشكّل على هذه اللوحات أشكالا وألوانا، أحاول أن أنقل على اللوحة كل ما يجوس بداخلي من مشاعر وأحاسيس أعيشها في تفاصيل حياتي اليومية. وبحكم الظروف التي تمر بي وعلى الجميع في أيامنا الحالية الصعبة، فإن الكثير من المعاني والمشاعر تتولّد عندي”.

وتضيف “في ظل ما يقدّمه عصرنا من تغيرات كبيرة وعنيفة باتت تعصف بنا فكريا وأخلاقيا، هذه العوامل مجتمعة تخلق فيّ رغبة في الرسم أكثر فأكثر، حيث أصل إلى تأطير تلك الانفعالات في لوحات مختلفة. أشعر أحيانا أن المساحات البيضاء التي توجدها اللوحة قاصرة عن استيعاب ما يدور ببالي. فما أريد قوله كثير. أتمنى أن تكون المساحات أكبر حتى من الحجم الجداري الذي يوفره فضاء المعرض. الرسم هو بوح داخلي عمّا نريد، وما بداخلي عميق وكثير قد تضيق به المساحات أحيانا”.

أعين قلقة أعياها الانتظار
أعين قلقة أعياها الانتظار

 

16